ملحمة البطولة والشهادة

الكاتب العراقي علي الكاش

قال تعالى في سورة الأحزاب/23(( مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)).
تنويه
سيق تن نشرت هذه الملحمة عام 2007 لتخليد الرئيس الراحل صدام حسين، وأظن انها أفضل ما سطرته يدي، كما عبر أحد السادة الوزراء في العهد الوطني، عندما قال( إنها ملحمة البطولة الخالدة، سأقرأها مع كل عيد أضحى لأستذكر معانيها الكبيرة).
تعسعس الليل مجنون يتلوى كعربيد أسطوري وهلً القمر من عليائه بهالات من إشعاعه الفسفوري معلناً قدوم ضيفه السنوي خفيف الظل عيد الأضحى المبارك، ولكن الصمت والترقب فرضا طقوسهما على الجميع ففي الدهاليز المظلمة وألاقبية النتنة كانت تحاك خيوط المؤامرة فقد تجمعت الأشباح على طاولة الفجائع وهي تخطط لقتل العيد مع صلاة الفجر بطعنة غادرة من خنجر أبي لؤلؤة الفارسي.
وراحت الناس تتساءل عن سرً الليلة الليلاء التي جثمت فوق صدورهم بكل ثقلها، واستذكروا بأن القمر لم يكن نفسه فلقد نزع ثوبه الناصع البياض وظهر بحداده الأسود، وتلبدت السماء بغيوم مكفهرة سوداء تضرب بعضها البعض بسياط شديدة فترعد من الألم وتبرق بهزيم جاحظ ومخيف، وبين أنين وأنين تفقد رباط جأشها فتجهش بنوبات مريرة من البكاء، وتنساب دموع غزيرة على خدود الأرض الوديعة ليطفأ ظمأها وهي تناشد الضمائر النائمة بأن ترجئ حفر قبر جديد، فللدين حقه وللأخلاق حقها وللتقاليد حقها وللناس حقهم ولبسمة الأطفال حقها؟ ولكن ” لقد أسمعت لو ناديت حياً*** ولكن لا حياة لمن تنادي”، يتلاشى صوتها الرخيم شيئا فشيء في الأفق البعيد، ليرتفع عواء شرذمة من الذئاب.
جاء عيد الأضحى ولكنه لم يكن العيد نفسه فلم تهل ليالي القمر، ولا فاضت مشارف الصبا، ولم تصدح حنجرة أم كلثوم ” الليلة عيد الليلة”، صمت رهيب فقط فرض جبروته على مآذن الجوامع وأجراس الكنائس فأسكتها؟ لا تكبير ولا أدعية لا خطب ولا مواعظ ولا زيارات لا مرح الأطفال وزعقهم ولا ملابس جديدة ولا زغاريد للنساء اللواتي انكفئن في الزوايا متشحات باللباس الأسود، لا تهاني ولا أمنيات ولا زيارات ولا دعوات، فقد انزوت الأفراح مبكرة متسللة إلى محاجرها معلنة اعتكافها الأبدي كراهب متصوف نذر نفسه إلى ربه واعتزل الناس في صومعته. كانت الشوارع فارغة كأنها خرائب تسكنها الأشباح وتنعق فيها البوم ساخرة من عمي الخفافيش, في حين اكتظت المقابر بقاطنيها الجدد من الشباب، عجوز تتكئ على قبر أبنها الوحيد وقد غزت وجهها التجاعيد لتهمس للقبر” ولدي كانت أمنيتي أن تقوم بدفني يدك الفتية، لا أن تقوم أمك العجوز بدفنك”؟ وتصرخ عجوز أخرى ” قتلوه لأن أسمه عمر” ويردد الصدى ” قتلوه لأن أسمه” علي” ويفك كهل يستند على عصا ملتوية كأفعى هذا الطلسم ” قتل ولداها عمر وعلي” فهي شيعية وزوجها سني أستشهد في حربنا الضروس مع إيران” ولم يبقى لها أحداً !ويسترسل” كل شيء دُمر وخُرب في البلاد باستثناء المقابر فأنها توسعت وتطورت بفعل سواعد حماة الديمقراطية الجديدة وسدنة الفدرالية والحرية، وذيول ولاية الفقيه.. إنا لله وإنا إليه راجعون”.


