منابع الإسلام – الفصل الأول- مكة ومكانتها التاريخية 1, 2

الفصل الأول

مكة ومكانتها التاريخية، وتجارتها
تتخذ مكة أهميتها من اعتقاد المسلمين أنها من أقدم المدن على الأرض وأن الله أمر إبراهيم الخليل (عاش حوالي عام 1800 ق.م.) أن يبني بها بيتاً يكون أول بيت على الأرض يُعبد فيه الله. وقد تسلق بعض هواة الإعجاز القرآني هذا الوهم وزعموا أن مكة هي مركز الكرة الأرضية (3). بل زعم بعضهم أن رواد الفضاء عندما وصلوا إلى القمر ونظروا إلى الأرض رأوا بقعة نور باهرة، اتضح لهم فيما بعد أنها مكة، وأن النور نابع من الكعبة. بالطبع هذا هراء لا يستحق التعليق عليه. يقول الطبري في تاريخه: ” قال ثم إن الله عز وجل أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق فيما ذكر ببناء بيت له يعُبد فيه ويُذكر، فلم يدر إبراهيم في أي موضع يبني إذ لم يكن بيّن له ذلك، فضاق بذلك ذرعا فقال بعض أهل العلم بعث الله إليه السكينة لتدله على موضع البيت فمضت به السكينة ومع إبراهيم هاجر زوجته وابنه إسماعيل وهو طفل صغير. وقال بعضهم بل بعث الله إليه جبرئيل عليه السلام حتى دله على موضعه وبين له ما ينبغي أن يعمل.
حدثنا هناد بن السري قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن رجلا قام إلى علي بن أبي طالب فقال ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض فقال لا ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وإن شئت أنبأتك كيف بُني. إن الله عز و جل أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض فضاق إبراهيم بذلك ذرعا فأرسل عز و جل السكينة وهي ريح خجوج ولها رأسان فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوت على موضع البيت كتطوي الحية وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم وبقي حجر فذهب الغلام يبني شيئا فقال إبراهيم أبغني حجرا كما آمرك فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فأتاه به فوجده قد ركّب الحجر الأسود في مكانه فقال يا أبت من أتاك بهذا الحجر فقال أتاني به من لم يتكل على بنائك أتاني به جبرئيل من السماء فأتماه” (4)
القصة، كما ظهرت في العهد القديم، هي أن إبراهيم بعد أن رجع من مصر مع زوجته سارة، استقر في منطقة بئر السبع
Beersheba،
وبعد أن ولدت له خادمته هاجر ابنه إسماعيل، أخذ هاجر وطفلها إسماعيل على حمار ومعهم قربة ماء، وتركهما في مكان ما في المنطقة، وعاد إلى سارة. ومنطقة بئر السبع تقع بالقرب من خليخ العقبة، فمن غير المعقول أن يسير إبراهيم مع سارة من بئر السبع إلى مكة، مسافة لا تقل عن سبعمائة كيلومتراً، ليبني الكعبة في مكة. والمراجع العبرية لا تذكر أي شيء عن ذهاب إبراهيم إلى مكة.
والغريب في الأمر أن الله اختار نقطة في صحراء الجزيرة العربية لا ماء بها ولا عشب، ولا سكان ليبني بها بيته المقدس ليُعبد فيه. والقرآن يقول على لسان إبراهيم: “ربنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ
النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ” ( إبراهيم 37). إبراهيم يطلب من الله أن يجعل أفئدةً من الناس تهوي إلى أسرته في مكة مما يؤكد أنها كانت صحراء لا يسكنها بشر. فلماذا يختار الله مثل هذا المكان ليبني به بيته؟
مكة تقع بالقرب من ساحل البحر الأحمر في الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية وبالقرب من مدينة جدة وعلى اليمين منها تجري سلسلة جبال الحجاز بينما تقع يثرب، وهي واحة كبيرة كان يسكنها قبائل الأوس والخزرج وبعض قبائل اليهود، في الشمال الشرقي من مكة في سهول الحجاز، والمسافة بينهما حوالي 450 كيلومتراً . الأوس والخزرج قبائل نزحت من اليمن إلى شمال الجزيرة العربية. هذه القبائل اختارت السكن في يثرب، بعد أن مرت على موقع مكة الحالي دون أن تقيم به لأنه صحراء جرداء لم يكن يسكنها أحد، واختارت يثرب نسبةً لوجود الماء والزرع بها.
طرق التجارة من اليمن كانت تمر بالسهول التي على اليمين من جبال الحجاز نسبة لصعوبة سير الجمال المحملة بالتجارة فوق الجبال، حيث تمر هذه القوافل بالطائف أو بواحة يثرب فترتاح القافلة وتتزود بالماء والطعام قبل مواصلة رحلتها إلى الشام، مروراً بالبتراء، التي كانت عاصمةً تجارية مهمة. فهل مكة كانت فعلاً معروفة وبها مركز تجاري وقوافل كما يزعم الإخباريون؟
في الواقع مكة الحالية لم تكن موجودة على الإطلاق، وإن كانت موجودة فهي كانت قرية صغيرة لا يهتم بها أحد ولا يذكرها أهل الجغرافيا. يقول المؤرخ العراقي جواد على “ويعود الفضل في بقاء مكة وبقاء أهلها بها إلى موقعها الجغرافي، فهي عقدة تتجمع بها القوافل التي ترد من العربية الجنوبية تريد بلاد الشام، أو القادمة من بلاد الشام تريد العربية الجنوبية، والتي كان لا بد من أن تستريح في هذا المكان، لينفض رجالها عن أنفسهم غبار السفر، وليتزودوا ما فيه من رزق. ثم ما لبث أهلها أن اقتبسوا من رجال القوافل سرّ السفر وفائدته، فسافروا أنفسهم على هيأة قوافل، تتولى نقل التجارة لأهل مكة وللتجار الآخرين من أهل اليمن ومن أهل بلاد الشام. فلما كان القرن السادس للميلاد، احتكر تجار مكة التجارة في العربية الغربية، وسيطروا على حركة النقل في الطرق المهمة التي تربط اليمن ببلاد الشام وبالعراق.” (5)

