ملحق للفصل (٦١) من دليلك إلى حياة مقدسة!


استاء البعض من تشبيهي للثقافة العلوية بـ “طبيخ القرباط”!

دعني أشرح لكم عبارة “طبيخ القرباط” التي كنا نضربها كمثل في الساحل
السوري، وتحديدا في المدينة التي ولدت وتربيت فيها!
كان لدينا مجموعة كبيرة من القرباط (النَوَر) تعيش على أطراف المدينة،
والقرباط شعب “جَلَب”، أي ليسوا من النسيج السوري المتعارف عليه،
هم من يُطلق عليهم بالانكليزي
Gypsies،
وهم مشردون في كل بقاع الأرض.

المهم كانت المرأة القرباطية تدور كل يوم على بيوت حينا، وهي تحمل سطلا.
وكلما دخلت بيتا تطلب من سيدة البيت أن تضع لها في السطل ما تجود به من
طبختها لذلك اليوم!
في نهاية جولتها النهارية كنتَ ترى بالسطل
خليطا من جميع طبخات أهل الحي،
تختلط البامية مع الفاصوليا مع البطاطا مع ورق العنب مع السلطة،
وما شابه ذلك!
……..
هكذا كانت الثقافة العلوية خليطا غير متجانس، كل فكرة فيه مأخوذة من شعب أو
ديانة عايشوها عبر تاريخهم.
ومن المستحيل أن تربط فكرة بفكرة أخرى…
لو سألت علويا لا على التعين، أن يكتب لك صفحة عن ثقافته،
قد يستطيع بشق الأنفس!
ولو فعل، ستجد في تلك الثقافة ماقد تجده في سطل القرباط،
خليطا عشوائيا، لا تستطيع أن تربط فكرة فيها مع فكرة أخرى
كيف تستطيع أن تربط ثقافة التقمص التي يعتبرونها من صلب العقيدة،
مع أية فكرة اسلامية؟؟؟
ناهيك على أن يربطوا ايمانهم وطقوسهم وانفتحاهم وطبيعة حياتهم بأية
آية قرآنية!
ناهيك عن أعيادهم التي هي كثيرة وتشمل أعيادا لمناسبات من هب ودب!

لو ادعى أي علوي أن العلوية دين كذّبه وادحض قوله، ولا تخف!

ليس للعلويين دين، بالمفهوم المتعارف عليه للدين، وتلك أجمل خصالهم،
وأكثر صفة تستطيع أن تحافظ على إنسانية الإنسان!

لا يوجد دين على سطح الأرض إلا ويخندق أتباعه.
كلما ازداد الإنسان تدينا كلما تمّ ذلك على حساب انسانيته.

لا أريد أن يفهم القارئ من كلامي أن كل متدين يفقد انسانيته،
فأغلب المتدينين يمارسون دينهم وفقا لفطرتهم الإنسانية، وليس التزاما
حرفيا بما جاء في دينهم!

كلما تغلغل المتدين في تفاصيل دينه، وقبلها بدون أن يضعها على محك الشك،
كلما كان ذلك على حساب تلك الفطرة!
هذا ما قصدته!
ولا يستطيع المتدين أن يلتزم بتفاصيل دينه، مالم تكن موثقة ومدونة.
التوثيق يعطيها مصداقيتها، سواء فعلا حدثت أم لم تحدث!

عندما شخّ محمد في الطاسة وشربت إحدى زوجاته شخاخه، فقال
لها: لن تدخل بطنك النار!
القصة رغم قباحتها موثقة في الكتب الإسلامية، الأمر الذي جعل من
المستحيل حتى بالنسبة للمتدينين الذين مازالوا يحتفظون بفطرتهم الإنسانية،
أن يتجرأوا على رفضها والمطالبة بتنظيف المراجع الإسلامية منها، وقس على ذلك.

تصور لو قصة فسخ محمد لأم قرفة لم تكن مدونة، وكانت تنتقل شفويا،
كم ميلون مسلم لكان قد رفضها، حتى استطاعوا أن يزيلوها من أذهان الناس؟
…….
مَنْ من الأخوة المسيحيين لا يذكر قصة الولد الفقير في الإنجيل،
ذلك الولد الذي كان يرتجف بردا وجوعا على قارعة الطريق،
ومرّ به المسيح مع بعض من تلامذته.
خلع أحد التلامذة معطفه وناوله للولد مع رغيف من الخبز.
فغضب المسيح، وصاح به موبخا: أيها الأحمق، نحن متوجهون
إلى الشمال وليس لدينا من الخبز ما يكفي،
ستموت من البرد والجوع هناك، ليس من الحكمة أن تعطي معطفك
ورغيفك للولد وتبقى بلا معطف وبلا رغيف!
فأطرق التلميذ رأسه خجلا!!