تدور المأساة في فلك العراق ولم يتبين للكثير من العراقيين الخيط الأبيض من الأسود فبقينا على صيامنا يشلنا الظمأ وتصرخ أمعائنا من الجوع لسبر كنه ما يجري من ظواهر لم تعهدها نواميس الحياة؟ كانت النتائج متوائمة مع الأسباب وهي نتائج كارثية بكل ما للكلمة من معاني الدمار والتخريب والقتل والسلب! لقد أرادوا إسقاط نظام فمحوا دولة؟ وأرادوا رفاه شعب فجرعوه كأس اليأس، وأرادوا حرية شعب فسجنوه داخل جدرانه أو نفوه خارجه؟ إدعوا وحدة الوطنـ وإذ بهم يجزئوه إلى كانتونات هزيلة، أدعوا بذر الرفاهية فحصدنا الشوك، أعطونا الدواء فإذا به سم زعاف ينهش في أحشائنا ؟ قدموا لنا السلاح لا لندافع عن وطننا وأنفسنا وإنما لنقاتل بعضنا البعض؟ بشرونا بولادة الديمقراطية فإذا بهم يقتلوها في مهدها؟ كان الظاهر عكس الباطن أنها تقية امبريالية تعلموها من مراجعنا ومارسوها ضدنا بكل وحشية وسادية، لقد بان معدنهم الرديء منذ الوهلة الأولى، لكننا كنا نجهل أو نتجاهل فنسلمهم العذر بكل ممنونية، ونقبل بمبرراتهم السمجة برحابة صدر، وكانت المحصلة النهائية أننا أصبحنا الضيوف وهم رب المنزل؟
زفوا مفاجئة غريبة للصوص والمجرمين وقطاع الطرق بحل الشرطة؟ وزفوا بشرى سارة لإيران وإسرائيل بحل الجيش العراقي؟ وزفوا أخرى للأكراد بتقسيم العراق إلى كانتونات فدرالية، وزفوا بشرى أخرى للشيعة بأحياء غدير خم. عفروا دولة كبيرة بالتراب ومحقوا مؤسسات عظمى برمتها ونهبوا كل ما وصلت إليه أيديهم القذرة، وما تبقى من فتات على مائدتهم وزعوه على الكلاب المغتربة المرابطة بقربهم لتسد جوعها التاريخي الشره؟ وحولوا شعب الذرى بين ليلة وضحاها من أبطال البوابة الشرقية إلى لصوص علي بابا. كان العراق البوابة الشرقية للوطن العربي، وأمست السعودية هي البوابة الشرقية.
هذا هو العراق الجديد؟ فقد ورثه ظلماً وجوراً شياطين حمر عاهدوا أنفسهم على أن لايبقوا من التركة شيئاً للآخرين، انه العراق الديمقراطي الفدرالي الموحد، وهو بديل الأسماء البالية القديمة فلا عاد بلاد الرافدين ولا أرض السواد ولا مدينة السلام ولا الجنائن المعلقة ولا سر من رأى,، ولا ألف ليلة وليلة، بل ألف بلية وبلية، سقطت كل التسميات وارتفعت تسمية واحدة” بلد علي بابا ” مثل إعصار مدمر يلف كل ما يلاقيه تحت أبطه العفن. لقد اغتالوا التأريخ وفضوا بكارة الحضارة، وعقموا الرجال العظام فتحولوا إلى خصيان وعبيد وأصبحت الحرائر الماجدات سبايا للروم والفرس، ورُكل المجد العراقي التليد بالبسطال الأمريكي القذر، وتحولت قلعة الأسود إلى جحر للفئران, أغتصب الغزاة عروبته وانتهكوا شرف قوميته وامتهنوا كرامته وعصفوا بكبريائه وشموخه… فحولوه إلى عراق الموت والخراب والكراهية والبغضاء والنفاق والانشقاق والعهر والتسويف والسلب والفساد والقتل والإغتبال والتزوير والايدز والمخدرات.
