مملكة ادوماتو (الدومة) موقعها وتاريخها‎‎

The Kingdom of the Adomato (Al-Duma) its location and history‎

سلام رحيم
ملاحظة / لمن يود مراجعة المصادر توجد في نهاية البحث .

مدينة ادوماتو واحدة من المدن التي تكرر ذكرها في النصوص الاشورية وتحديداً في حوليات الملك الاشوري سين-اخي-اريبا (سنحاريب في التناخ) وابنه الملك الاشوري اشور-اخي-ادينا (اسرحدون في التناخ) ، ففي هذا المقال اطرح اشكالية تحديد موقعها ، فعلى الرغم من ان الروايات الإسلامية تنسب تسمية الدومة الى منطقة ما في السعودية تدعى اليوم بدومة الجندل ، إلا اننا نجد ان ذلك النسب غير منطقي ، فلا شيء تاريخي يوجد بها يعود الى عقود قديمة ، فقط بناء واحد يقال انه تاريخي يدعى ب(قلعة مارد) ، حيث لمجرد مشاهدتنا له يمكن ان يعطينا انطباع اولي انه بناء حديث وليس قديم .

اقدم ذكر لأدوماتو جاء في النصوص الاشورية الملكية ، ومن عهد الملك الاشوري سين-اخي-اريبا (سنحاريب في التناخ) (705 – 681 ق.م.) وهذا نصه :
((تملخونو ملكة العرب في وسط الصحراء … اخذت … جمل منها وحزائيل ، اطاح بهما (يتحدث عن نفسه سنحاريب) هجر خيامها ، وهربا لينجوا بحياتهما الى ادوماتو التي تقع في وسط الصحراء مدينة العطش التي لا يوجد فيها طعام او شراب))¹

وكذلك في نص للملك الاشوري اشور-اخي-ادينا (اسرحدون في التناخ) (681 – 669 قبل الميلاد)، جاء فيه :
(( من ادوماتو حصن العرب الذي سبق لوالدي سنحاريب ان استولى عليه وكان قد حصل على غنائم ممتلكاتهم وتماثيل الهتهم وملكة العرب اسكالات واخذهم جميعاً الى بلاد اشور ، حزائيل ملك العرب جاء الى نينوى عاصمتي محملاً بالهدايا الثمينة وقبل قدمي وتوسل الي ان اعيد تماثيل الهته فعطفت عليه واصلحت تماثيل اترسمعين ، دي ، نوحيه ، رولدي ، عبديل ، اترقرم الهة العرب ارجعتها له بعد ان نقشت عليها كتابات تشهد بالمنزلة العالية لسيدي الاله اشور واسمي وجعلت (تبوعة) التي ترعرت في قصر ابي ملكة عليهم وارجعتها الى بلدها مصحوبة بتماثيل الهتها وعلاوة على الجزية التي قدمها (حزائيل) الى والدي فرضت عليه ان يدفع زيادة مقدراها خمسة وستون جملاً وعشرة مهور ….))² .

يتحدث (موسيل) عن ادوماتو (حصن العرب) المذكورة في النصوص الاشورية ، ويقول انها مركز الوسط للقبائل العربية ويشير الى انها واحة ، وان حدودهم وتأثيرهم وصل الى اطراف بابل وان طرق التجارة كانت تقدم من بابل بالحبوب والملابس والمواد الاخرى الضرورية لسكان الواحة ، وكانوا مياليين للتعاون مع البابليين ، وكانوا كذلك خلال فترة الصراع البابلية الاشورية ، لذلك وجه الاشوريين الى القبائل العربية التي تحالفت مع مردوك بلادن ملك بابل ضربات شديدة وفرقتهم حول حصن القلعة ، ويشير ايضاً الى ان وصف ادوماتو بكونها حصن يشير الى تطور نوعي ملحوظ في اساليب الحرب عند العرب ، حيث لم يسبق اسرحدون احد من الملوك في الاشارة الى قلاع محصنة عند العرب .
(A.MUSIl- ARABIA DESERTA)³ .

لقد شكل العرب عنصر مهم في الحرب البابلية الاشورية وخاصة في عهد الملك الاشوري اشوربانيبال وحكم اخيه (شمش – شوم – اوكين) في القرن السابع قبل الميلادي ، حيث دخل العرب الى بابل لمساندة البابليين ضد الاشوريين ، لكن لم تكفي قوتهم لمواجهة الاشوريين قبل ان يقوم الحاكم الاشوري (شمش-شوم – اوكين) بحرق نفسه داخل قصره ، فيذكر الملك الاشوري اشوربانيبال عن عرب تلك الفترة في نصين له :
(( اما العرب الذين دخلوا بابل اكلوا بسبب الجوع والعوز لحوم بعضهم بعضاً))⁴ .
وفي نص أخر له :
((سكان بلاد العرب يسألون احدهما الأخر الاسئلة ، قائلين لماذا مثل هذا الشر حل على العرب ، قائلين لأننا لم نصن القسم العظيم الذي اقسمناه لأشور))⁵ .

وبذلك نلاحظ كان هناك تواجد عربي في تلك المناطق بالقرب من بابل ، وليس في دومة الجندل الموجوده في السعوديه .