من منكم لا يذكر تلك القصة؟؟؟
من منكم؟؟؟؟
لا أحد فيكم يذكرها؟؟؟
لا أحد؟؟؟؟!!!
طبعا، لا أحد!
ليس هذا وحسب بل أكاد أشعر بحرارة غضبكم، لأن وفاء سلطان
كذبت عن المسيح واخترعت قصة لا يمكن أن تمت له أخلاقيا، فالمسيح ليس كذلك!!!
….
نعم، هذه القصة مختلقة وهي من وحي خيالي، ولم أقصد أن أكذب،
وإنما أردت أن اشرح فكرة من خلال هذا السيناريو!
المتدينون وغير المتدينين من المسيحيين يرفضون هذه القصة أخلاقيا، لأنها
مختلقة وغير موثقة في انجيلهم.

لكن لا أحد يستطيع أن يرفض قصة المسيح مع المرأة الكنعانية لأنها مدونة وموثقة
في الإنجيل، وكل يحاول أن يعطيها، بلا جدوى، بعدا أخلاقيا!

القصة التي اختلقتها أنا قد أستطيع أن أجد لها مبررا أخلاقيا، إذ
ليس فعلا من الحكمة أن تحسن إلى غيرك وتُسيء إلى نفسك!
أما قصة المرأة الكنعانية التي ركضت إلى المسيح متوسلة إليه أن يشفي ابنتها،
فقال لها: “لم اُرسل إلاّ إلى خراف بيت اسرائيل الضالة….
ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب”،

لا يرى فيها المسيحي المتدين أية عبارة عنصرية
مع أنها عنصرية، مهما حاولنا أن ندبلجها!
هو رفض القصة التي ألفتها وفاء سلطان ونسبتها إلى المسيح على الفور، لأنه
لما يرى فيها بعدا أخلاقيا.

لماذا تجرأ على رفض قصتي؟
لأنها غير مدونة وغير موثقة ولا يخاف من أن يتحداها.
بينما قصة المرأة الكنعانية هي موثقة في كتابه المقدس، لذلك مهما
كانت مرفوضة منطقيا وأخلاقيا لا يستطيع أن يرفضها أو يتحداها،
بل يبذل قصارى جهده كي يفسرها بطريقة تصبح مقبولة.

ما قصدت أن أقوله هو أن التعاليم الدينية الموثقة والمدونة هي الأخطر،
وهي الأكثر تشويها للذات الإنسانية، والأكثر تجميدا للعقل!
تكبل العقل بأغلال الخوف، وتمنع الإنسان ـ ولو باللاوعي ـ من أن يمارس
فطرته الإنسانية.
……………………..
حتى التاريخ الذي وصل به حافظ الأسد إلى السلطة،
كان العلويون بعيدين كل البعد عن الدين بمفهومه الرسمي،
لأنهم ـ ببساطة ـ لا يملكون دينا موثقا ومدوّنا.

كان لديهم عادات وتقاليد وطقوس تحددها مفاهيم شفوية، تنتقل
من جيل إلى جيل عن طريق الإكتساب والتقليد.
لذلك، تمتع العلوي خلافا لغيره من المتدينين ببعض المرونة، التي سمحت
له أن يعيش الحياة وفقا للفطرة البشرية التي تميل عادة للتسامح والعفوية،
إذ لم يكن لديه مراجع دينية كي يتقيد بها، ويصبح مع الزمن عبدا لها.

لا أذكر في حياتي أنني رأيت رجلا علويا في محيطي يقرأ في كتاب ديني،
بما في ذلك القرآن، باستثناء بعض الجنازات حيث كان القرآن يُتلى
من شريط مسجل!
ولم أعثر في حياتي على كتاب ديني في بيتنا، باستثناء القرآن الذي
كانت تقتنيه ستي أم علي “الأميّة”، لكي تضعه فوق رؤوسنا عندما نمرض!
والتي لو أخبرتُها في حينها أن القرآن يأمر بضرب الرقاب
لضربتي بفردة حذائها، وهي تصرخ:
وهل تفهمين القرآن أكثر مني يا مسخة!!
فجدتي الأميّة كانت تفهم القرآن وفقا لفطرتها البشرية،
دون أن تقرأ حرفا مما جاء بين دفتيه!

من ناحية أخرى، العلويون لا يملكون معابدا على الإطلاق.
بيوتهم معابدهم، إذا أرادوا أن يتعبدوا، فالعبادة خيار عندهم وليست فرضا!