شنق المجاهد الصنديد، صاحب قبضة من حديد على أسواره حمورابي ورميت مسلته الجبسية المقلدة وقوانينها في حاوية القمامة، واغتيل نبوخذنصر على بوابة عشتار ورجعت سباياه الروم أميرات موقرات إلى بلاد بابل، وعصف بأبي جعفر المنصور ومدينته المدورة، وفخخ رأسه في الساحة المدورة، كأنهم إستباحوا المدينة المنورة، سملت عينا هارون الرشيد، وعصف بعصره الذهبي المجيد,، وعُطب قلب المأمون بحرق مكتبته المصون، ومخطوطاته ومجلداته وكنوز مقتنياته، وثقبت أذنا المعتصم بدريل حرسه الصولاغي الوثني، فلا عاد يصل إلى نخوته هاتف أو دعوة مظلوم, وعثر على جثة المتنبي مذبوحاً من الأوداج الأربعة قرب المزابل.. فلا حيدراه وعمراه، لا جعفراه ولا هاروناه ولا معتصماه ولاحجاجاه، ولا عبيراه، صرخات يرددها الصدى وتختطفها الرياح بخفة وتفرقها شذراً مذرا قبل أن تصل إلى نخوة الرجال النشامى مثل نيزك هوى و تشظى قبل أن يلامس المجال الجوي، أواه أواه يا لمرارة الحقيقة، علقم يشل الشفاه وييبسها ويمحقها,
سيدي الشهيد! هذا العراق ليس عراقك، ولا عراق أجدادك، ولا عراق العراقيين، انه عراق بالروم والساسانيين، أرث تقاسموه مع أقزامهم العملاء، عراق تم تشريحه وهو ما يزال حياً ووزعت أعضائه على آكلي لحوم البشر يلتهمون لحمه ويلعقون دمه بنهم وضراوة وشراهة لا مثيل لها في التاريخ.. حتى هولاكو تبرأ منهم وخجل من أفعالهم! لا غرابة ولا عجب ممن فقد الغيرة والأدب.
عراق اليوم ليس عراقك يا شهيد الأمة، فهو عراق المغتربين والوافدين والمجنسين والعملاء والعابثين والقتلة المأجورين والفاسدين. إنه عراق الاحتلال والشركات الأمنية والميليشيات وفرق الموت وقوى الإرهاب المظلمة، إنه عراق الفرس وأذنابهم الذين مثلوا بجثتك وهم يرقصون رقصة الموت ويقفزون كالقرود على أرض لم يدر بخلدهم إنها ملعونة وملغومة! ولا تعجب من رقصهم فهي ليست عادة عند سيخ الهند وبرابرة مجاهل إفريقيا بل عادة متوارثة عند شيعة حيدر لتفريغ مخزون هائل من الكبت وأنيب الضمير مضى عليه ألف واربعمائة عام كما أخبرنا العلامة الفهامة سيد العارفين والحصن الحصين ونبراس المتقين ودرة الناصحين وكنز الحافظين وبذرة الإيرانيين وصنيعة الأمريكيين مولانا الشيخ كريم شاهبوري أزال الله ظله ليوم الدين مستشار ألأمن القومي العنين في حكومة المحتلين الأولى والثانية والثالثة والرابعة والى ما شاء الغزاة الحاقدين. كانت الذئاب ترقص بموت الأسد الهصور، يرقصون ويحتفلون بمرح غامر على أنغام سيمفونية السقيفة بلحن ” منصورة يا شيعة حيدر” يقودهم الاوركسترا الشهير منقذ آل فرعون الأصغر حادي ركب القضاء وسليل الطاغية فرعون الأكبر وسيكون مصيره مؤكداً كمصير جده، الا لعنة الله على الظالمين، والعملاء والخونة والفاسدين.!
