مقطوعة بوليرو الموسيقيه

د. ميسون البياتي
تعرّف أغلبنا على مقطوعة بوليرو الموسيقيه بعد وصول فيلم المخرج الفرنسي كلود ليلوش الى السينمات العربيه عنوانه : الواحد والآخر, أخرجه عام 1961 ووصل الى السينمات العربيه نهاية الستينات تحت عنوان : باريس والآخرون
الموسيقى التصويريه لهذا الفيلم هي المقطوعه التي ألفها موريس رافل عام 1928 لترقص على إيقاعها راقصة الباليه الروسيه الأشهر في زمانها ( إدا روبنشتاين ) بعدما طلبت هي من رافل أن يصمم لها لحناً يصلح أن تؤدي عليه باليه مستوحى من الرقصات الإسبانيه

لموسيقى البوليرو حكاية متشعبه نتعرف عليها الآن , فهي أصلاً إيقاع لرقصه مغربيه يؤديها أهل مراكش , أدخلها الإسباني سباستيان سيريزو عام 1780 الى إسبانيا وهي لراقص واحد أو إثنين تصاحبها الصناجات والقيثاره وصرخات الراقصين
إنتشرت الرقصه في غرناطه وإشبيليه ولامنشا ومدريد ومورسيا بشكل واسع بداية القرن 19 ثم عمّت عموم إسبانيا بعد العام 1898 العام الذي إندحرت فيه الجيوش الإسبانيه في الحرب الأمريكيه الإسبانيه التي خسرت فيها إسبانيا مواقعها في المكسيك وكوبا والفلبين فقفلت أساطيلها عائدة الى الوطن حيث إستقبلت العوائل رجوع أبنائها سالمين بالرقصات , فتحولت البوليرو الى رقصه قوميه إسبانيه

في العام 1928 طلبت إدا روبنشتاين وكما أسلفنا من موريس رافل وهو موسيقي فرنسي 1875 _1937 أن يصمم لها لحناً لتؤدي عليه باليه مستوحى من الرقصات الإسبانيه , في البدايه إنتابته الحيره وفكّر في تنسيق 6 نقلات من مجموعة الموسيقي الإسباني إسحق ألبينيز 1860_1909 والمعروفه بإسم ( إيبيريا ) وهي 12 مقطوعه للبيانو ألفها بين عامي 1905 _1909 عام وفاته , فيها من الوطنيه والرومانسيه والحزن الشيء الكثير, بعد خسارة اسبانيا موقعها امام الولايات المتحده الأمريكيه كأكبر مستعمر في العالم , لكن حقوق التأليف والإقتباس والنشر حالت بين رافل ورغبته هذه لتعطل الموافقات القانونيه قبل الشروع بالإقتباس
حين حصل رافل على الموافقه القانونيه بالإقتباس عن ألبينيز , غيّر رأيه وقرر الإقتباس عن الرقصه الفولكلوريه الشائعه بوليرو , ثم سمّاها بنفس الإسم : بوليرو , وعلى أي حال فرقصة بوليرو بعد الحرب الأمريكيه الإسبانيه التي وقعت عام 1898 ودامت 8 أشهر من أبريل وحتى ديسمبر والتي أعقبتها إتفاقية باريس نفس العام التي جردت إسبانيا من ممتلكاتها كدولة مندحره , كانت تلك الرقصات وألحانها فيها الكثير من الوطنيه والأسى والحزن على الضحايا والفقدان في الأرواح والمال

# قامت إدا روبنشتاين 1883 – 1960 وهي راقصه ، ومصممة رقص ، وراقصة باليه ، وممثله مسرحيه ، وعارضة أزياء من الإمبراطورية الروسيه ولدت في خاركيف ثم انتقلت الى فرنسا وتوفيت في فينيسيا عن عمر 77 سنه ، قامت بتقديم رقصتها لأول مره يوم 22 نوفمبر1928 في دار اوبرا غارنييه في باريس

# إستعمل المخرج الياباني فوميو هاياساكا في العام 1950 مقطوعة بوليرو كموسيقى مسرحيه عند إخراجه مسرحية راشامون التي كتبها العبقري الياباني راينوساكي أكوتاجوا

# كتب ريتشارد آكر تريثال بوليرو وهو موسيقي أمريكي من أصل إيطالي لأربعة عازفي إيقاع في عام 1979عملاً مسيقياً مستنداً على إيقاع وهيكل بوليرو لرافل . تخيّل تريثال فيه عازفي الإيقاع الأربعة كأربعة راقصين ، يجمعون بين المعزوفات المنفردة والثنائيات والثلاثي مع لحظات من العمل الجماعي بالطريقه نفسها التي كان من الممكن أن يفعلها مصمم الرقصات