المعبد يساهم إلى حد كبير في القولبة والسيطرة واستعباد العقل، ولأنهم
مارسوا طقوسهم خارج أسواره، ساهمت تلك الطقوس في الإرتقاء بهم
إنسانيا وروحانيا بدلا من أن تستعبدهم!
عندما تمارس عبادتك داخل بيتك من المستحيل أن تكون
عبادتك رياءا ومفاخرة و “ياناس شوفوني”.
بينما لم يستقطب معبد يوما حشدا كبيرا إلا وكان السبب الدفين رغبة الناس
في التنافس على “طاعة” الله، والتظاهر بالورع!

هنا لا أحاول أن أنفي عن العلوي عنصريته، فكل انتماء عنصرية!!!
خصوصا عندما
تتوفر التربة الخصبة لزرع الفكر الإقصائي والتعصبي.
وهذا بالضبط ماحدث لهم خلال نصف القرن الذي قبضت به عائلة الأسد على السلطة.
……..
لقد أدرك حافظ الأسد منذ البداية أنه لا يستطيع أن يسيطر عليهم إلا من خلال حشرهم
في حظيرة دين موثق ومدوّن، فبدأت عملية أسلمتهم، وتحديدا تشييعهم.
هذا من جهة ومن جهة ثانية،
كانت غايته الأولى والأهم أن يبرهن للسنة أن العلويين مسلمون، أملا في أن يقبلوه!
لدرجة أن بعض المفكرين العلويين الذين أتواصل معهم، يؤمنون بأن عملية أسلمة
العلويين وإبادتهم ثقافيا كانت مخططا ممنهجا ومدروسا بشكل جيد، وقع عليه
حافظ الأسد كثمن لاستلامه مقاليد الحكم، وعمل على تنفيذه بخبث ومهارة!

فبدأ بإدخال الخازوق في مؤخرات العلويين على مهل، ولكن بثبات واستمرار،
يوما بعد يوم، وعاما بعد عام…
لذلك، لم يشعروا به إلاّ عندما بدأ يخرج اليوم من قمم رؤوسهم.
………………..
لم أستطع يوما أن أحصي أعياد العلوييين، فهي كثيرة…
العيد يرمز للفرح، ورغم فقرهم وعوزهم كان الفرح بالنسبة لهم طريقة حياة
حتى أفسدتهم السلطة والسياسة، وعرتهم روحانيا وأخلاقيا!

أعيادهم مزيج من مناسبات مسيحية وإسلامية وفارسية ووثنية و……ربك يعلم!
منها عيد القوزلي (عيد ميلاد المسيح حسب التوقيت الشرقي)
وعيد الحلوة (عيد القديسة برباره) والفطر والأضحى وعاشورا….
عيد المهرجان ١٦ تشرين الأول، وهو عيد فارسي قد يعني الإحتفال بالخريف..
عيد الرابع الذي يصادف الرابع من نيسان حسب التقويم الشرقي،
وهو عيد الربيع، بل هو أجمل أعيادهم على الإطلاق…

كانوا يحتفلون به بطريقة لم أشهد أجمل منها في حياتي،
علما بأنني حضرت مهرجانات شعبية، لا تعد ولا تحصى، لشعوب وثقافات مختلفة.

كانت تقام مسارح الرقص والدبكة والموائد في الهواء الطلق لعدة أيام،
يؤمها العلويون وغيرهم من كل حدب وصوب.
وكان الشباب يتخذون تلك المناسبة ليتعرفوا من خلالها على زوجات المستقبل.

أول جريمة ثقافية ارتكبها المقبور حافظ الأسد بحقهم هو إلغاء الإحتفال بهذا العيد.
لماذا؟
لا أحد يعرف، ولكن انتشرت اشاعة تقول: “ليس من اللائق أن نمارس الفرح
بينما فلسطين محتلة”،
فتصوروا يا رعاكم الله!!!
تصوروا حجم هذا النفاق السياسي وقذارة اللعب على وتر حساس!!

والجريمة الثانية التي لم تكن تقل إيلاما، هو غزو الجوامع لقراهم…
تولى هذه المهمة المقبور الثاني جميل الأسد، ومن خلالها بدأ الإخطبوط الإيراني
يتسلل إلى سوريا، منافسا الإخطبوط السعودي الذي كان قد سبق
وانتشر في المدن والأحياء السنيّة!
مع قيام أول مأذنة في قراهم، دُقّ آخر مسمار في نعش ثقافتهم!

من هو العلوي الذي لا يذكر جمعية المرتضى الذي أنشأها هذا المأفون،
والتي بدأت معها مظاهر التشييع تجتاح الساحل السوري!
سأترفع عن ذكر الأسماء وبعض الحوادث كي لا أساهم في شخصنة القضية!