ربما يكون الدكتور جواد علي قد استقى هذه المعلومة من كتب التراث، ولكنا نعلم حقيقةً من المنحوتات الحميرية أن مملكة حمير غزت شمال غرب ووسط الجزيرة العربية واستولت على الحجاز ونجد والإحساء. واليمن معروفة منذ القدم بتجارة البخور والمِر التي ذُكرت في العهد القديم. الحميريون سيطروا على تجارة القوافل من حضرموت إلى الشام وفلسطين ومصر، وذكروا حتى الواحات الصغيرة التي تاجروا معها مثل الطائف، لكنهم لم يذكروا مكة ولا مرة واحدة في مخطوطاتهم أو منحوتاتهم (6)
وقد أخبرنا المؤرخون اليونان والرومان وغيرهم عن يثرب لكنهم لم يتحدثوا قط عن مكة. الكاتبة المعروفة باتريشيا كرون
Patricia Crone
تقول: “وثائق التجارة اليونانية تخبرنا عن الطائف، ويثرب وخيبر، لكنها لم تذكر مكة ولا مرة واحدة.” (7)
الإمبراطورية النبطية منذ القرن الثاني قبل الميلاد حتى سقوطها للرومان عام 106 ميلادية كانت قد احتلت شمال غرب الجزيرة العربية وفلسطين واحتكرت طرق القوافل إلى الشام وفلسطين وتركت لنا نحوتاً ومخطوطات مفصلة لملوكها وتجارتها مع فلسطين وغزة وسوريا.. هذه المخطوطات والنحوت على الحجارة تذكر عدة مدن في شبه الجزيرة العربية وفي سوريا والعراق، لكنها لم تذكر مكة ولا مرة واحدة (8)


