معتقدات بلاد الرافدين القديمة عن الموت والآخرة

بقلم : عضيد جواد الخميسي

العديد من النصوص الأدبية وأشهرها ملحمة گلگامش ؛ تتأمل معنى الموت وتروي قصص مصير الموتى في العالم الآخر. منها ما تصف طقوس الجنائز والحداد المتنوعة ، وأخرى أُبتكِرت كي تُتلى في الشعائر الدينية ، لبلوّرة فكرة الأشباح وآلهة الموت . كان من أبرزها ؛ گلگامش ـ إنكيدو والعالم الأخر ، رحلة عشتار/ إنانا إلى العالم السفلي ، و نرگال ـ إريشكيگال .

عثرت الفرق الآثارية على مجموعة النصوص المتعلّقة بالموت والآخرة في معتقدات بلاد الرافدين ، والتي شملت : مراسيم الدفن ، ختم أو رسم القبور، وكذلك النصوص التي سجّلت نفقات وتكاليف الجنازات أو إجراءات الطقوس ، بيانات الوفاة في القرارات والمراسيم الملكية ، تواريخ المتوفين ، الرسائل الملكية والرسائل الخاصة ، نصوص المعاجم ، العبارات الطقوسية التعّبدية ، نصوص السحر الطبيّة ، نذير النحس أو الشؤم ، وعبارات اللعنة .

مصادر تلك النصوص جاءت في صيغ مختلفة ومتنوعة تبعاً لترتيبها الزمني ، ابتداءً من السومرية ، الأكدية ، البابلية ، والى الآشورية ؛ لذا يجب علينا أن نكون حريصين في عدم اعتبار معتقدات بلاد الرافدين عن الآخرة ثابتة أو موحدّة .

مثل جميع الثقافات القديمة والمعاصرة ؛ فقد تعددت أفكار بلاد الرافدين عن الآخرة عبر تغير الزمن . بسبب ذلك ؛ اختلفت المعتقدات والممارسات المتعلقة بتباين الوضع الاجتماعي- الاقتصادي ، والتي من ضمنها تلك الممارسات الدينية الرسمية والشعبية . حيث إن استمرار انتقال التقاليد المتبعة عن الموت من السومرية الى ما بعدها ، سمحت بتوليف مصادر غنيّة متنوعة وفرّتها للباحثين كي يتوصلوا الى شرح مفاهيم بلاد الرافدين عن الحياة الآخرة في جميع حضاراتها .

التصورات عن الآخرة

تَخيّلَ سكان بلاد الرافدين القدماء عالم الأموات أو عالم الظلام ؛ من أنه نقيضاً كونياً للسماوات ، ونسخة غامضة للحياة على الأرض . (ميتافيزيقياً) ، كان يُعتقد ؛ ان عالم الأموات يقع على مسافة بعيدة عن عالم الحياة . (واقعياً ) ؛ رغماً من أنه يقع تحت الأرض وقريب جداً من سطحها ، لكنه يوصف بمواساة شعرية في الأدب الرافديني .

ان الصورة التاريخية عن عالم الظلام هي بشكل عام كئيبة ومخيفة ، وقد وصِف في النصوص المدوّنة على أنه ” أرض اللاعودة ، مظلم ، موحش وقاسي ، وهو المنزل الذي لا يسمح في الخروج لمن يدخله ، والغبار يملأ بابه ومُقفل من الداخل . ” (دالي ص 155) . . لكن من ناحية اخرى ، لا تبدو تلك الصورة قاتمة تماماً في بعض النصوص ، فعلى سبيل المثال ؛ في أحد الأعمال السومرية الذي يشار إليه باسم “وفاة أورـ نمو “، يصف أرواح الموتى على أنها كانت مبتهجة وفرحة عند وصول الحاكم أورـ نمو إلى العالم السفلي . وكذلك قيام (شمش ) ” الإله الشمس وإله العدل “، بزيارة عالم الظلام كل ليلة وعلى مدار السنة .