لقد سمعت من صديق علوي أن وزارة الاوقاف تسيطر اليوم على جوامعهم،
خوفا من انتشار التشييع!!!
من تحت الدلف لتحت المزراب….!!!!
كل ما أحلم به أن تسيطر عليها جماعة علمانية تنسفها من أساسها!
ولكن للأسف من تبقى من الشباب العلوي يعيشون اليوم كالطحالب التي لا تملك
جذورا ثقافية تستند عليها.
لا أتصور أن أحدا فيهم يعرف شيئا عن ثقافته التي سادت حتى العام المشؤوم ١٩٧٠
…….
عام ١٩٨١ التقيت بضابط علوي كان ذا شأن ومرتبة قبيل استلام حافظ الأسد
للسلطة، وكان قد خرج لتوه من أربع سنوات سجن، لسبب لا أحد يعرفه!
قال لي بالحرف الواحد: عندما عُرضت السلطة على صلاح جديد، ردّ وبحزم:
كل علوي يقبل أن يستلم السلطة يرتكب جريمة كبرى بحق بلده أولا،
وبحق طائفته ثانيا!
على مايبدو كان صلاح جديد يعي تركيبة العقل الجمعي،
جاء الأسد لينفذ تلك الجريمة بحذافيرها، وها هي سوريا اليوم
تعيش تداعياتها وتفاصيلها الكارثية، وليس بيد أحد حيلة!

لكي يضمن الأسد أن سكينه الخبيثة قد وصلت أبعد نقطة في العمق الثقافي
للطائفة العلوية، عمل على
تمزيقها عشائريا، فخندقها ضد بعضها البعض إلا حد تفتت عنده داخليا،
وطحنها هذا التفتت!
لم أسمع بأسماء تلك العشائر إلا بعد أن هاجرت إلى أمريكا.
…………
استغل الأسد فقر العلويين وخوفهم من السنّة، وتاريخهم المرير، ولعب
على وتر تلك العواطف السلبية، فجند شبابهم بعد أن غسل أدمغتهم،
جنّدهم لحماية عرشه، حتى سلبهم آخر ذرة من انسانيتهم!
وعلى حد قول ستي أم علي: لا تخف من ظلم الظالم، بل من ظلم المظلوم.
لذلك، اقتنع بعض السفهاء منهم أن الفرصة قد حانت للإنتقام لتاريخهم،
فعبثوا في سوريا فسادا وخرابا وظلما!

أقول بعض السفهاء، فالأغلبية منهم بشر طيّبون، مقموعون ومغلوبون على أمرهم.
وجدوا أنفسهم بين مطرقة الطغمة الحاكمة وسندان الإرهاب الإسلامي.

ثلاثة ملايين مسلم سني ـ على الأقل ـ نزحوا من المناطق الداخلية
إلى الساحل السوري، وهم يعيشون اليوم مع العلويين أهلا وجيرانا.
لم أسمع في سنوات الحرب العشر عن حادثة اعتداء واحدة، قام
بها علوي ضد جاره السني، رغم أنه تكاد لا توجد عائلة علوية
إلا وفقدت عزيزا في تلك الحرب!
أما زعران وشبيحة النظام فلم يتركوا أحدا من شرهم الذي استفحل بلا ضوابط!
….
في الثمانينيات من القرن النصرم،
كانت عصابات رفعت الأسد تغزو قرى العلويين وتنهق بالميكروفات
مشجعة الشباب على الإلتحاق بسرايا الدفاع، مقابل راتب ٣٠٠٠ ليرة سورية،
(كان أعلى راتب لمدرس الجامعة ٢٥٠٠) وثلاث وجبات باليوم، وليس
شرطا أن تملك أية شهادة دراسية.
في تلك المرحلة بالذات، كانت أعلى نسبة للطلاب في الجامعات السوريّة مقارنة
بنسبة طوائفهم إلى المجموع العام للسكان، كانت من العلويين.
زمنها، قالت لي صديقة من عائلة الخيّر، أنه في جامعة دمشق لوحدها،
١٧ طالب كل منهم يحمل اسم “علي الخيّر”!
لم يكن هناك عائلة علوية إلا وفيها طالب جامعي،
إذ أيقنوا أنه لا خلاص لهم إلا بالعلم!

في ذروة تحليقهم العلمي، ولما بانت بوادر الخلاص، بدأت عملية
عسكرتهم!
مع جلّ احترامي لكل عساكر الأرض، عندما تعسكر طائفة بالكامل
تكون قد جحّشتها!
وخصوصا عندما تقنعها أن العسكرة ضرب ولجم وقمع وبوط وانتقام،
وتعفيش وحماية مصالح!
ولا أهمية للأهليّة الجسدية، ناهيك عن الأهليّة العقلية والأخلاقية!