عبرت شيعة حيدر عن فرحها الغامر بيوم النصر الكبير! لكن معذرة! لا أعرف عن أي نصر يتشدقون؟ وطن مستباح من قوات غازية تعيث فساداً في كل أرجائه، يهينون شعبه ويسرقون ثرواته ويخربون ركائزه البنيوية، ومع هذا فأن شيعة حيدر تصدح بتراتيل البيعة على حطام وطن وركام شعب! “منصورة شيعة حيدر” فالنصر يعني السلطة حتى ولو كانت شبحيه أو زائفة كظل عصفور طائر، ولكنها السلطة فلها لمعان الذهب ورنينه وإغرائه؟ لا بأس أن يقتل مليون ويهجر أربع أضعافه وتسرق المليارات وتُمحى دولة بجميع مؤسساتها.. لا بأس بذلك، كله يهون فثمن السلطة دماء وليس مال كما تحدثنا التجارب ويعظنا التأريخ، وليس ذاك مهما، المهم عودة الخلافة إلى شيعة حيدر بعد أن تم انتزاعها من النواصب و المروانيين على حد تعبير عبد العزيز الطبطبائي مبعوث الإمام خامنئي الى العراق, حتى ولو قام جندي أمريكي بوضع بسطاله الموحل على رأس سيادة الرئيس أو نائبه أو عضو في البرلمان أو وزير عراقي أو يغتصب جنود الاحتلال حفيد مرجع ديني كبير يسير في ركبهم الملعون.. لا بأس بذلك فهذا ثمن السلطة وكل شيء يهون من أجل السلطة، السلطة قيمة عليا تفتدى حسب نظرية شيعة حيدر بالدين والوطن والشعب والعروبة والكرامة والغيرة والشرف؟ إنها السلطة وما أدراك ما السلطة فقد فقدتها شيعة حيدر منذ أكثر من ألف واربعمائة عام وتلقفتها الآن من الأمريكان. هل هناك نصر أعظم من هذا وليقل المغرضون ما يقولوا؟ أن السلطة على أطلال وطن أفضل من العيش في وطن بلا سلطة ؟ إنها نظرية جديدة في إدارة شؤون الرعية؟ فجمهورية العملاء ذات نهج خاص وفريد فهي ليست تقليدية كجمهورية أفلاطون أو طوباوية كمدينة كامبالينو أو فاضلة كمدينة الفارابي، وهي لا تشبه الدول الحديثة فهي جمهورية وملكية ورئاسية واشتراكية وليبرالية وبرلمانية وفدرالية وكونفدرالية وحيادية من جهة! ودينية ووجودية وعلمانية من جهة أخرى! وديمقراطية ودكتاتورية في آن واحد! لا تعجب يا شهيد الأمة فهي جمهورية النقائض؟ هرمها السلطوي غريب في بابه، في أعلى الهرم النخبة والطليعة وهم قوات الاحتلال والمراجع العظمى وكبار العملاء، وفي وسط الهرم الحكومة الشبحية ومؤسساتها الطائفية الهزيلة والأحزاب السياسية المستوردة والميليشيات المسعورة، وفي أسفل الهرم الطبقة المسحوقة بنسيجها ألفسيفسائي المتعدد وملايين من الجهلة والأميين والمخدوعين بشعار التحرر؟ يهتفون بالتحرر عبر أفواهم، لأن أياديهم مقيدة بقيود الإحتلال. في جمهورية العمالة لا توجد فواصل بين السلطات فالسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد الاحتلال فقط، ومع هذا تتبجح جمهورية العمالة بتسلمها السلطة من المحتل؟