ولم يرد اسم “مكة” في نص الملك “نبونيد” ملك بابل، ذلك النص الذي سرد الملك فيه أسماء المواضع التي خضعت لجيوشه، ووصل هو إليها في الحجاز فكانت “يثرب” آخر مكان وصل إليه حكمه في العربية الغربية على ما يبدو من النص. ولم نتمكن من الحصول على اسم “مكة” من الكتابات الجاهلية حتى الان. اما الموارد التأريخية المكتوبة باللغات الأعجمية، فقد جاء في كتاب منها اسم مدينة دعيت ب “مكربة” “مكربا”
“Macoraba”،
واسم هذا الكتاب هو “جغرافيا” “جغرافية” “للعالم اليوناني المعروف “بطلميوس”
“Ptolemy”
الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد. وقد ذهب الباحثون إلى إن المدينة المذكورة هي “مكة”. وإذا كان هذا الرأي صحيحاً يكون “بطلميوس” أول من أشار إليها من المؤلفين وأقدمهم بالنظر إلى يومنا هذا. (جواد علي) (9) فحتى لو صح أن مكربة تعني مكة، فقد ذكرها بطليموس في القرن الثاني للميلاد، وهذا يعني أن إبراهيم الذي عش حوالي عام 1800 قبل الميلاد، لم يكن قد بنى الكعبة كما يزعمون، وإلا لكانت مكة مشهورة كثيراً لأنها تصبح أقدم مدينة في الجزيرة العربية.
أما المؤرخ اليوناني ديودورس الصقلي
Diodorus Siculus
(90-30 قبل الميلاد) فلم يذكر مكة في كتابه الضخم “التاريخ العالمي”
Universal History.
والمؤرخ بروكوبيس
Procopius of Caesarea (500-564م)
فلم يذكر مكة في كتابه الضخم عن تاريخ الحروب في جزيرة العرب، وهو كان يعيش في فلسطين ويعرف جغرافية الجزيرة جيداً (10) ومن المعروف أن الإمبراطورية الرومانية الشرقية في القسطنطينية قد جندت عرب الحجاز وصحراء سيناء ليحموا حدودها الغربية، وقد تركت الإمبراطورية الرومانية كمية كبيرة من المخطوطات التي ذكرت أسماء القبائل العربية التي تتعاون معهم وأسماء المدن والأماكن التي تخضع لتلك القبائل. لم يعثر الباحثون في تلك المخطوطات علي ذكر لمدينة اسمها مكة.
القرآن يذكر “بكة” ويقول (إن أول بيتٍ وُضع للناس للذي هو ببكة مباركاً وهدًى للعالمين) (آل عمران96). وليس هناك من سبب يجعل القرآن يقول لنا “بكة” إذا كانت المدينة أصلاً موجودة واسمها مكة. أغلب الظن أن كاتب القرآن استلف هذا الاسم من العهد القديم الذي ذكر وادي بكة (وادي البكاء) في منطقة البتراء بالأردن، في المزامير التي تقول في المزمار 84
Blessed is the man whose strength is in thee In whose heart are the ways of them. Who passing through the valley of Baca
(5- طوبى لأناس عزهم بك. طرق بيتك بقلوبهم. 6- عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعاً) (المزامير 84).

ويعتقد المؤرخون أن السبب في تسمية الوادي المعروف في البتراء بوادي البكاء هو تحطم المدينة بسبب الزلزال الذي دمرها في 19 مايو (أيار) عام 363م (11)
لم يعثر المؤرخون على أي ذكر لمكة قبل عام 740 للميلاد حينما ظهرت في
Continuattio Byzantia Arabica
. وأول خريطة يظهر بها اسم مكة يرجع تاريخها للعام 900 للميلاد (12)
كانت البحرين أهم مركز تجاري في الجزيرة العربية. “يقال إن “سرجون” الأكادي استولى في حوالي السنة “2300 ق. م.” على البحرين وقطر، وان البحرين كانت في حوالي السنة “1750 ق. م.” في يد قبيلة اسمها “كاروم” “أجارم”
“Agarum”،
وهو اسم قريب من “أجرم”، و إنها كانت تدفع الجزية إلى الملك “اسرجدون”. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن
“Agarum”
هم أهل مدينة “هجر” التي هي الأحساء. وقد كانت العلاقات التجارية مستمرة دوماً بين البحرين وبين العراق. إذ كانت “دلمون” محطة مهمة جداً للتجارة بين الهند وإفريقية وسواحل الخليج والعراق ]دلمون هي البحرين [. تستورد الأخشاب من الهند ومن إفريقية كما تستورد الحاصلات الأخرى وتنقل النحاس من عُمان، فتبيع ذلك إلى جنوب العراق، وربما حملت تلك التجارات بسفن يملكها أهل “أور” أو غيرهم خلال نهر الفرات، لنقلها من هناك إلى بلاد الشام ومنها إلى البحر المتوسط لبيعها إلى أهل اليونان وبقية أرجاء “أوروبة”. وقد تبين من الأخبار التي تعود إلى أيام الأسرة الثانية من أسر “أور” إن سفن ذلك الوقت “2200 – 2100 ق. م” كانت تقوم برحلات منتظمة فيما بين البحرين و “أور”، وذلك لنقل ما يرد إلى هذه الجزيرة من نحاس ومن أحجار ثمينة من عُمان، ومن ذهب وأخشاب ومواد أخرى ثمينة من الهند (13). فجزيرة البحرين كانت مهمة تجارياً ولذلك ذكرتها مخطوطات كل الحضارات وقتها، ولكن تلك المخطوطات لم تذكر مكة على الإطلاق، لأن مكة لو كانت موجودة في ذلك التاريخ، فحتماً لم يكن بها زراعة ولا صناعة لتصدرها إلى مدن أخرى، وبالتالي لا يُعقل أن تكون مدينة تجارية مهمة حتى تنزل بها القوافل التجارية.