# قام عازف الأوكورديون الأمريكي جون سيري الأب 1915 _ 2003 بتأليف مقطوعته ( بوليرو الإفريقي ) للأوكريون والناي عام 1950

# عام 1972 قام المؤلف البريطاني كيث إيمرسون 1944 _ 2016 بتأليف ( بوليرو أبادون ) للأوركسترا قام فيه بتوليف أيقاعات موسيقى الهابيرانا الكوبيه ومعزوفة بوليرو, ورقص الكونتريدان الفرنسي ومسرح الزارزويلا الإسباني

# بعد الحرب العالمية الثانيه ظهرت في فرنسا فلسفات العبث واللامعقول والوجوديه كرد فعل على الإحتلالين العسكريين المباشرين المتعاقبين لفرنسا من قبل الألمان ثم الأمريكيين الذين جاؤها محررين أثناء الحرب العالمية الثانيه فظهرت أعمال أدبيه مثل اسطورة سيزيف والغريب والعادلون والمجانين لألبير كامو ومسرحيات مثل سجناء ألتونا وثلاثية دروب الحريه لجان بول سارتر , نفس هذا التأثير إستمر حتى الستينات وجعل كلود ليلوش يقدم فيلمه الواحد والآخر الذي عرفناه بإسم باريس والأخرون , يتحدث عن 3 عوائل تلتقي قبل الحرب وبعدها ويرينا تاثير الحرب عليها , يختتم الفيلم برقصه للبالارينو موريس بيجار سويسري الأصل فرنسي الجنسيه تحت برج إيفيل تعبر عن لوعة الحرب ورفض الآخر الغريب . في الفديو المرفق نشاهد البالارينو جوليانن فافرو يؤدي نفس رقصة موريس بيجار في الفيلم

ومن الجدير بالذكر أن الشهبانو فرح إمبراطورة إيران السابقه , ومنذ كانت طالبه في باريس , كانت تربطها صداقه مع بيجار استمرت حتى نهاية حياته 1927 _2007 وبعد زواجها من الشاه محمد رضا بهلوي إستقدمت بيجار مدرباً لفرقة الفنون الشعبيه الإيرانيه , فمنح بيجار الفرقه طابعه الشخصي في رقصة البوليرو . بعد إسقاط نظام الشاه تم حل فرقة الفنون الشعبيه لكن تأثير بيجار في الذائقه الإيرانيه لم يزل قائماً حتى اليوم نشاهده في العروض الصغيره التي يقدمها بعض الشباب الإيرانيون تحت مسمى : رقص صوفي , لكن الحقيقه أن الرقص الصوفي هو فقط رقص السماع الذي يقوم به الدراويش الصوفيون ولا شيء عداه

# المخرج الأمريكي جورج لوكاس فكر في جعل مقطوعة بوليرو لرافل هي الموسيقى التصويريه لسلسلة مسلسلات حرب النجوم ( الأمل الجديد 1977 , خدع الفضاء “ستارترك ” 1980 , الخطر الوهمي 1999 , الإنتقام من السيث 2005 ) لكنه عدل عن ذلك فإستخدمها كضربات متفرقه لبعض المشاهد فقط

# يعترف موريس رافل بالطابع الجنسي لمقطوعته , يشاركه في هذا كثير من المخرجين الذين يستخدمون التكرار المتسارع الموجود فيها لمصاحبة المشاهد العاطفيه التي تسبق الممارسات الحميمه , وحسب إستطلاع أجراه موقع بث الموسيقى عبر النت ( سبوتيفاي ) فهي ثالث موسيقى تستخدم لهذا الغرض بعد موسيقى ديرتي دانس و موسيقى سكچوال هيلنگ أداء مارفن گايا


واخيراً فمقطوعة رافل تعتبر واحده من أكثر 10 مقطوعات مسموعه في كل العالم حيث تبين من إستطلاع عالمي أجرته جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى العالميه , أنها تُسمع منذ تأليفها حتى اليوم في كل ربع ساعه بمكان مختلف في العالم , وهذا شيء يسر ورثة موريس رافل المثيرين للجدل الذين هبطت عليهم المقطوعه كنعمة من السماء يمتلكون حقوق نشرها وإقتباسها منذ وفاته عام 1937 وحتى عام 2024 حيث كسبوا من المقطوعه 46 مليون يورو فقط عن الأعوام المحصوره بين 1970 _ 2006 وهي المقطوعه التي قال عنها مؤلفها نفسه أنه لا يعرف لماذا يعجب الناس بها لأنها من وجههة نظره عمل بسيط يتمكن أي طالب موسيقى من تأليف مثله

د . ميسون البياتي

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in الأدب والفن, يوتيوب. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.