لا بأس بكل ذلك! ولكن جمهورية العمالة تبغي تحقيق الانجازات الكبرى فسجلها لم يسجل سوى المخازي والمهازل واللصوصية والقتل والتهجير وكان لا بد من سطر مأثرة ولو واحدة! فعلا تم ملأ الفراغ بانجاز عملية إلاعدام واختير في أقدس يوم عند المسلمين وهو عيد الأضحى المبارك، لا تباركت أيديهم! فتحولت المأثرة التي عقدوا آمالهم عليها إلى جريمة كبرى لآثمين، ووصمة عار مبين، سرمدية أبد الآبدين؟ لم نـبه دولة العمالة أو تبالي بشريعة إمامهم بتحريم القتل في هذا اليوم المقدس والتمثيل بجثة الميت، ولم تبالي بصيحات الشجب والاستنكار على كافة الأصعدة؟ فقد نفذ الإعدام بناء على قرار صادر من محكمة عميلة في جلسات قره قوشية تناقض مبادئ إمامهم. كان فارس المحكمة ومدعيها العام فرعون الأصغر من شيعة حيدر، لقد نفذوا أرادة خامنئي سليل جدهم كما يزعم، بعد أن أفتاهم مرجعهم الكبير كما يدعي بجواز الإعدام في فجر عيد الأضحى؟
معذرة يا شهيد الأمة، وحفيد الأئمة، إن شيعة حيدر ليست شيعة الإمام علي (ع) فيلسوف الإسلام وراية العدل، وسيف الحق وترس العقيدة وباب مدينة العلم, إنه بريء منهم ومن أفعالهم ليوم الدين, وهم ليسوا من أتباع الإمام الحسين(ع) سيد شباب أهل الجنة ورمز الجهاد والتضحية، وهم ليسوا من شيعة العراق العرب الأقحاح عنوان الوطنية والتضحية والشهامة أبطال ثورة العشرين، وقادسيتك المجيدة, وهم لا يمتون صلة بشيعة آل البيت الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وإنما هم شيعة فرس مصنعة ومعبئة في الجارة اللدود إيران التي ما تزال تعاني من مرارة السم الذي تجرعه قائدهم الخميني وهو يرى صورتك الساخرة في قاع الكأس الأبدي.
الأمر المحزن الذي أدهش الكثير أن تنقلب الحقائق بين ليلة وضحاها ويولونك البعض ظهورهم بعد أن وهبتهم ثقتك فتنكروا وأنكروا متناسين إن العصا لا يمكن أن تتحول في يوم ما إلى صولجان. فبعض الأيادي الآثمة التي أعدمتك صباح عيد الأضحى المبارك هي نفس الأيادي التي كانت تصفق لك وترفع رايات مجدك! وبعض الحناجر التي هتفت بنصرة شيعة حيدر هي نفس الحناجر التي كانت تصدح بحبك الأزلي! وبعض الأرجل التي ركلت جثتك المسجاة هي نفس الأرجل التي كانت ترقص في حضرة القائد! وهي نفسها التي مشت لمئات الكيلومترات في مسيرات لتعلن تضامنها ودعمها اللامحدود لك دون أن تكلً أو تتعب؟ وبعض الشعراء الذين مدحوك وبالغوا في مدحك هم نفس الشعراء الذين هجوك فبالغوا في هجائك! وبعض المطربين المتزاحمين على مبنى الإذاعة لينشدوا انتصاراتك الباهرة ويشيدوا بك، هم أنفسهم الذين يتزاحمون للاستهزاء بها محوليها إلى هزائم منكرة! وبعض رجال الدين الذين كانوا يتسابقون في الدعاء لك في الجوامع والحسينيات والعتبات المقدسة هم أنفسهم الذين حرضوا على قتلك وأفتوا بجوازه صبيحة عيد الأضحى! وبعض الرجال الذين عاهدوك على الفداء بالروح والدم هم نفس الرجال الذين هدروا دمك! لا عجب! الرجال ما عادوا هم الرجال بل أنصاف رجال، والنفوس ما عادت هي النفوس فقد تغيرت وهل يغير الله قوما حتى يغير ما في أنفسهم؟ أن تلك الصورة المروعة لأولئك الجبناء وهم يمثلون بجثتك مازالت بطعم العلقم في أفواه العراقيين الشرفاء ” من كبل الليث يكون مسيداً **** حتى وأن عد من اللقطاء ” فقد وصفتهم نعم الوصف، فهم ليسوا أكثر من حفنة من اللقطاء ولا أزيد؟ وفي الوقت الذي صعدت فيه روحك الطاهرة إلى الخالق جلً وعلى فأن أرواح هذه الضلالة ستهبط إلى الدرك الأسفل من النار وهي تحمل وصمة العار الخالص والأبدي.