من خلال نص الملك الاشوري اسرحدون نلاحظ ان ادوماتو (الدومة) عبارة عن حصن ، وهذا لا ينطبق مع دومة الجندل اليوم ، ولكن لو تتبعنا الروايات الأخرى سنلاحظ ان هناك ذكر لادوماتو في مناطق اخرى قريبة ، مثلاً وجد قوم في شرق الاردن يدعى (الادوميين) ولكن لم يلاحظ هناك حصن لهم ، اما المنطقة الاخرى والتي يعتقد هي الاقرب لتكون ادوماتو الحقيقية هي (دومة الحيرة) التي ذكرتها عالمة الاثار البريطانية (ال -مس بيل او الخاتون كما يسميها اهالي بغداد) ، وهي واحة كما وضح موسيل اعلاه .

كما ورد ذكر لدومة الحيرة في (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ) لـ(عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي ) وكذلك لياقوت الحموي في معجم البلدان جاء ذكر دومة الحيرة في نص له جاء فيه :
((…وقيل إن خالدا (خالد بن الوليد) لما انصرف من العراق إلى الشام مر بدومة الجندل التي غزاها أولا بعينها وفتحها وقتل أكيدر، قال: وقد روي أن أكيدر كان منزله أولا بدومة الحيرة، وهي كانت منازله، وكانوا يزورون أخوالهم من كلب، وإنه المعهم وقد خرجوا للصيد إذ رفعت لهم مدينة متهدمة لم يبق إلا حيطانها وهي مبنية بالجندل فأعادوا بناءها وغرسوا فيها الزيتون وغيره وسموها دومة الجندل تفرقه بينها وبين دومة الحيرة، وكان أكيدر يتردد بينها وبين دومة الحيرة، فهذا يزيل الاختلاف، وقد ذهب بعض الرواة إلى أن التحكيم بين الامام علي عليه السلام ومعاوية كان بدومة الجندل …))⁶ .

فعلى الرغم من ان ياقوت الحموي يميز بين دومة الحيرة ودومة الجندل ، الا اني اشك بأن هذا التميز وضع فيما بعد او لتجميل او اعطاء شريعة للرواية الاسلامية ونسبها الى منطقة قريبة من الحجاز ، نلاحظ ايضاً وحسب رواية ياقوت الحموي ان خالد بن الوليد عندما انطلق من العراق الى الشام مر بدومة الجندل !!
كيف لخالد ان يتجه من العراق الى جنوبه ثم الى الشام في الشمال الشرقي !!
لذلك ان المنطقي ان يتجه خالد من العراق الى الغرب في دومة الحيرة ثم يستمر بمسيره الى الغرب الى الشام .

اضافة الى ذلك لو نلاحظ ايضاً ورود كلمة (الاكيدر) والتي على الاغلب جاءت منها كلمة (الاخيضر) ، حسب ما اعتقد ان كلمة (اكيدر) هي بالاصل (قيدار او كيدار) ، وان نص الملك الاشوري اسرحدون اعلاه يتحدث عن حزائيل ملك قيدار (ملك العرب) ، ولذلك ان تسمية (قيدار) ومع التباعد اصبحت (اكيدر) ، اضافة الى ذلك فأن اسم (حزائيل) لليوم شائع في العراق وحتى في مناطق شرق الاردن ، ويعرف اليوم بصيغة (خزعل) لأن صوت (ع) غير موجود في الاشورية لذلك يستبدل صوت (ع) الى صوتي (أ ، ء ،).
ومن تسمية (اكيدر) جاءت تسمية (اخيضر) ، وحتى اليوم يعرف هذا الحصن في بلدة عين التمر او دومة الحيرة بـ(حصن الاخيضر) .
يقول الدكتور صالح احمد العلي في كتابه (معالم العراق العمرانية ) ، ان دومة الحيرة اقدم من دومة الحندل وانها كانت القاعدة لاكيدر على الرغم من عدم امتلاكنا لنصوص دقيقة تبين ملامح العمارة في هذه المحلة الا انها كانت تحوي حصناً بدلالة صاحب دومة الجندل اليها .

فعلى الرغم من ان الدكتور صالح احمد العلي يشير بشكل مباشر الى وجود دومتين (دومة الجندل ودومة الحيرة) ولكن انا اعتقد ان هناك دومة واحدة وان الاكيدر لم يقدم اليها ، بل كانت هي حصن له وهي حصن القيدرايين العرب (الكيداريين) .

فعلى الرغم من ان الروايات العربية تنسب فترة بناء حصن الاخيضر للعصر العباسي او بعض الابحاث تقول انه بناء ساساني وكما هو واضح من خلال بناءه ، ان هذا البناء الحالي هو بناء حديث تم بناءه على اساس الحصن القديم .

وبذلك ان وجود مملكة عربية بقرب هذا الحصن وهي مملكة الحيرة لم يكن صدفة ، على الرغم من ان هناك ابحاث ترجح ان الحيرة نشأت في عهد حكم الملك البابلي نبوخذنصر وكانت معسكر للعرب ، حتى ان اسمها بصيغته الارامية (حيرتا) وتعني (المعسكر) .

مصادر :
¹_ عبد المعطي بن محمد ، العلاقات بين شمال شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين ، ص151
²_ دانيال لوكينبيل ، المجلد العربي الجزء الثاني ، ص208
³_جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ، ص591
⁴_ د.هند بنت محمد تركي ، مملكة قيدار ، ص68
⁵_ د.هند بنت محمد تركي ، نفس المصدر ، ص68
⁶_ ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، المجلد الثاني ، ص486

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.