اعتبرت الباحثة والمؤرخة “كايتن باريت “، أن الأيقونة الخطيرة – وتحديدا الرمزّية المتعلقة بالإلهة إنانا/ عشتار التي نزلت الى العالم السفلي وعادت منه – على أنها إشارة في وجود إيمان عميق وقوي وأكثر اتساعاً في الحياة الآخرة من ذلك الموصوف في العديد من النصوص الأدبية . على الرغم من ان البشر لا يمكنهم أن يأملوا في العودة إلى الحياة مثلما حدث لإنانا ، على اعتبار أنها إلهة ولا يجب مقارنتها مع قدراتهم المحدودة ، ولكن باريت تعتقد في تحليلها لمشهد إنانا ؛ ان استخدام الأيقونية الجنائزية التي تمثل إنانا في وصفهم للموت ، لربما هي محاولة في تجنب النواحي أو المظاهر غير السارّة في العالم الآخر التي فرّت منها إنانا . وبالتالي ، يُفهم من ان العالم السفلي في بلاد الرافدين ، ليس مكاناً للبؤس الشديد ولا الفرح الكبير ، ولكنه نسخة مُملّة من الحياة على الأرض .

يصف أحد النصوص بصورة حيّة لمدينة في عالم الأموات ” المدينة العظيمة – إريگال أو إزيگال ” ، وهي المدينة السومرية التي تقع تحت الأرض ، تحميها سبعة جدران وسبع بوابّات ، وتسكن فيها أرواح الموتى . في قصة نزول إنانا الأسطوري ، إذ تمرّ إنانا عبر هذه البوابّات السبعة في رحلتها إلى العالم السفلي ، وعند كل بوابة يتم تجريدها لجزء من ملابسها وحُليها ورموزها ، وفي النهاية تدخل مدينة الموتى عارية . بناء على تلك الأوصاف في رحلة الموت ، فقد كانت طقوس الجنازة للمتوفي في بلاد الرافدين تستمر لمدة سبعة أيام ، وهي لازالت قائمة الى يومنا هذا، تمارسها المجتمعات العراقية في شكل أو بآخر .

في بعض الأحيان كان يطلق على شعب الأرواح الذي يعيش في المدينة العظيمة
” أرالو Arallu “
في اللغة الأكدية ، أو
” گنزر Ganzer “
في السومرية ، والمعنى غير معروف الى الآن . كما يشار إلى ان ، گنزر السومرية ، هو أيضا اسم العالم السفلي ومدخل العالم الآخر ، وتأتي هذه الكلمة متزامنة مع فكرة بلاد الرافدين ، على ان ” الآلهة ، لها سلطة السماء والأرض ” .

كان عالم الأموات يحكمه آلهة محددة تم ترتيبها في تسلسل هرمي مع وجود رئيس على قمّة الهرم . في النصوص القديمة ، كانت الإلهة “إريشكيگال – سيّدة الأرض العظمى” ملكة العالم الآخر ، ومن ثمّ تم استبدالها بإله ذكر ، وهو المحارب ” نيرگال – حاكم المدينة العظمى” ، (منذ تلك المرحلة التاريخية ، بدء الطغيان الذكوري في المجتمعات القديمة ) .

تحاول الأسطورة الأكدية التي يرجع تاريخها إلى منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد ، في صياغة التقاليد المتضاربة أو المتعاكسة ، وجعلها في حالة توافق ، وذلك من خلال تسمية “إريشكيگال “زوجة لـ “نيرگال” . كذلك التأكيد على ان هناك اجتماعات كانت تعقد بشكل دوري بين آلهة السماء مع نخبة من الآلهة الحكّام في العالم السفلي (الأنوناكي) ، وإصدار قراراتهم الجماعية التي تخص الكون . تجدر الإشارة أيضاً الى ان عالم الأموات في بلاد الرافدين لم يكن مكاناً للعقاب أو الثواب أبداً ، ولم يكن جحيماً للأرواح الشرّيرة حتى ؛ بل كان الوجهة الوحيدة للأرواح الميّتة التي تلقّت أجسادها ومقابرها الرعاية الطقوسية المناسبة . كذلك كان يُفهم ، من أن عالم الأموات هو انعكاس جغرافي للسماء ، رغم أن بيئته كانت تمثل الوجه الآخر للعوالم السماوية ، لأنها تتميز بالظلام بدلاً من الضوء . وحتى السماء في عقائد بلاد الرافدين ، لم تكن مكاناً تسكن فيه الأرواح الميتّة حسب سلوكها أثناء الحياة ؛ بل كانت سكناً للآلهة حصراً .