مازلت أذكر يوم قصّ علي زميلي الدكتور صلاح عجّان، حكايته أثناء
الخدمة الإلزامية.
كانت الدفعة كلها مهندسين وأطباء، وكان رئيس الدفعة ملازما تخرج لتوه
من الكلية الحربية، وعلى الأغلب كان علويّا.
اجتمع بهم وقال، بدون أي مقدمات: شهاداتكم الجامعية تحت هذا البوط!
مشيرا إلى حذائه العسكري.
ومن بعدها بدأت رحلة العذاب حتى انتهت الخدمة!

كم خلقت عبارة هذا الضابط الغرّ والمفلّس (بشدّ اللام وفتحها) أخلاقيا،
كم خلقت حزازات وأفرزت أحقادا في نفوس الآخرين،
وخصوصا من أبناء السنة؟؟؟!
ملايين الحوادث كهذه الحادثة تراكمت، وبالنهاية هي التي شرذمت الوطن وذبحته….
لقد رزحت سوريا تحت البوط العسكري خمسين عاما…
……

في السنة الثالثة في كلية الطب كان الدكتور عبدالله الشيخ ابراهيم
مدرسا لمادة “الأعراض والتشخيص”، وهو سني من تركمان اللاذقية.
من أتفه المتسلقين عنوة على أعمدة العلم، وأسوأهم سمعة!
كان مقربا جدا من رفعت الأسد، بل خادما له ولعصابته،
وتزوج فتاة من أهل القرداحة.
أمام عينيّ، كان يوما في طريقه إلى المدرج الكبير في كلية الطب بجامعة حلب،
ولسبب لا أعرفه أوقف عامل التنظيف وخبطه “بهدلة” من كعب الدست،
وقال له سأخصم ١٠٪ من راتبك لمدة ثلاثة أشهر!
ما أن غادر المكان حتى التفت العامل إلينا ـ نحن الطلاب ـ، وهو يرتجف وقال:
سيأتي يوم وأنتقم من هذا العلوي الساقط!
نعم، صار كل ساقط ومنحط في حسابات السنة، وغيرهم من السوريين، علويّا!!!
وقد لا ألومهم…..
…………
منذ عشرين عاما التقيت هنا في المسبح التابع لبلدية المدينة التي كنت أعيش فيها،
التقيت بسيدة سورية.
كانت حفيدتها واسمها “ناي” وابنتي فرح في نفس فريق السباحة.
عرفت منها أنها أخت فاروق الشرع، أحد أفراد الطغمة الحاكمة.
وبدون أدنى تفكير منها راحت تشتم وتبصق وتزعق منددة بالتخريب
الذي فعله العلويون في سوريا.
بكل هدوء، سألتها: وما هي مسؤولية أخيك بخصوص هذا التخريب؟
استبسلت في الدفاع عنه، وبضحالة أخلاقية وفكرية لامثيل لها.
فاضطريت أن استسلم لتفاهاتها أمام بعض الحقائق التي لا أستطيع أن أنكرها!

في ظل هذه الطغمة، الكل أفلس!!!
………………………………
تقول الحكمة: إن أسهل طريقة لتخرب بيتا هو أن تستعين بأحد من أهله!
لقد عاش العلويون ظلما وفقرا وخرابا عبر التاريخ،
لكن الظلم الأكبر والخراب الأفدح الذي تعرضوا له
سببته شرذمة منهم خارجة عن كل عرف أخلاقي!

لقد تعرضوا خلال التاريخ إلى إبادات جسدية، لكن لم يستطع
أحد أن يبيدهم ثقافيا إلا في زمن الطغمة المحسوبة عليهم!
…………

المشكلة لم يبقَ حرامي وفاسد ومجرم وقاتل من أي دين أو طائفة اخرى
إلاّ وانطوى تحت مظلة العلويين، وراح يعربد وهو مرتاح، لأنه
يعربد بإسهم!
والعلويون صامتون، بعضهم خوفا وبعضهم الآخر تمسكا
بالخازوق الذي أوهمهم أنهم اعتلوا!

بعد خمسين سنة من ممارسة شتى أشكال العربدة، فرّت عائلة طلاس
وخدام خارج سوريا مستغلة الأوضاع الراهنة.
فاستقبلتهم وسائل الإعلام العربية والإسلامية استقبال الأبطال،
مهللة “طلع البدر علينا”!
وراح أولاد طلاس من على المنابر ينظّرون ويهاجمون الفساد والفاسدين…
أليست مهزلة من مهازل العقل السوري؟!!

