معارضة قصائد مميَّزة (11) حائيّة أميّة بن أبي الصَّلت


بقلم الشاعر✍️ رياض الحبيّب
…….
تاليًا؛ بعد سلسلة [معارضة المعلّقات العشر] المنشورة على هذا الموقع- مفكر حر- آثرت لملمة قصائد أخرى معارِضة؛ نُشِرت فيما مضى على أزيد من موقع، ومنها هذا الموقع، في محاولة إعادة صياغة مقدّمتها إذ اختفت بعض الروابط الالكترونية المعتمدة في المقدّمة. ذلك أني اخترت قصائد معروفة لدى أهل الأدب العربي، ومميّزة نوعًا ما لسبب ما وربّما أزيد من سبب. فمنها ما يأتي؛ حائيّة أميّة التي في العنوان والسّينيّة المشتركة ما بين امرئ القيس وعبيد بن الأبرص ورائيّة الخنساء ولاميّة كعب بن زهير ويائيّة مالك بن الريب… وصولا إلى قافيّة المتنبي وميمية البوصيري- أحمد شوقي ولاميّة أحمد شوقي- ابراهيم طوقان… حتّى الشعر الحديث ولا سيّما الذي أبدعت فيه الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة وأرست دعائمه في كتابها- قضايا الشعر المعاصر- وقد أشرت إلى المعارضات المذكورة حسبما أسعفتني الذاكرة لكي أعود إليها فيما بعد إذا نسيت واحدة منها بأقلّ تقدير
ــــــ
أمّا بعد فقد ذكر الأب اليسوعي لويس شيخو في كتابه- شعراء النصرانيّة- ج1 ص222 أنّ الشّاعر أُمَيَّة بن أبي الصَّلت [كان مع قريش لمّا ظهر الإسلام فقاوم مُحَمَّدًا وحَرَّضَ قُرَيْشَ عليه. فلمّا أن سافر إلى الشام وعاد إلى الحجاز عَقِب وقعة بدر مَرّ بالقلِيب وهو بئر، فقيل له إنّ فيه قتلى بدر وإنّ منهم عُتبَة وشَيْبَة ابنَي ربيعة (بن عبد شمس بن مناف) وهما ابنا خال أميّة، فجَدَعَ أذنَي ناقته! وقال قصيدته التي رثى بها مَن قُتِل مِن قريش ببدر وحَرَّضَها على أخذ الثأر] انتهى



عِلمًا أنّ أمَّ أميّة تدعى رُقيَّة بنت عبد شمس بن مناف، وأحد إخوتها يُدعى أمَيَّة أيضًا وهو جَدّ الأمويّين. أمّا عُتْبَة فهو والد الوليد الذي قُتِل في بدر أيضا، ووالد هند زوجة أبي سفيان بن حرب. وبالمناسبة؛ كانت هند شاعرة متمكنة بحسب ما وصلني من شعرها
ـــــــ
ما أدراك ما وقعة بدر
لُطفا؛ شاهد-ي ما تفضّل به الأخ رشيد، في حوالي سبع دقائق على مقطع يوتيوب، تحت عنوان: “هل حروب الإسلام دفاعية؟ معركة بدر كنموذج” وقد قرأت له التالي تحت المقطع: [يدافع المسلمون عن غزوات محمد بحجة أنها دفاعية. في هذا المقطع سأناقش معركة بدر؛ هل كانت للدفاع عن النفس، لماذا هاجر محمد، لماذا حاولوا الهجوم على قافلة قريش، هل يحقّ لأي شخص اليوم طردته دولة ما بسبب عدم احترامه لقوانينها أن ينتقم من تلك الدولة ويهاجم سفنها، أليس هذا ما تفعل الجماعات الإرهابية اليوم؟] انتهى. كما قرأت تحت المقطع تعليقات جديرة بالاهتمام
https://www.youtube.com/watch?v=S-WkVbNOPL4