مصائر البشر ما بعد الموت

في ملحمة الطوفان ، أو
أترا ـ هاسيس Atra- hasis
البابلية القديمة ، إذ خلقت الآلهة البشر عن طريق خلط الطين مع دم إله الضمير “وي ـ آيلو ” ، الذي قدّم نفسه قرباناً كي يُذبح خصيصاً في هذه المناسبة . لهذا السبب ؛ جمع البشر في أجسادهم عناصر أرضية وسماوية لإتمام عملية الخلقْ ، ولكن هذا لم يجعل البشر من الخالدين ! . كما لم يكن لدى شعب بلاد الرافدين أيّ مفهوم لقيامة الجسد ، أو التقمّص ، وذلك بعدما بعث الإله السومري إنكي/ أيا (ربّ الآلهة ـ الحكمة والسحر) الطوفان الى الأرض في بداية الخلق ، للقضاء على جميع البشر، وقد أُعتبرت وفيّات البشر في بلاد الرافدين ، حالة تخصّ الفرد نفسه ، وحتى الموت ، فقد وُصف بأنه قدر جميع البشر ( زمتو ) ، والمصطلح اللفظي الأكثر شيوعاً هو ” الذهاب إلى المصير الواحد ” (كوبر ص 21).

كان البشر هم الأحياء ، طالما يجري دم الإله ( وي ـ آيلو ) في عروقهم ، ويتنفسون هواء الآلهة من أنوفهم ، ولكن في اللحظة التي يجفّ الدم فيهم ويتوقف النفس عندهم ، تعتبر أجسادهم جثثاً خاوية
(پگارو pagaru ) .

تتم مقارنة حالة هذه الجثّة الخاوية مع النوم العميق ، وعند دفن الميّت في باطن الأرض ، ذلك يعني في الفلسفة الأكدية ، ” ان الإنسان مخلوق من الطين ، و الى الطين قد عاد ، والمقصود هو الأرض . ” (بوتيرو ، ص107). هذا التعبير عن الموت جاء في سفر التكوين من كتاب التوراة ايضاً ، ” أنت تراب ، وإلى التراب ستعود ” 10:35. 15:38. 24: 6 .

لم ينظر سكان بلاد الرافدين إلى الموت الجسدي باعتباره نهاية الحياة ؛ بل ان للموتى كيان حيّ في صورة روح أو شبح ، ومصطلحه في السومرية
( گيدم gidim)
وفي الأكدية
(إيتيمو eṭemmu )
أي الشبح أو الروح ، ويتم وصف مسبباته في ملحمة الطوفان آترا ـ هاسس البابلية القديمة المدونّة في منتصف القرن السابع عشر ما قبل الميلاد ، والتي تحكي قصة خلق البشر من دم الإله الذبيح (وي ـ آيلو ) بخلطه مع الطين .

في الحقيقة ؛ ان توظيف تلك الحكاية في المعتقدات الرافدينية ، والتلاعب الواضح في الكلمات ، عندما رُبط إيتيمو الشبح ، مع الإله (وي ـ آيلو ) الذي يتميز بالإحساس العالي والذكاء الحّاد ، جاء ذلك كلّه تبريراً ؛ على ان البشر بجودة عالية من الخلق ، ومنه جرى الاعتقاد ، أن البشر نصفه مادّي ، والآخر ذو بصيرة إلهية .

يجب التأكيد على أن مفاهيم بلاد الرافدين للجسم المادي والإيتيمو الروح ، لا تمثل ازدواجية جسدية روحية صارمة ، على عكس مفهوم الروح لدى الفكر اليوناني الكلاسيكي . المفهوم السائد في عقيدة بلاد الرافدين ، ان الإيتيمو ـ أيّ الروح ـ مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالجسد الذي هو عنصرماديّ ، حتى أن بعض النصوص تتحدث عن الإيتيمو كما لو كانت مطابقة للجسم . على سبيل المثال ؛ توصف الإيتيمو أحيانا بأنها ” نائمة ” في القبر – وهو وصف يحاكي مفردة الجثّة ، أو الجثّة الخاوية ( پگارو). علاوة على ذلك ، فإن الإيتيمو لديها احتياجات ومطالب جسدية ، مثل الجوع والعطش ( خاصية سيتم التطرّق إليها لاحقاً ) .