فعلى غرار المثل القائل: عاهرة وتحاضر في الأخلاق!
راحوا يحاضرون في الصدق والأمانة…..
يا للكارثة!
والدهم تبرع بعشرين مليون دولار من أموال كانت مخصصة من الميزانية
السورية لشراء صفقات تجارية، تبرع بها للأميرة ديانا.
هو من روى الحادثة على الملأ مقهقها، وبصفاقة لا مثيل لها!

من أين اكتسب هذه الوقاحة ليقصّ قبائحه بدون أدنى وازع
أو رادع؟؟؟
طبعا هو مرتاح لأنه سنيّ، ويعربد باسم الحكم “العلوي”،
فعربدته ستدخل في السجل العدلي للعلويين!!
ولقد نجحت تخميناته…
ها هم أولاده يتلقون معاملة الأبطال،
بعد أن شفطوا مع غيرهم الدجاجة وبيضها ومصعها،
ولم يتركوا في القن السوري ريشة!
………………………..
عرّفني صديق مسلم فلسطيني على شخص سوري كان القاضي الشرعي
لجبهة النصرة، وفرّ هاربا إلى ألمانيا بعد سنوات من الجهاد في سوريا،
بعد أن اكتشف أن القيادة العليا للجبهة مدارة من قبل النظام السوري!
تحدثت معه بالتلفون عدة مرات ولساعات…
قص علي حكاية حصار مطار حلب، والهجوم على القرى العلوية في شمال اللاذقية،
فصدمني…..
طبعا، كنت قادرة وبسهولة أن أتأكد من مصداقيته، من طريقة حديثه
وسرده للحوادث والتواريخ والأسماء بلا توقف وبدقة متناهية،
وكان يجهش بالبكاء بين الحين والآخر!
يعاني من اضطرابات نفسية كثيرة بسبب اكتشافه لخلبية جهاده، وتورطه
في قضايا أوهموه أنها قضاياه.
الأمر الذي دفعه لأن يترك الإسلام ويعتنق المسيحية…

لا أريد أن أدخل في تفاصيل الأحداث، ولكن أريد أن أقول: لقد استطاع
النظام أن يلعب لعبة قذرة جدا، فأوهم مواليه، بل العالم كله:
ليس لديكم خيار سوى أنا أو الإسلاميين!!!!
ولقد كان يحضّر لهذه اللعبة على مدى خمسين عاما،
فساهم في خلق اشرس الجماعات الإسلامية، وحضّرها للحظة المواتية.
راح يدعمها ويديرها خلسة، ليظهر للعالم إرهابها، أملا في أن يقبله العالم كبديل!

هو الذي خلقها ودعمها، ورمى أكثر من ربع مليون شاب علوي في سعيرها،
بعد أن أوهمهم أنهم أمام واجب مقدس، ألا وهو الدفاع عن الوطن.
وسواء اقتنعوا بذلك الوهم أم لا، لم يكن لديهم خيار آخر!
فلقد وقعوا بين مطرقة النظام وسندان الإسلاميين، فاختاروا أن يتفادوا
المطرقة لأنها كانت الأقرب إلى رقابهم، والأشدّ فتكا!
……
اشتبكتُ ومواطن سوري سني في معركة كلامية على صفحة شخص علوي.
يبدو أن صاحب الصفحة كان صديقا لي وله في آن واحد.
خضنا معركة كلامية شرسة، تراشقنا خلالها بكافة الأسلحة،
وتعرفون مايحدث عندما يحاول أحدهم أن يحشر وفاء سلطان في زاوية ضيقة!!
وإذ بي أتفاجئ بأنه كتب لي على الخاص.
حياني بأدب وطالبني بأن نتحاور بهدوء بعيدا عن الجميع…

دار بيننا حوار أخوي،
تمنيت بعده لو أستطيع أن أقابله، فأعانقه وأطبع قبلة على جبينه!
قال: أتفق معك في كل ما تقولينه، ولكن أقسم لك بأولادي أننا شكلنا
مجموعة من خيرة شباب حماه، ومن أكبر العوائل السنيّة فيها،
وقابلنا الرئيس حافظ الأسد في بداية الثمانينيات.
طلبنا منه بتوسل أن يسمح لنا بتجديد الخطاب الديني، ومحاولة إصلاحه
رأفة بالأجيال القادمة، فكان ردّه بالحرف الواحد:
الخطاب الديني خط أحمر، ولن أسمح لأحد بالاقتراب منه!!!!
هل أصدقه؟ طبعا، وبدون أدنى شك!
فتصور يا رعاك الله!!!!!
…….
شاب سوري أعرف عائلته، هو صديقي على الفيس بوك، يافع ولا يتجاوز الثلاثينيات.
فرّ بمعجزة من سوريا بعد أربع سنوات قضاها في أحد أقبية المخابرات.
يعيش في ألمانيا اليوم ويخضع لشتى أنواع العلاج النفسي، أملا
في أن ينقذ نفسه من الإضطرابات النفسيّة والكوابيس التي يعيشها.
عند مرحلة ما من الحديث معه، طلبت منه أن يتوقف لأنني لم أعد أحتمل!
كل مشكلته أنه ترك تعليقا على صفحة معارض سوري.