ا(3) https://ar.islamway.net/article/54
(4) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق ج1، ص 152
(5) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج2، ص 400،
(6) Townsend, Peter, The Mecca Mystery: Probing the Black Hole at the Heart of Muslim History”
(7) Patricia Crone and M.A.Cook, Hagarism: The Making Of The Islamic World, Cambridge University Press,1976, 22
(8) Gibson, Dan, Quranic Geography, 2011, 154-67, quoted in Townsend, Peter, The Mecca Mystery, Probing the Dark Hole at the Heart of Muslim History
(9) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج2، ص 401
(10) Procopius and Henry Bronson,History of the Wars, 1-2 Cambridge, London: Harvard University Press, 2006, 179-195
From Townsend, Peter, Tme Mystery of Mecca
(11) Gibson, Dan Quranic Geography, Independent Scholars Press, Canada, 2011, p 18
(12) Gibson, Dan, P 224
(13) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص 187

مكة ومكانتها التاريخية 2

وقد أشير في التوراة وفي الكتابات الاشورية والمؤلفات اليونانية واللاتينية إلى اتجار العرب مع الخارج، كما أشير إلى اتجار الآشوريين والفرس والرومان والروم مع العرب، وإلى طمع الدول الكبرى لعالم ذلك الوقت في جزيرة العرب، نظراً لما كانوا يسمعونه عن ثرائها وغناها، ولموقعها الجغرافي المهم الذي يقع بين افريقية وآسيا، ويهيمن على المياه الدافئة ذات المنافع الكبيرة بالنسبة للتجارة العالمية في كل وقت وزمان.
والعربية الجنوبية في كتب اليونان والرومان وفي التوراة، بلاد غنية ذات خيرات وثروات وتجارات وأموال، قوافلها تخترق جزيرة العرب إلى بلاد الشام والعراق، وفي بلادها الذهب والفضة والحجارة الكريمة، تتاجر مع الخارج فتربح بتجارتها هذه كثيراً، وبذلك اكتنزت المعادن الثمينة المذكورة والأموال النفيسة حتى صارت من أغنى شعوب جزيرة العرب.
وفي “المزامير” أن “شبا” ستعطي “الذهب” لملك العبرانيين في جملة الشعوب التي ستخضع له، تقدم له الجزية. وورد في “أرميا” أن “شبا” كانت ترسل “اللبان” إلى اسرائيل. وقد ذكروا في سفر “حزقيال” في جملة كبار التجار. كانوا يتاجرون بأفخر أنواع الطيب وبكل حجر كريم وبالذهب. وأشير في “أيوب” إلى قوافل “شبا” التي كانت تسير نحو الشمال حتى تبلغ اسرائيل.
وفي هذه الاشارات دلالة على الصلات المستمرة التي كانت بين العبرانيين والسبئيين، وعلى أن السبئيين كانوا هم الذين يذهبون إلى العبرانيين، يحملون اليهم الذهب وآلأحجار الكريمة والطيب واللبان. فتبيع قوافلهم ما عندها في أسواق فلسطين، ثم تعود حاملة ما تحتاج اليه من حاصلات بلاد الشام ومصر وفلسطين (14)
وقد أشير إلى ثراء السبئيين وامتلاكهم للذهب والفضة في بعض الكتابات الاشورية، فذكر “تغلاتبليزر” الثالث” مثلاً أنه أخذ الجزية من السبئيين، أخذها ذهباً وفضة وإبلاً: جمالاً ونوقاً ولباناً وبخوراً من جميع الأنواع، كما ذكر “سرجون” أنه أخذ الجزية من “يثع أمر” ملك سبأ، أخذها ذهباً وخيلا وجمالاً ومن مصنوعات الجبال.