من غير الواضح أيضاً ، فيما إذا كانت الإيتيمو موجودة داخل الجسم الحي قبل الموت (وبالتالي فإنها كياناً منفصلاً عن الجسم) ، أو تظهر إلى الوجود فقط عند لحظة موت الجسد (وبالتالي فإن وجودها تم إنشاؤه بواسطة تحوّل بعض قوى الحياة المادّية). في كلتا الحالتين ، عند الوفاة الجسدية تتغير حالة المتوفى من (وي ـ آيلو) إلى ( إيتيمو ) . لذلك يُعدّ الموت مرحلة انتقالية في مفاهيم بلاد الرافدين ، يتحول خلالها البشر من حالة وجودية إلى أخرى .

الإيتيمو أو الروح لا تنتقل مباشرة إلى العالم السفلي بعد الموت الجسدي ، بل عليها ان تسلك رحلة شاقّة من أجل الوصول إليه ، وكانت مراسيم الدفن والحداد المناسبين للانتقال إلى العالم الآخر؛ شرطاً أساسياً في إجراء الطقوس الجنائزية اللازمة . كان المطلوب من الروح ، عبور السهول والأراضي التي تنتشر فيها العفاريت ، وأن تمرّ فوق نهر ” گوير” ـ لايُعرف موقعه ـ بمساعدة شخص يُدعى “سوولشي/ سلولوم ، أو خومت ـ تبال ” ، و معناه ” أسرعْ ، خُذْ ( فلان ) الى هناك ! ” ، ومن ثمّ يتم قبول الروح في ان تدخل أول بوّابة من البوّابات السبعة للمدينة العظيمة ، عندما يأذن بذلك حارس البوابة ” پيدو ” ؛ ويعني ـ افتحْ ! ـ .

عند وصول الروح إلى العالم السفلي ، يتم محاكمتها من قبل محكمة ( الأنوناكي ) ، ومن ثمّ تخصص لها مكاناً في مجتمعها الجديد والبعيد عن سطح الأرض . لم يكن قرار الحكم المُتخذ ومكان الاقامة ذا طبيعة سلوكية أو أخلاقية ، وليس له أيّ علاقة بمساوئ او محاسن المتوفى خلال حياته ، بل هو مجرّد إجراء إداري روتيني (وظيفة كتابية )، تُطبّق فيه قواعد وقوانين العالم السفلي عند دخول الروح إلى موطنها الجديد .

أيّاً كان الأمر، فإن طبيعة قرار الحكم وتقييم الروح في العالم السفلي لم يكن أمراً تعسفيّاً أو متساهلاً تماماً. شأنه بذلك شأن التسلسل او المركز الاجتماعي الهرمي للفرد في عالم الأحياء ، وهو نفس النظام ينتقل بين الأرواح في “المدينة العظيمة” الى عالم الأموات .

يتم تحديد موقف الروح أو الإيتيمو في العالم السفلي من خلال عاملين :

أولاًـ الحالة الاجتماعية للمتوفى أثناء وجوده على قيد الحياة .

ثانياً ـ الرعاية ودرجة الاهتمام في الجنازة بعد الوفاة ، بناء القبر ، تثبيت التمثال والشاخص عند قبر المتوفى ، ومستوى العزاء في أداء المراسيم والطقوس المُقامة من قبل الأحياء على الأرض .

المراكز الاجتماعية التي حظي بها الأفراد عندما كانوا على قيد الحياة ، هي نفسها انتقلت بعد مماتهم الى مدينة الاموات ، فعلى سبيل المثال؛ احتفظ الملوك مثل أورـ نمو ، وگلگامش بمناصبهم ، كحكّام وقضاة الأموات في العالم السفلي ، وظلّ الكهنة ؛ كهنة ، وهكذا بقية المراكز الاجتماعية الوظيفية والمهنية ..

بعض نصوص الملاحم والأساطير مثل ، گلگامش وإنكيدو والعالم السفلي ، تشير إلى أن الكثير من المتوفين في العالم السفلي ، يعتمد على ما لديهم من الأبناء والأحفاد ، وكلّما زاد عددهم ، زاد الإيتيمو وجودهم في العالم السفلي ، حيث اذا كان هناك المزيد من الأقارب ، فهذا يعني أداء الطقوس المطلوبة ما بعد الوفاة سوف تكون مضمونة .

في العالم السفلي ، يمكن لم شمل الروح مع أرواح أقارب سبقوها في الموت . على الرغم من أن الروح كانت قادرة في تمييز أرواح الأشخاص الذين سبق وان تعرّف عليهم المتوفى وتعرّفوا عليه خلال حياته وحياتهم في عالم الأحياء ، غيرأنّ تلك الأرواح لا يبدو أنها تتذّكر السمات الشخصية الفريدة والاستثنائية للمتوفي في العالم السفلي .

