مقطع من رواية قنابل الثقوب السوداء «وكشّر وحش السماء عن أنيابه»

الجزء الثاني والأربعون

مرّتْ ثلاثة أيام على هذه السلاسل التي تكبّله ، بينما مدير وكالة ناسا ينتظره ليتابع رصده لنجم سحابة أورط .
اتصلَ به أكثر من مرّة ولكن الهاتف مغلق على الدوام ، أرسل بعض أمن الوكالة ليسأل عنه في مسكنه فقال له أحد الجيران أنّه مختفٍ منذ ثلاثة أيّام .
جنّ جنونه ، نظر إلى المكان الذي يجلس فيه ، والأوراق التي يدوّن فيها تحليلاته ، فاغرورقتْ عيناه حُرقة على غيابه .
ومن عظمة الحبّ والحنين قعد حيث يقعد جاك ، ونظر حيث ينظر ، وراقب حيث يراقب .والمفاجأة .. كارثة .
فقد تحوّل النجم إلى ثقبٍِ أسود ، لم يجد حوله إلّا الظلام ، ظلام ظلام ، فوقع في روعه ما حدث له حيث قال في نفسه..
لقد قهرته جاذبيّته رغم كتلته الصغيرة وانكمشَ على نفسه متحولاً إلى ثقبٍ أسود .
أصابته حشرجة ، وكلح وجهه ، وارتعدتْ فرائصه ، ثمّ نظر بعينيه الممتلئتين بالدموع فضلاً عن الخوف الذي حلّ بهما الآن مرّة أخرى والنتيجة واحدة .صمتَ صمْت الصراخ فأسرّ به فجأة لينطلق من داخله صراخًا متضعضعًا متهالكًا بقوله جا ، جاااا.. ج…جااااا..،..جاااااااااااااك .
ووثب من جلوسه يناديه ، ولقد نسي أنّه اختفى .
استقلّ سيارته الطائرة وذهب إلى مسكنه فلم يصل لشيء .
قال الخيط الوحيد الذي أمامي هم حرسه ، نعم حرسه ، وظلّ يقتفي آثارهم حتى وصل إلي أحدهم فسأله عن جاك فقصّ له ما حدث من ثلاثة أيام ، فأخذ يفكر ويمعن في التفكير حتى هداه إلى الذهاب إلى البيت الأبيض ، بل تأكد أنّه هناك .
استقلّ سيارته الطائرة وحلّق قريبًا من البيت الأبيض ، ثمّ هبط وتقدّم إلى البوابة الرئيسة وطلب مقابلة الرئيس .
أدخله الحارس على الفور وقابل رئيس المخابرات بالداخل وسأله عن الدكتور جاك فلم يجبْه ، قال له لعلك تريد زيارة الرئيس الأمريكيّ فاصطحبه إلى الرئيس فسلم وأقعده .
-سيادة الرئيس قال لي الدكتور جاك أنّه سوف يأتي هنا ، وقد بحثت عنه في كلّ مكان فلم أجده ، فقلتُ لعّله في ضيافتك .
-كنتُ سأرسل إليك ، وأحمد الربَّ أنّك أتيت ، جاك جاسوس للعرب ولكنّي غير متأكد ، وحفاظًا على وكالة ناسا القوميّة آثرتُ أن أخفي الخبر لحين ملاقاتك .