وقد أشار “بلينيوس” إلى إن المعينيين كانوا يملكون اًرضاً غنية خصبة، يكثر فيها النخيل والأشجار، وكان لهم قطعان كثيرة من الماشية، وان السبئيين كانوا أعظم القبائل ثروة بما تنتجه غاباتهم الغنية بالأشجار من عطور وبما يبتاعونه من مناجم الذهب والأرضين المزروعة المروية، وما ينتجونه من العسل وشمع العسل. كما كانوا ينتجون العطور.
وقد كان العرب الجنوبيون يتاجرون مع بلاد الشام، فيرسلون إليها قوافلهم مارة بالحجاز إلى أسواق بلاد الشام باًلطرق البرية التي لا يزال الناس يسلكونها حتى اليوم مع شيء من التحوير والتغيير
وقد كانت “البتراء” أي “سلع”
Sela
أهم عقدة طرق يمر بها المعينيون والسبئيون. ومنها يتجه طربق نحو البحر الميت، لمن يريد ألاتجار مع بلاد الشام وطريق آخر ينتهي بغزة، لمن يريد الاتجار مع هذا الميناء المهم، الذي بقي العرب يتاجرون معه إلى أيام الرسول.

وقد كان الذهب في رأس السلع التي حملها تجار العرب إلى الآشوربين وحكومات العراق وبلاد الشام، وفي التوراة ذكر للذهب الذي كان يجلبه العرب إلى العبرانبين، وقد أشرت إلى ما ذكره الكتبة اليونان عن الذهب عند العرب، ولعلهم كانوا يحملون الفضة اليهم كذلك. فقد كانت للفضة مناجم في جزيرة العرب. فكل هذه البلاد الغنية ذكرها الملوك والمؤرخون من قديم الزمان لأنهم كانوا يتاجرون معها، وكان الرحالة الأجانب يزورونها. فما الذي يمكن أن تقدمه مكة للتجار أو للرحالة حتى يزورونها؟
أما عن طرق القوافل فقد كانت هناك ثلاثة طرق رئيسية يسيطر عليها النبطيون الذين احتكروا تجارة البخور، كما يقول المؤرخ الكندي دان جبسون
Dan Gibson
الذي عاش ثلاثين عاماً في جنوب الأردن وسافر إلى عدة مواقع في الجزيرة العربية وخارحها بحثاً عن الآثار أو المخطوطات التي تتحدث عن بدايات الإسلام.:
1- في موسم حصاد اللبان والمِر كان النبطيون (في البتراء) يرسلون قوافلهم من البتراء جنوباً إلى حضرموت وسبأ لنقل البضائع إلى غزة ثم الإسكندرية والشام. وقد سيطر النبطيون على تجارة المِر والبخور وذكرت المنحوتات النبطية كل الأماكن والواحات التي كانت قوافلهم تستريح بها، ولكنهم لم يذكروا مكة ولا مرةً واحدةً
2- الطريق الثاني كان طريق الحرير الذي يجلب الحرير من الصين عبر جبال آسيا إلى العراق ثم إلى دمشق، ومنها إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط للتصدير إلى أوربا
3- الطريق الثالث كان الطريق البحري الذي كان يستعمله النبطيون والتجار اليونانيون لينقل البخور والمِر من موانئ اليمن ويتجه شمالاً في البحر الأحمر إلى خليج العقبة أو خليج السويس، ثم بالقوافل إلى البحر الأبيض المتوسط، أو إلى دمشق عن طريق البتراء. وقد بدأ هذا الطريق في القرن الثاني قبل الميلاد، كما يقول ديودورس الصقلي

وكما يظهر في الخريطة المرفقة فإن مكة لا وجود لها ولا أهمية تجارية (15)