بالإضافة إلى عنصر الروح أو الإيتيمو ، كان يُعتقد أيضاً ، أن الكائنات الحيّة تتكون من انبثاق شبيه بالرياح أطلق عليه الأكديون
” زاقي ـ قو zaqi – qu ، أو زيقي ـ قو ziqi- qu “
، بمعنى “حلم الإله” .

هذه الروح كانت بلا جنس ، لربما تشبّه بالطير ، ومرتبطة بالحلم ، لأنها قد تغادر الجسم عندما يكون الفرد نائماً . كلاهما الإيتيمو ، و زاقي ـ قو ينتقلان إلى العالم السفلي بعد الموت الجسدي بغض النظر عن أوصاف الأحلام وتأويلاتها ، ومع ذلك ؛ فإن ورود مصطلح (الإيتيمو) في أدب بلاد الرافدين ، كان أكثر بكثير من المصطلح الآخر( زاقي ـ قو) . قد يعزى السبب في ذلك ؛ إلى أن ( زاقي ـ قو) كان يعتبر ضارّاً نسبياً ، وغير قادر على التدخل بشكل إيجابي أو سلبي في شؤون الأحياء ، على عكس (الإيتيمو) ، لذا كان من الطبيعي أن يركّز العدد الأكبر من النصوص ، على ضرورة الاهتمام في اختيار الطقوس المناسبة للإيتيمو، بقصد تهدئة روح الموتى كي لا تطارد الأحياء وتقضّ مضاجعهم .

العلاقة بين الأموات والأحياء

ان مصير الإيتيمو أو الروح بعد الموت الجسدي يعتمد على أداء الطقوس المناسبة والصحيحة ما بعد الوفاة من قبل الأحياء، ويعتمد على عاملين :

أولاً ـ الطقوس الجنائزية : تحديداً دفن الميّت ، ومن ثمّ إعلان الحداد عند ساعة الوفاة . هاتان الخطوتان كانتا ضروريتين لضمان رحلة الإيتيمو الناجحة إلى العالم السفلي وقبولها .

ثانياً ـ كانت هناك حاجة في استمرار إحياء شعائر ذكر الموتى في طلب الرحمة والغفران عند قبر المتوفي ، وذلك في جميع المناسبات والأعياد السنوية ، مما يجعل إقامة الإيتيمو، مريحة في العالم السفلي .

لقد علمنا من أن الروح لها بعض احتياجات الكائن الحي ، والأهم في ذلك ، هو الطعام والشراب ، لأن العالم السفلي خالياً من الطعام المستساغ . جاء في النصوص التي تحدثت عن وفاة الملك أور ـ نمو ، ” طعام العالم السفلي طعمه مرّ ، والماء رائحته كريهة ” (كوهين ص 103) . لذلك ؛ كانت الروح تعتمد على طعام الكفاف الذي يوفره أقارب المتوفي وذويه من الأضاحي والنذور . غياب تلك الأنشطة والفعّاليات الطقسية لروح المتوفي ، يجعلها متسوّلة في العالم السفلي . إذ تقع المسؤولية الرئيسية في أداء تلك الطقوس والمراسيم على عاتق الابن البكر للمتوفي . المؤرخ “سكيرلوك “، يربط تلك الواجبات المناطة لإبن المتوفي بقوانين الملكية في بلاد الرافدين من خلال افتراض السبب : ” ان الإبن الأكبر يحصل عادةً على حصة إضافية من ميراث والده المتوفي ” (ص188).

كان كلٌ من الفقراء والأغنياء تُفرض عليهم أداء مثل تلك الطقوس ، ولكن يتم التأكيد بشكل خاص على ضرورة تميّز طقوس الأغنياء او طبقة الأسياد عن غيرهم من الطبقات .

يبدو أن الاختلاف الأساسي في احياء طقوس الأموات بالنسبة للعوام والأعيان يعود الى طريقة الأداء . ” بالنسبة لعامة الناس كانت تجرى مراسيم تقديم الأضاحي والقرابين أو النذور ، بشكل جماعي الى المتوفي (جميع الأقارب والأسلاف) . في المقابل ، كان تقديم تلك العروض الى الملوك وأفراد الطبقة الحاكمة والكهنة والتجار والملاّكين من المتوفين ، يتم بشكل فردي دون أية مشاركة للآخرين ” (سكيرلوك ص 240) .