-ملاقاتي ، ملاقاتي أنا ..بل عليك مواجهة العالم كلّه ، وكان قاعدًا فنهض ..أين الدكتور جاك فخامة الرئيس ؟
ثمّ تابع كلامه ..سيادة الرئيس العالم معرض للفناء إن لم تخرجه ، جاك هو ورقة الخلاص ، رسالتاه هما النجاة .
-إن كان هناك من سيخلّص العالم من الشرِّ فهو أنا ، سكت هنيهة ثمّ قال ..وما علاقة الرسالتين ببقاء العالم أو فنائه ؟
-لم يقتنع أحدٌ سيادة الرئيس بتحوّل النجم الصغير إلى ثقب أسود إلّا هو ..ولم يضع تصورًا لرحلة إليه والخلاص منه إلّا هو .
-تجاهل كلامه فقد ظنّ أنّه قال ذلك ليخلّص جاك من قبضته ..سأله ، ألَا تستطيع أن تصنع لنا طائرة مخفية ؟
-ماذا نفعل بالطائرة المخفيّة يا سيادة الرئيس والأرض قد تُلتهم ..سيادة الرئيس أريد جاك فورًا .
-سأطلق سراحه وأتغاضى عن حقّي من أجل الحفاظ على الجنس البشريّ من الفناء .
من البيت الأبيض إلى المرصد…
أخذه واستقلّا سيارته ، مضيا إلى المرصد فورًا ليعاين ما أخبره به الرئيس ناسا في السيارة .
أقبلا مهرولين وجلسا في المرصد ، كارثة..
يظهر أمامه الجرم يتنفس أبخرة على شكل هيجان من البلازما يلفظها بسرعة تقارب سرعة الضوء من على جوانبه وحوافه ، وقذفه كبير جدًا لكن التهامه صعب .
الجرم يدور ولم يثبت ، يتحرك في مكانه بصورة دائريّة .
يتمركز في نصف قطره ثقب دوديّ أغلب الأوقات يظلّ مفتوحًا يكاد لا ينغلق .
على الفور أرسل رئيس ناسا إلى المراصد المتطورة والتلسكوبات المتموضعة على متن الأقمار الصناعيّة للتأكد ممّا رآه هو وجاك .
وللأسف صور المراصد الفضائيّة الدقيقة التابعة لناسا تؤكّد نفس الحالة المرصودة من المراصد الأرضيّة ، فضلاً عن رصْد لبصمة بخار ماء في الشريط الواقع تحت تأثير جاذبيتّه ، وقد تمّ رصد هذه البصمة من خلال المركبة الغير مأهولة التي تسبح في الفضاء خارج المجموعة الشمسيّة منذ سنوات .
وتمّ عقد اجتماع سريّ على الفور ، قال بَكْ..إنّ قذفه الشديد وصعوبة التهامه ينذر بفنائه قريبًا ، فقذفه ينهي حياته وصعوبة التهامه تدلّ على الضعف الشديد لجاذبيّته .
وهذا القذف يسمى بالتجشّؤ الكونيّ ، بينما الجاذبيّة تطلق عليها أمواج ثقاليّة .
ومن نتائج هذا السلوك أنّ خطورته لن تظهر إلّا حين يقترب جرم كبير من أفق حدثه المريض ، حينها سوف تزداد كتلته بطريقة بشعة ، لكنه سيفقدها بسرعة لأن قذفه كبير وهائل .
قال جاك ..
ومن مراصد التحليل الطيفي لأشعة الثقوب السوداء وُجِد بصمة بخار ماء على المنطقة المحيطة به ، وظهر آثارها على بعد ملايين الكيلومترات .
ردّ بكْ عليه ..بصمة بخار الماء في الغالب نتيجة البلازما الحارة التي يطلقها الثقب على مسافات بعيدة وتصيب بعض المذنبات التي تحتوي على 80 % جليد ماء .
قال آخر …
هذه البلازما تمّ تحليلها بوساطة التلسكوبات الطيفيّة وتبيّن أنّها أشعة سينيّة كما توقعتُ .
قال رئيس ناسا ..إنّه من الثقوب الدوّارة .
ردّ جاك على الفور وهذا يسهل علينا اختراقه ، كما أنّ الثقب الدوديّ لا ينغلق تقريبًا وهذه رحمة ربانيّة لأنّه أرسل إلينا الوحش وأعلمنا كيفية الخلاص منه ، وفتْحه المتواصل يدلّ على احتواء ثقبه الدوديّ للمادة الغريبة .
والمادة الغريبة كما تعرفون ذات كثافة سالبة الطاقة وضغطها سالب وهي قويّة بدرجة لا نهائيّة .
نظر رئيس ناسا إلى جاك وقال والله قد غلبتنا يا ولدي ، لم يدون في كُتب الفيزياء مثل ما جئتنا به ، لم تتوقع ناسا كلها أن يتحوّل هذا النجم الملعون إلى ثقبٍ أسود ، وللأسف تحوّل .
-قلت لكم من قبل ولم تصدقوني ، عامة ، أنا لديّ الحل ..فحدجوه جميعًا ..