من أسوأ ما أخبرني به الانتهاكات الجسدية والإعتداءات الجنسية التي تعرض لها،
وبوحشية لا مثيل لها.
كان يومها في عمر مبكر جدا، فتحطم نفسيا.
فهل لك أن تتخيل المآسي التي عاشها الناس في تلك الأقبية، والتي لم ترَ النور يوما؟؟؟
كيف سنضمّد جرحا لأب أو أم قضى فلذة كبدهم نحبه فيها؟؟؟
هذا مايرعبني!!!!
……
المعارضة تدعي أن الثورة كانت علمانية ونادت بوحدة الشعب السوري،
وهي كذبة أكبر بكثير من أن تضلل أحدا!
علما بأنني اؤمن ايمانا قطعيا بأن الثورة في حينها كانت مطلبا مقدسا،
وضرورة حتميّة، وقضية مواطنة وكرامة بالنسبة للإنسان السوري!
لكن على ما يبدو لم يكن هناك أرضية فكرية إنسانية تستطيع أن تستند
عليها ثورة سورية علمانية، فالنظام وعلى مدى عقود قص أصابع المفكرين
وطاردهم في أصقاع الأرض!
قامت ثورة كان همها الوحيد أن تتحول من عبد إلى جلّاد،
أملا في أن تستبدل الديكتاتور بديكتاتور آخر.

هي والنظام ولدا من نفس الرحم الثقافي، ولا يمكن أن ينتصر طرف على طرف،
مالم يملك منظومة أخلاقية وفكرية مغايرة للآخر.
لقد جسد الشاعر السوري نزار قباني هذه الحقيقة،
جسدها فلسفيا في واحدة من أجمل عباراته،
والتي قالها على لسان حاكم عربي: إن لم أقتلكم ستقتلوني…

الحرية في ثقافتنا تعني أن نملك القدرة على إنهاء الآخر، لا أن نتعايش مع هذا
الآخر!
هكذا عموما، نفهم حقنا الشخصي في ظل ثقافة اسلامية تمجد الموت، مدعومة
بسلطات قمعية ديكتاتورية!

لقد فشلت تلك المعارضة فشلا ذريعا في كسب ثقة الأقليات، والعلويين تحديدا…
على أرض الواقع كانت جبهة النصرة، وداعش، وجند الشام ومن لف لفيفهم،
وعبد الحليم خدام وأولاد طلاس جميعم كانوا معارضة.

فلماذا لم يخرج علينا أحد قادة تلك المعارضة “الشريفة”، والتي
(كان همها وحدة الشعب السوري!!)،
ليشرح للشعب كيف يميّز بينها وبين الإرهابيين واللصوص؟؟؟
على العكس تماما، احتضنت المعارضة المنشقين عن النظام، والذين لا يقل
تاريخهم إجراما عن تاريخ من تركوه خلفهم،
واحتضنت أيضا جماعات ارهابية، مدانة محليّا ودوليا!

مئات التفجيرات الإرهابية حدثت في سوريا، وطالت مؤسسات مدنية لا علاقة للنظام بها،
كالمدارس والأسواق والمستشفيات ووسائط النقل الداخلي،
وحصدت أرواحا من جميع الطوائف.
لم يخرج علينا واحد من هذه المعارضة “الشريفة” ليندد بالأعمال الإرهابية،
وليقنع الموالين من أنه لا علاقة لهم بها.

لقد رأت تلك المعارضة في كل منشق عن النظام بغض النظر عن تاريخه،
وفي كل عمل إرهابي بغض النظر عن قباحته،
رأت فيه خطوة تقرّبها من الكرسي، فالشعب السوري كان آخر همها!

لقد راقبها العالم كله وفهم طينتها وطبيعتها، وأدرك أنها ليست أفضل بكثير
مما هو موجود، ولذلك تغاضى عمّا يجري حتى “يحن الحديد على بعضو”
ويتعلم الشعب السوري بمختلف أطيافه من أخطائه، ويدفع الثمن من جيبه!!!!
….
الذي حدث أنه ومنذ بداية الثورة ظن القادة في تلك المعارضة، أو هكذا
وُعدوا، أنهم على بعد خطوات من القصر الجمهوري،
وبأن النهاية قاب قوسين أو أدنى…
وبذلك سيخرجون منتصرين كالشعرة من العجين، وسيبدأون
نصب المقاصل في كل شوارع سوريا.