لا تبتئس يا شهيد الأمة وحفيد الأئمة، فأن التأريخ لا يمكن أن يكتب بأقلام العملاء، حتى لو نفيت الحقائق في غياهب السجون، وثقبت عيون الشهود بالدريل الصولاغي، ورميت جثثهم قرب المزابل تنهش بلحمها الكلاب السائبة، للعراق رب يحميه، وشعب يعليه، وصناديد تفديه، ودماء ترويه، وقبور أنبياء تقيه وعتبات مقدسه تحميه. إعدامك خير دليل على ذلك فقد أخزاهم الله وأفشل خططهم الابليسيه، فقد أرادوا إذلالك ولكن الله أراد أن يرفعك. وأرادوا إرهابك لكن الله انزل سكينته عليك، وأرادوا أهانتك فأهانهم الله بجرأتك وتحديك، كأني اشهد سيف الله المسلول وهو يحطم الأصنام داخل الكعبة ويخاطب الصنم عزى” يا عزى خذلانك لا سبحانك إني أرى الله قد أهانك”. أردوا أن يجعلونك قزما وإذا بك كما عهدناك عملاقا، فارساً مقداماً لا يشق له غبار، أرعب وأهان الجار، أدعوا بأنهم أخرجوك من جحر فتبين أنهم أخرجوك من عرين! أرادوا السخرية بك فكانوا أكبر مسخرة في التأريخ، أرادوا إعدامك كمجرم فإذا الله يرفعك بمقام شهيد، أرادوا تشويه صورتك فإذا بها تعلق على جدران الخلود! أراودا أن ينزلوا هامتك إلى الأسفل فإذا بها ترتفع إلى الأعلى كمئذنة لتكبر مع صلاة العيد الله اكبر.. الله اكبر!.. فكانت فضيحتهم ألا تهون، من تستر ولله في خلقه شئون؟
الدول التي كانت تبلل ملابسها الداخلية هلعاً وخوفا منك، ويرهبها نبرة صوتك كما ترهب الصاعقة العصافير فتهرب إلى أعشاشها مرتجفة، ويخرسهم وعيدك كالرعد، ويثبتهم في أماكنهم مثل أوتاد الخيمة، ويتبارون لخدمتك، ويتزلفون لرضاك، ينشرون اليوم عملائهم كاللصوص يصولوا ويجولوا داخل العراق ليخربوا ويفرقوا ويقتلوا الأبرياء تحدوهم نزعة انتقام الأشقياء؟ ولا عجب فعندما يغادر الأسد عرينه تتجرأ الفئران على دخوله! ومع دستة من العملاء، دخلت قواتهم الشريرة والشبحية لتكمل تراجيديا النهب والسلب والقتل والتدمير والتفتيت وتعيث فساداً على مرأى ومسمع الجميع، ولكن لا مجيب؟ ومن يجيب؟ ولماذا يجيب؟ أليس الجميع مشاركين في حفل العهر الأحتلالي، وفي المباغي لا فضل لعاهرة على أخرى؟
وماذا بعد! هل يكفي الأسى والتأسي؟ وهل يكفي الاعتذار؟ فأن شفع فمعذرة وألف ألف معذرة وأسف بعمر الأرض وعرضها وحزن بقدر كل ذرة رمل وتراب في هذا الكون,، ودموع بقدر قطرات المطر، وخجل مورد كاحمرار قرص الشمس عند الغروب ينضب عرقا وينهمر كشلالات بهدير غاضب,، وشهقة بقوة رياح السموم وهي تعزي الأمواج فتلهب مشاعرها حزنا فتترنح صعودا وهبوطا مستذكرة سحر الماضي القريب وعبقه ولغز الحاضر ووجعه وطلاسم المستقبل المبهم المنزوي في الأعماق المظلمة.