طالما استمرت الفروض والشعائر الطقسية تزاول بانتظام ، تظل روح المتوفي في سلام عند العالم السفلي . كانت الأرواح الساكنة أو الهادئة وديّة الى حد ما ، ويمكن أن تتسبب في مساعدة الأحياء ، أو على الأقل لا ترغب في إيذائهم . الشخص المتوفي الذي لم تجرى له طقوس الدفن أو الطقوس الدينية مثلما هو مقرر او مطلوب ؛ تتحول روحه الى شرّير لا يهدأ . من هذه الحالات التي يمكن أن تحدث لأشخاص قد تركوا بدون دفن ، أو موتهم جاء بسبب العنف (مقتولاً او غريقاً أو محروقاً ) ، وغير ذلك من الأسباب غير الطبيعية ، أو حتى الذين ماتوا من غير زواج !.

الأرواح الشريرة تطارد الضحايا وتقبض عليهم ، ومن ثمّ تجعلهم يطيعون أوامرها ، وبهذا تسيء لهم نفسياً وجسدياً . يمكن للأرواح الشريرة أيضاً امتلاك الضحايا عن طريق الدخول إليهم عبر آذانهم ، او تأتي لهم في الأحلام لترعبهم وتكدّر عليهم نومهم ولياليهم . غالباً ما كان يُعتقد أن المرض الجسدي والنفسي ، وسوء الحظ ، ناجماً عن غضب الإيتيمو المضطرب . يعرب الشاعر البابلي (لدلول بل – نميقي ) عن معاناته واستيائه من المرض في مقطع من قصيدته ( معاناة الصالحين ) ، السطور 50 ـ 55 :

مرضي المنهك يكاد ان يضّيعني

لقد هبّت الريح الشرّيرة [من الأفق]

نَبتتْ أوجاع الرأس من على سطح العالم السفلي

الشَبح الذي لايُقاوَم قد غادر ” أكّور”

نَزل ” لاماشتو الشرّير ” من الجبل

تعاملت شعوب بلاد الرافدين مع الأرواح الشريرة المنتقمة ، عن طريق الوسائل السحرية ، وشملت بعض هذه الأساليب ، استخدام اللفائف السحرية المربوطة ، صناعة التمائم ، خلط المراهم ، شرب الجرعات السحرية ، دفن تمثال بديل يمثل الروح الشريرة ، وإذابة الشحوم أثناء قراءة التعاويذ ، وغيرها من الأفكار .

أخيراً ، وبناءً على ما تقدّم ، فإن الحياة لم تنته بعد الموت الجسدي حسب اعتقاد شعب بلاد الرافدين عن الآخرة ، بل تستمر بشكل إيتيمو أو روح أو حتى شبح في العالم الآخر . بالاضافة الى ان موت الجسد ، لا يقطع الصلة بين الأحياء والموتى ، بل يعزز جملة من الروابط الجديدة والالتزامات المتبادلة ، وان راحة روح المتوفي في العالم السفلي مرهونة بما يقدمه الأحياء لتلك الروح . ان تلك المعتقدات عن الموت ، قد عكست الروابط الاجتماعية الملتزمة ، وعمّقت أواصر القرابة والتآلف في مجتمعات بلاد الرافدين القديمة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جان بوتيرو ـ أدب بلاد ما بين النهرين ، المنطق والآلهة ـ مطبعة جامعة شيكاغو ـ 1992.

جان بوتيرو ـ الدين في بلاد مابين النهرين ـ مطبعة جامعة شيكاغو ـ 2004 .

آندرو كوهين ـ طقوس الموت ..الأيديولوجية والتطور ـ أكاديمية بريل ـ 2005 .

ستيفاني دالي ـ أساطير من بلاد مابين النهرين ـ جامعة اكسفورد ـ 1998.

جون والتون ـ فكر الشرق الأدنى القديم والعهد القديم ـ أكاديمية بيكر ـ 2009 .

جي . سكيرلوك ـ الموت والحياة في بلاد الرافدين ـ بلاك ويل للنشر ـ 2007 .

جي. أس . كوبر ـ مصير البشرية ـ كرين وود للنشر ـ 1992 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.