هذا ما كنا نسمعه منذ اليوم الأول من الحرب وعلى مدارها، نسمعه من على
منابر القنوات العربية، وتحديدا من على منبر الجزيرة،
حيث كان فيصل القاسم يستنهض همم الإرهابيين:
لماذا تشعلونها في مناطقكم، بينما مناطق الساحل آمنة؟؟

كان التدمير الشامل ـ وليس التغيير ـ هو المخطط، ولقد نُفذ بحذافيره.
بركاتك يا شيخ حمد!!!!
لم تتحقق الوعود، واستمرت الحرب عشر سنوات، حصدت من الطرفين ما يكفي!

اليوم يحس كل طرف بأنه مرهق ويريد حلا…
الوقت أكثر من مناسب، وكلي أمل أن لا تضيع منا هذه الفرصة!

نعم، على مايبدو كنا بحاجة إلى تلك الحرب، لتقتنع جميع الأطراف
بأنه لا أحد يستطيع أن يلغي الآخر، ناهيك على أن يقضي عليه،
وبأن التغيير في نهاية المطاف قادم لا محالة،
وهو لصالح الجميع!

الشعب كأغلبية لا يمكن أن نعول عليه، فهو بجميع أديانه وطوائفه مغفّل،
مغيّب عن الوعي، منهك معيشيا، مسحوق عاطفيا، محرّض طائفيا.
وكل هذه الصفات تسلب المرء أخلاقه!
ما نستطيع أن نعول عليه هو قيادة علمانيّة حكيمة، تدرك أبعاد الكارثة واسبابها،
تفهم التركيبة الفكرية والعاطفية والنفسية لإنسان الوطن من أية خلفية دينية أو سياسية.

قيادة تلمّ بالمعطيات على الساحة الدولية،
وتملك من الدعم الدولي مايكفي للسيطرة على الأمور، والسير بالوطن نحو الأفضل.
مع الأخذ بعين الإعتبار، أن المجتمع الدولي لن يسمح للطغمة الحاكمة
أن تستمر بعد أن دفع الشعب السوري بكل أطيافه الثمن باهظا،
ولن يسمح أيضا للإسلامين أن يصلوا، فالعقدان الماضيان قد كشفا
للعالم حقيقة إجرامهم وعقيدتهم.
……..
……..
هذا لا يعني أن المرحلة المقبلة ستكون سهلة،
لا نستطيع أن نقفز فوقها، ولا بد من المرور فيها،
كي نصل إلى المستقبل الذي يحلم به الجميع.

الشاعر الأمريكي
Robert Frost،
يقول:
The best way out is always through
(دائما أفضل الطرق للخروج من الأزمة هو المرور فيها)

لقد مررنا بكل مراحلها، وبكل تفاصيلها القبيحة، وبكل جزئياتها
المؤلمة جدا جدا…
لا يوجد أحد لم يتألم…
الألم وحّدنا جميعا، متجاهلا خلفياتنا الموروثة والمفروضة علينا قسرا،
ولهذا أقدّسه!
نعم، أقدّس الألم، فالبخور يضنّ بعبقه مالم يحترق!

حان الوقت لنمرّ بآخر مرحلة، ونخرج من عنق الزجاجة،
حتى ولو كان الخروج هو أسوء مراحلنا.
المخاض دائم صعب، وأصعب مراحله المرور من عنق الرحم!

حان الوقت ليستنشق العالم عَبق البخور السوري بعد أن احترق،
حان الوقت ليرحب بنا في سفينة نوحه كي لا ننقرض!

مطلبنا أن يسقط النظام في مزابل التاريخ،
وأن يدرك الجميع أنه ليس للإسلاميين والإرهابيين مكان
في سوريا الجديدة.
سوريا التي تصادق العالم كله، والعالم كله يصادقها…
إذ لا تستطيع مؤامرة في العالم أن تنال من شعب يحب ذلك العالم!

لعل مارتن لوثر كينغ السوري يخرج من بيننا، ليصرخ:
(الإنتقام لمن قُلعت عينه سيتركنا جميعنا عميانا…)
علنا نداوي جروحاتنا ونغسل قلوبنا من أحقادها،
ونحمل أقلامنا وفؤوسنا ومعاولنا، ونبدأ عملية البناء…

أما خلاف ذلك فسيكون الوضع استمرارا لكارثة لا يعلم أحد نهايتها!!!
************

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.