طرق القوافل في الجزيرة العربية

وقد أسست ممالك اليمن الجنوبية مواضع حراسة على كل طرق القوافل، لحراسة القوافل من قطاع الطرق ومن تحرش القبائل بها، ولعل أهل يثرب الذين يرجعون نسبهم إلى اليمن، هم من الرجال الذين غرسهم السبئيون في هذا المكان لحماية قوافلهم التي تذهب الى بلاد الشام (16). ويقدر المؤرخون أن القوافل كانت تنقل حوالي ثلاثة آلاف طن من البخور والمر سنوياً (17)
بنهاية القرن الأول الميلادي كانت التجارة عن طريق البحر الأحمر قد ازدهرت لأنها أرخص من القوافل وتحمل الباخرة الواحدة ما قد يحتاج إلى عدة قوافل برية. وما يؤكد ذلك هو أن آخر مدونة تذكر القوافل كانت في نهاية القرن الأول الميلادي (18)
إذا كانت مكة الحالية ليست معروفة أو ليست مهمة قبل ظهور الإسلام، فأين كانت الكعبة التي يحج إليها عرب ما قبل الإسلام؟ لقد قدّم المؤرخ الكندي دان جبسون
Dan Gibson
أكثر من عشرة براهين جغرافية وتاريخية ودينية تثبت أن الكعبة كانت في مدينة البتراء التاريخية التي ما زالت آثارها موجودة في الصحراء جنوب الأردن. نذكر هنا بعضاً من تلك البراهين.
1- يذكر ابن هشام في السيرة النبوية “حدث أن عبد الله [والد نبي الإسلام] إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب وقد عمل في طين له وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت به من أثر الطين، فخرج من عندها فتوضأ وغسل ما كان به من ذلك الطين ثم خرج عامداً إلى آمنة، فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد.” (19)
المعروف أن مكة الحجاز في صحراء رملية ليس بها ماء غير بئر زمزم، وليس بها مزارع ولا أرض طينية. وقد قال إبراهيم، حسب ما جاء في القرآن، (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) (إبراهيم 37). فإذا كان عبد الله قد عمل في حقل له وتلطخ بالطين، فلا بد أن هذا الحقل كان في مكان أخر غير مكة. وهذا المكان هو البتراء التي أثبت علماء الحفريات أنه كان بها أشجار فواكه، وعنب، ومزارع وجداول للمياه الجارية. وقد وجدت عالمة الآثار ديانا كيركبرايد-هيلباك
Diana Kirkbride-Helback
بعد حفريات أجرتها بين عامي 1958-1967 في قرية تبعد خمسة كيلومترات من البتراء، وجود مخازن غلال، واستنتجت أن تدجين الغلال ربما تم لأول مرة في هذه البقعة من الأرض (20)

2- بئر زمزم: العهد القديم (الإنجيل) يخبرنا أن زمزمم
Zamzammims
كانوا قوماً عمالقة يعيشون في أرض أدوم
Edom
وأرض أمون
Ammon،
وهذه القبائل كانت تعيش شمال جزيرة العرب بالقرب من مدينة البتراء 21). فإذا أردنا أن نبحث عن بئر زمزم فيجب أن نبحث عنها في منطقة البتراء، حيث كانت تسكن قبائل زمزمم. لا يوجد في جميع القبائل العربية ولا في أشعارهم قبل الإسلام قبيلة أو شخص مشهور كان اسمه زمزم. فمن أين أتى اسم بئر زمزم سوى من هذه القبيلة التي كانت تعيش في منطقة البتراء.
3- غار حراء: غار حراء في مكة الحالية عبارة عن ألواح صخر متراكمة على بعضها البعض مع فتحة في جانب واحد، وهو ليس كهفاً بالمعنى المعروف للكهوف، بينما مدينة البتراء محاطة بالجبال التي تحتوي على عدة كهوف حقيقية، ومن المرجح أن غار حراء كان في هذه الجبال
4- كل القبائل التي أكثر القرآن من ذكرها: عاد، وثمود، ومدين، عاشت شمال الجزيرة العربية وتحديداً في المناطق المحيطة بمدينة البتراء. فلا بد أن نبي الإسلام كان يتحدث لمجموعة من الناس على علم بقصص هذه القبائل لقربهم منها
5- لما هم عبد المطلب، جد نبي الإسلام، بحفر بئر زمزم غدا بمعول ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطي، كبّر فعرفت قريش أنه قد أدرك جادته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقاً، فاشركنا معك فيها، قال ما أنا بفاعل، إنّ هذا الأمر قد خُصصت به دونكم، فقالوا له: فانصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، فقال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هذيم، قال نعم. وكانت بأشراف الشام (22)