استشعر نفسي الكآبة وينفث في صدري سعيرا وتشتعل في جوفي جمرة حمراء تمد لسانها الناري كالتنين الخرافي ليحرق ثوبي، وتنتابني نوبات من أنين ما يلبث أن يتحول إلى تمتمة خافتا بمرارة الأجل وانحسار الأمل متناسيا أن وعدا محتوما قد تحقق وميثاقا سماويا قد نفذ، وهواجس هوجاء لا تعد ولا تحصى تتنافر حيناً وتتجاذب حينا في مديات لانهائية ولا مرئية تغص في يقظة التأويل وتتهيج في فضاء رحب فقد خواصه وسحره فبدا متكئا على رمح من صلصال الغربة والغرابة لا يلبث أن يواصل دورانه العبثي في فلك مشحون بسخرية الأقدار ومجونها الداعر، وندم تصاحبه زفرات تتزاحم في علياء الكبرياء لترفع شكواها إلى السماء السابعة.
لكن هل يشفع ذلك؟ لا اطمح بأن أشيد لك في ذاكرتي جنائن معلقة يتنزه فيها خاطري ولا أبني لك تمثالا بحجم هليوس رودوس او زيوس اولمبيا ليروي قصة مجدك، ولا انزوي في معبد ديانا بارفسوس معتكفا مستغفرا نادماً، ولا أجعل من قبرك مزارا كضريح جدك الإمام، ولا أشيد لك هرما رابعا ليرسخ رسمك في عقلي، ولا أردد صدى تحذيراتك من منارة الإسكندرية للضالين في بحر الجهل والظلمات، فبقايا الذاكرة تحتضر في سكون معتم منتظرة كفنها القادم من أعماق المتاهات، فقد أعياها البحث اللامجدي لفك أحجية الربط بين الجذور والأغصان، وبين الأسباب والنتائج وبين الماضي والحاضر وبين الحقيقة والخيال!
لقد انكفأت داخل نفسي احفر دهاليز وأقبية كطفل ارتكب ذنبا ويطلب الصفح والمغفرة من أبيه، فيفيض صدره سعادة وحبورا وهو يسترجع الرضا والود ثانية، لربما تصفح عني ولكن كيف سأصفح عن خطيئة يدي التي لم تمسك القلم ليسطر انجازاتك العظيمة متناسية أن تلك الأيام ما هي” إلا صحائف لأحرفها من كف كاتبها بشر”، وعن خطيئة عقلي الذي ضل في زحمة الزمن الحالك متوجساً منك دون أن يفطن خيبته ويدرك حقيقة، صح القول” في الليلة الظلماء يفتقد البدر”، وعن خطيئة شفاهي التائهة وهي تبتسم ببلاهة لمرأى نصبك المتهاوي في ساحة الفردوس دون أن تعي بأن الذي هوى كان وطنا وشعبت وحضارة وتأريخا وسيادة وكبرياء وشموخا وليس حديدا وحجرا. وخطيئة ذاكرتي التي تناست قول حافظ إبراهيم وهو ينعي الراحل جمال عبد الناصر :
كيف أبكيك وما عسى أن أقولا *** صف بلالاً الذي يبكي الرسولا
لقد استفزتني هذه الخطايا وأيقظت مواجعي المتراكمة والمتجددة باحثة عن إكسير الغفران. ربما يشفع ليً إيماني العميق، فأنا يا عبد الله مثلك مؤمن بالله والشعب والوطن، ومؤمن بالله الواحد والوطن الواحد والشعب الواحد, ومؤمن بأنه” لا بد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر” ومؤمن أيضاً بسعة قلبك ورجاحة عقلك وأنك ستسامحني كما سامحت كل من أساء إليك عن قصد أو بدونه، فأنا على ثقة تامة بأن المناضل الحقيقي لا تتجسد أخلاقه الرفيعة بالتعامل مع من أحسن إليه وإنما مع من أساء إليه. هكذا علمتنا أيها الشهيد الحكيم وهكذا تعلمنا؟ ومع هذا كانت الظنون تأخذ بعقلي المضطرب كأرجوحة صعوداً وهبوطاً حتى أطلعت على وصيتك الأخيرة، فسكن قلبي أخيراً وأستقر عقلي، وعادت ابتسامتي إلى شفاهي المجدبة من ضمأ الرحيل والنفي الطويل، وأخذت تردد آخر ما خطته يدك السمحاء:-
عراق أنك في الفوأد متوج وعلى اللسان قصيدة الشعراء
يحي العراق بكل شبر صامد يحيا العراق بنخوة الشرفاء
يا شهيد الأمة وحفيد الأئمة برعاية الرحمن وبقوة شعبك شعب الذرى وبصمود المجاهدين المدافعين عن كرامة وسيادة الوطن وحضارته وتأريخه ومجده وشموخه، الذين يبادلونك التحية بعد قراءتهم وصيتك الأخيرة ” بلغ سلامي للمقاوم يرتدي *** ثوب المنون وحلة الشهداء” ويعاهدونك على مواصلة المسير حتى النفس الأخير في سبيل التحرير, وسيزفون لروحك السابحة في النور الأبدي البشرى الكبرى بزوال الاحتلال وإذنابه من العملاء المارقين الذين قايضوا تراب الوطن بحفنة من الدولارات، وستعود الشياطين إلى قمقمها المظلم الذي انفلتت منه بلحظة غفلة عن الشعب والأمة والتأريخ.