قال ..هو ليس حلاً مستحدثًا ، بل قلته من قبل واعترضتم عليه ، واعترضتْ عليه لجنة مناقشة رسالة الدكتوراة ، ثمّ نظر إلى بكْ وقال ..وكذلك سيدي بكْ اعترض أيضًا ، فحدّج فيه بكْ ، وكذلك رئيس ناسا وبقيّة الجمع .
-فقالوا له بنوعٍ من الاستخفاف..أكيد تقصد الشراع والليزر والمفاعلين والمحطات الشمسيّة وجهاز دعم الحياة .
-قال جاك ..نعم .
-فتمتموا وازوروا جميعًا ثمّ نظر بعضهم إلى بعض ، منهم المتردّد ومنهم ما ليس لديه شئ ليقوله ، ومنهم الخائف ، ومنهم الرافض .
-فرمق جاكُ في عيونهم الرفض ، كما سمع من صياحهم المضطرب وازورارهم للخلف الرفض أيضًا فقال لهم مخاطبًا..
أيّها السادة أودّ أن أذكركم بعدة أمور لعلّ أكثركم غافل عنها…
1-أنتم اعترضتم وكذلك لجنة مناقشة رسالة الدكتوراة على وجهة نظري بشأن النجم وقلتم مستحيل يتحوّل إلّا لقزم أبيض وقلت لكم ولهم بل سيتحوّل إلى ثقبٍ أسود وجانبني أنا الصواب .
وقلت لكم فيما قلت بأنّي أعلم ما في السماء ، وأعلم موضع كلّ جرم فيها حتى أنّي أستطيع أن أرسم خريطة فضائيّة لها فلم يشفع لي ذلك في إثبات وجهة نظري بشأن النجم المتحوّل .
2-وأنا مطفئ حريق الجامعة ، وقد علمتم سرعة بديهتي من قبل عندما نظرتُ إلى الشجرة التي احترقتْ فيما بعد وتسبّبت في كارثة ، لم ينتبه لها كلّ فيزيائيّ بيركلي وأنا انتبهتُ لها ، وجانبني أنا الصواب .
3-وما لا تعلموه أنّي أنا ..أنا فتى البركان الملثّم .
هنا سمعوه وحدجوا فيه مندهشين ، إذ رُفُع اللثام أخيرًا عن رجل البركان الذي ملأ وسائل الإعلام عدة شهور متتابعة مرددين سؤالاً لم يجدوا إجابة له وهو .. من هذا الفتى الملثم .. والآن وصلت الإجابة لهم فقط .
تابع جاك ..تلثّمتُ وقدتُ دراجتي البخاريّة وأنقذتهما ، أنقذتهما بدراجة فكنت أمهر من الطائرات .
4-ورسالة الدكتوراة كانت عن اختراع شراعٍ شمسيّ يسير بعشْر سرعة الضوء من خلال تقنيات أنتم تعلمونها ولم تقتنع لجنة المناقشة به وكذلك أنتم ، فاضطروا هم منحي دكتوراة خيال علميّ ولم تجدوا أنتم حرجًا في رفض مقترحي ..أفلا تضطرون كما اضطروا هم .
ويبدو أنّ حججه وبراهينه قد أدمغتهم جميعًا فلم يجدوا إلّا الاستسلام لما يقول .
فقالوا له اشرحْ خطتك كاملة ، ثمّ نظر إليه رئيس ناسا ..اشرحْ خطتك يا ولدي مرّة أخرى بالتفصيل وسوف نوافق عليها على الفور .
الحل والتفيذ …
القمر نملك فيه بعض الخامات التي تصلح لصناعة مجموعة ليزرات قويّة ، لكنها لن تكفي مطلقًا لخوض رحلة إليه ، لابدّ من إرسال كلّ المواد اللازمة لبناء أجهزة ليزرات ضخمة عبر المصاعد الفضائيّة التي تمتلكها ناسا ، على الفور .
وعمل الشراع الضوئيّ على الفور .
وأنا سأعمل ليلاً ونهارًا على الجهاز الشامل .
أرسلوا هيليوم -3 الى القمر اللازم لعملية الاندماج النوويّ ، ذلك الهيليوم الذي اغتصبتموه أنتم وغيركم منه ، وكثّفوا البحث عن المزيد والمزيد منه فقد نحتاج كلّ الكميّة الموجودة على القمر ، أريد خبراء الفيزياء النوويّة على القمر خلال أيام .
أبدوا جميعًا الموافقة ، وتمّ عمل الترتيبات اللازمة لخوض الرحلة إلى الثقب .
قرّروا جميعًا كتم الخبر عن العالم ، إلّا الرئيس جورج رامسفيلد .
وقبل فضّ الاجتماع كلّمه رئيس ناسا وقال له ..
فتى البركان الملثّم أهلاً بك في ناسا ، أنقذتُ طفلين في ساحة بيركلي والآن سوف تنقذ العالم في ساحة سحابة أورط .
وتزامن هذا الاجتماع مع صراع داخليّ لدى فهمان ، فقد تحامل على نفسه بسبب ما يحدث في المنطقة العربيّة وقرّرالعمل على المصادم رغم الضعوط النفسيّة ، وأخذ يسبّ ويلعن إبليس ويتوعّده ويؤكد له أنّه سوف يعبر الجسر المؤدّي إليه ، ويقول أعلمُ أنّك يا ملعون ستنتظرني عند بوابة العبور ولكنّي سأواجهك وأقتلك ، فأنت من حضارة النار التي أشعلتْ الحروب في حضارتنا .