فإن صحت هذه الرواية، وكان عبد المطلب في مكة الحالية عندما حفر البئر، فهل يُعقل أن يطلب منه المكيون الاختصام إلى كاهنة بني سعد بالشام على بعد أكثر من سبعمائة كيلومتراً من مكة، وكانت مكة وما حولها مليئة بالكهنة لأنها كانت مجمع الحج لجميع عرب الجزيرة؟ المنطق يقول إن هذه البئر كانت في البتراء التي لا تبعد عن الشام إلا بضعة كيلومترات قليلة، وبالتالي يُصبح من الجائز أن يحتكموا إلى كاهنة بني سعد
6- قال ابن الراوندي في كتاب “الزمرد” إن إسراء محمد من مكة إلى القدس لم يكن من المعجزات لأن البلدتين قريبتان من بعضهما البعض ويستطيع أي إنسان على حصان الذهاب من مكة (البتراء) إلى القدس والرجوع في نفس الليلة (23). وهذا يعني أم محمداً كان في البتراء
7- _قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة، 144). هذه الآية من سورة البقرة التي كانت أول سورة يأتي بها محمد بعد أن هاجر إلى يثرب. وحسب كتب التراث الإسلامي فأن محمداً قد صلى ستة عشر شهراً إلى قٍبلة لم يحددها القرآن، ولكن كتب التراث تقول إنها كانت القدس. والجدير بالملاحظة هنا أن القرآن يقول (فول وجهك شطر المسجد الحرام)، ولكن مكة لم يكن بها مسجد في ذلك الوقت. كتب التراث تخبرنا أن كلمة مسجد تعني مكان الاجتماع. وحتى لو قبلنا هذا التعريف فإن نفس كتب التراث تخبرنا أن قريش كانت تجتمع في دار الندوة ” فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه وتحدثت قريش بينها أن محمدا وأصحابه في عسر وجهد وحاجة. حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال اصطفوا لرسول الله عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه”(24). فإذا كان المسجد هو مكان الاجتماع، فهذا يعني أن الله قد أمر رسوله أن يصلي نحو دار الندوة لأنها مكان اجتماع قريش، وليس الكعبة.

المراجع:
(14) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 3، ص 1018
Gibson, Dan, Quranic Geography, p 155 -(15)
16)- نفس المصدر، ص 1022
17 -نفس المصدر، ص 161
Fisher, Greg, Arabs and the Empires before Islam, Oxford -18 University Press, 2015, p 71
— 19ابن هشام، السيرة النبوية، دار الصحابة للتراث بطنطا، الطبعة الأولى، 1995، المجلد الأول، ص 205
Dan Gibson, Quranic Geography, p 276 – 20
– 21نفس المصدر، ص 278
-22ابن هشام، سيرة النبي، مصدر سابق، ج 1، ص 193
23 Dan Gibson, Quranic Geography, p 285-
-24تاريخ الطبري، ج 1، ص 142

About كامل النجار

طبيب عربي يعملل استشاري جراحة بإنكلترا. من هواة البحث في الأديان ومقارنتها بعضها البعض وعرضها على العقل لمعرفة مدى فائدتها أو ضررها على البشرية كان في صباه من جماعة الإخوان المسلمين حتى نهاية المرحلة الجامعية ثم هاجر إلى إنكلترا وعاشر "أهل الكتاب" وزالت الغشاوة عن عينيه وتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من حقيقة الميثالوجيا الدينية الهدف الوحيد من كتاباتي هو تبيان الحقيقة لغيري من مغسولي الدماغ الذين ما زالوا في المرحلة التي مررت بها وتخطيتها عندما كنت شاباً يافعاً
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to منابع الإسلام – الفصل الأول- مكة ومكانتها التاريخية 1, 2

  1. س . السندي says:

    ١: عزيزي ليست المشكلة في نشوء الاسلام في مكة أو البتراء ، بل المشكلة والكارثة تصديق ما في القران من هراء ، وأن محمد أشرف خلق الله وحتى أشرف من الملائكة والمهدي المنتظر ، رغم سلبه ونهبه وقتله وغزواته وفسقه ، ؟
    فهل هنالك هبل أكثر من هذا الهراء ، وتصور ألله يفتتح كتابه ب { بِسْم ألله الرحمن الرحيم ، وينهيه ب أعوذ بألله من الشيطان الرجيم } ؟

    ٢: وأخيراً …؟
    سيبقى هذا حال المسلمين إن لم يكن أسوأ مادموا يؤمنون باله يجازي القتلة والسفلة واللصوص والارهابيين والمجرمين بغلمان وانهار خمر وحور عين ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.