نعم أيها المعلم الجليل سينقشع الغيم وسيختط فجر الحرية طلسمه في الأفق من جديد، وتتضح الرؤيا وتتلاشى الأوهام ويسود الأمن والسلام في دار السلام. ستدرك شيعة حيدر بأنه لا غنى لها عن سنة حيدر، وتدرك سنة عمر بأنه لا غنى لها عن شيعة عمر، فحيدر وعمر مثل الشمس والقمر يدوران في فلك واحد هو الإسلام، ولا معنى كامل لأي منهما دون الآخر. وستعود الفتنة الملعونة إلى غفوتها الأبدية بعد أن أيقظها الجناة المارقون بضجيجهم وعبثهم ومجونهم.
ولا بد أن” يهدم الأيمان ما شيده الكفر” من تقسيم وتشتيت وفتنة طائفية وعنصرية، وتصدح المآذن والحسينيات بصوت واحد ووقت واحد ” الله أكبر” ويشدو طلاب المدارس من جديد” الله اكبر فوق أيدي المعتدي” وترد عليهم الناس بصوت واحد ” قولوا معي قولوا معي الله الله الله اكبر اله فوق المعتدي”، وتنشد الكنائس ” يوم الخلاص” وتجتمع الحناجر جميعاً في مدفع واحد ليطلق من فوهته رعدا هادرا يشق أعنان السماء بقوته.
ويعود الأكراد النجباء إلى حاضنتهم العراق الواحد الموحد بعد أن ينجلي غبار سنوات الاحتلال العجاف، ويستفيقوا من حلم الانفصال ويعيدوا النظر في مواقفهم السابقة ويدركوا بأن الجدول الذي لا يصب في نهر الرافدين تأسن مياهه وتفوح عفونتها. وان الفدرالية ليست أكثر من منشط لأحلام صفراء وستزول آثاره بعد وهلة قصيرة,، فتأريخ العرب والأكراد وحاضرهم ومستقبلهم غير قابل للقسمة على إثنين، ولابد أن تصفو النفوس الهائمة في الضباب وتوقظ جذوة الوطنية من جديد بين ركام الاحتلال، ويرجع العراق إلى حاضنته العربية سليماً معافى بعد أن تلتئم جراحه الدامية، وتدرك دول الجوار أن قصة قميص عثمان قد عفا عليها الزمن، وأن النظر إلى الخلف كفيل بإثارة الضغينة وفتح الجروح من جديد، وان النظر إلى الأمام من شأنه تعزيز الأخوة والتعاون والسلام.
علي الكاش

About علي الكاش

كاتب ومفكر عراقي . لدي مؤلفات سابقة وتراجم ونشرت ما يقارب 500 مقال ودراسة. لدي شهادة جامعية في العلوم السياسية واخرى في العلاقات الدولية شاركت في العديد من المؤتمرات الدولية لدي خبرة واسعة جدا في الكتب القديمة والمخطوطات
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.