ولم تمر سوى أيام قلائل حتى بدأت ناسا في التنفيذ العملي لما اقترحه جاك نظريًا في رسالة الدكتوراة .
فمستلزمات الرحلة هى : الشراع الشمسيّ – الجهاز الشامل – المحطتان الشمسيتان على القمر – مفاعلو الاندماج والانشطار النوويّ على القمر – محطات الليزر العملاقة على القمر وهذه الأخيرة تستلزم جهد خارق فوق العادة .
وقد عزمتْ على إرسال المزيد من الروبوتات عبر المصاعد الفضائيّة لاستخراج هيليوم-3 لعمليات الاندماج النوويّ وصنْع محطات الليزر ، كما عزمتْ إرسال خبراء تصاميم الشراع الشمسيّ إليه ليبدأوا في صنعه .
وتوفرَ لجاك كلّ المستلزمات لصنع جهازه الشامل .
ولقد أثير جدلاً واسعًا حول المحطات الليزريّة ، فناسا ترى أنّه يكفي محطة واحدة عملاقة بيد أنّ جاك رفض هذا رفضًا شديدًا وقال لابدّ من سبع محطات ليزريّة ، كلّ محطة تملكها قارة لها علم يرفرف عليه .
وسأله أحدهم ..أتبني لهم محطات ليزر وهم لا يعلمون بأمر الثقب ولا بأمر رحلتك !
فردّ..عندما تحين اللحظة المناسبة سنعلمهم ونكلفهم ببناء محطاتهم تحت إشرافنا .
ولقد خلصوا في النهاية بعد طول مفاوضات إلى صنْع السبع محطات على أن يتمّ الإشراف عليها من قِبل ناسا ومحطة الفضاء الأوروبيّة .
*ولقد لحظ الروس تهدئة موجة الحرب ، حتى أنّ بعض القوات الأمريكيّة بأحلافها رحلوا من المنطقة العربيّة ، كما لحظوا هذا الكم الهائل من الروبوتات التي تصعد إلى القمر عبر المصاعد الفضائيّة ، وكذلك خبراء فيزياء نوويّة تستوطن القمر ، ومهندسين يقومون بصنع شراع شمسيّ في مدار حول الأرض .
وفسّروا تهدئة الأوضاع لخوفهم من الرؤوس النووّية التي على مراكز إطلاق الصواريخ ، كما فسّروا انسحاب بعض وحدات الجيش بأنّها وسيلة من وسائل الخداع والتمويه حتى يضربوا ضربتهم الكبرى .
وفسّروا إرسال المزيد والمزيد من الروبوتات إلى القمر للتنقيب عن هيليوم-3 لزيادة قدرتهم النووّية في الحرب ، هذا النوويّ الذي لم يستخدم حتى الآن ، لكنهم لم يستطيعوا تفسير صنْع الشراع الشمسيّ ولا تفسير إرسال ملايين المرايا التي تستخدم في عمل الليزر ، حتى قال أحد الخبراء الروس قولة مشهورة “لعلّهم سيضربوننا بالليزر من على القمر” .

بقلمي : ابراهيم أمين مؤمن

About ابراهيم امين مؤمن

الاسم ابراهيم امين مؤمن مصرى مواليد ابريل ...1969 ليسانس اثار جامعة القاهرة اجيد فن الرواية بجميع انواعها والشعر بجميع بحوره ,. كما انى الجا احيانا كثيرة الى التحرر من بحور الشعر واكتب الشعر الحر .. انشر فى العديد من المجلات والمواقع والصحف العربية منطلقا من نوفمبر لسنة 2016 وكانت اول قصيدة لى من الشعر الحر نُشرت فى اليوم السابع فى شهر نوفمبر لسنة 2016 واسمها اعيدينى الى ذاتى .. فى خلال خمس شهور فقط نشرت اكثر من اربعين منشورا ما بين قصة قصيرة وشعر عامودى وحر فى اكثر من ثمانين صحيفة عربية . واود ان اقدم رواية تمثل فخر الامة العربية مستقبلا , وتكون مرآة لنا نحن الادباء العرب امام ادباء الغرب الذين للاسف سبقونا حتى فى لغتنا ,, اللغة العربية .........
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.