أميّة يرثي ابنَي خاله
إنّ ما تقدَّم هو ما دفع الشاعر إلى رثاء ابنَي خاله- عُتْبَة وشَيْبَة- وإلى هجاء المسلمين في الوقت نفسه بقصيدة من السهل إيجادها على گوگل، إذْ روى اٌبن هشام في “السيرة النبوية”- المجلّد الثالث- قصيدة أمَيّة الرّثائيّة نقلًا عن “سيرة ابن إسحق” المختفية تاركًا منها بيتين، معلِّلًا تركه بأنّ أميّة نال فيهما مِن أصحاب “الرسول” فاقتطفت منها الأبيات التالية، عِلمًا أنّها منظومة على وزن مجزوء بحر الكامل المُرَفَّل ممّا في عِلم العَروض
ألّا بَكيتَ على الكِرام بَنِي الكرام أولي المَمَادِحْ
كبُكا الحَمَام على فروع الأيكِ في الغُصُن الجَوانِحْ
ماذا ببَدرٍ والعَقنقلِ مِنْ مَرازبةٍ جَحَاجحْ
أنْ قد تغيّرَ بَطنُ مَكّة فهْيَ مُوحِشة الأباطِحْ
مِن كُلّ بَطريقٍ لِبَطريقٍ نقِيّ اللون واضحْ
القائِلين الفاعِلين الآمِرين بكُلِّ صالحْ
خذلتهُمُ فِئةٌ وهُمْ – يَحمُون عَوراتِ الفضائحْ
الضاربين التقدُمِيّةَ بالمُهَنَّدةِ الصفائِحْ
ولقد عَناني صوتُهُمْ – مِن بين مُستسقٍ وصائِحْ
للهِ دَرّ بَنِي عليٍّ أيِّمٍ مِنهُمْ وناكِحْ
إن لمْ يُغِيْروا غارة – شعواءَ تُحجرُ كلّ نابحْ
مُردًا على جُردٍ إلى – أُسُدٍ مُكالِبةٍ كوالحْ
ويُلاق قِرنٌ قِرنهُ – مَشْيَ المُصافِحِ للمُصافِحْ
بزهاء ألفٍ ثم ألفٍ بين ذي بَدَنٍ ورامِحْ
ـــــــ
والعقنقل مَوضِعٌ قرب بدر. والبَطريق: البطريرك. وفي الإمكان إيجاد معنى كلّ كلمة من المتعذّر فهم معناها في أحد قواميس اللغة المدوَّنة عبر الانترنت، كما في الهامش
ـــــــ
المعارضة
قررت معارضة هذه الرّثائيّة المُؤثِّرة، أي مقابلتها بقصيدة على وزنها وبالقافية نفسها والحاء حرف الرَّوِيِّ، نظرًا إلى وجود تشابه ما بين الظرف الذي تمرّ به بلدان الخريف الناطقة بالعربيّة وبين الظرف الذي دفع أمَيَّة إلى إنشادها، كأنّها تعزية لكلّ متضرّر-ة

أضحى إذَنْ زمَنَ الفضائِحْ – كَفَتِ الضَّغائِن والمَذابحْ

إنّي أحَذِّرُكُمْ: يَراعي بالحقائقِ غيرُ مازِحْ

عِثْتُمْ بما طُفتُمْ على الأنحاءِ تجْمَعُكُمْ مَصالِحْ

سَخَّرتُمُ الدِّين الذي للهِ في عَمَل القبائِحْ

راياتُكمْ، خُضْرًا وسُوْدًا، لا تلِيق بظِلّ سابحْ1

بَلْ رايةٌ بيضاءُ يرفعُها المُسالِمُ والمُصافِحْ

ماذا فعلتُمُ بالعِراقِ ومِصرَ مِن عَبَثٍ وطالِحْ

ماذا اقترفتُمُ للشَّآم ودعمُكُمْ مُخزٍ وفاضِحْ

وبسائر الأوطان ما – بَقِيَتْ مَخالبُ للجوارحْ

آوتكُمُ البُلدانُ قلتُمْ: داخلون بسيفِ فاتِحْ

مِنها العِراق؛ أعادَ نفحُ أريجهِ فتحَ القرائحْ

وعواصِمُ الصّحراء أطلقتِ السُّمُومَ على النوافِحْ

ألقتْ على المُدُن الظلامَ فغيَّرتْ بعضَ الملامِحْ

حَظِيَتْ بدَعْمٍ أجنبيٍّ هَمُّهُ الثرواتُ رابحْ

والأخطبوط يُرى هُنا – وهُناك ليتَ البئرَ نازِحْ2

سَبَّحتُ في بلدي الإلهَ الحَيَّ أهزَجُ بالمَدائحْ

وغدًا طريقي بَيْتَ لحْمَ أزورُها بجواز سائِحْ

مُتعلِّلًا مُتبَسِّمًا – مُتنوِّرًا والحُبُّ واضِحْ

خسِئَ الغريبُ ووَجْهُهُ – في دارِ أهلِ الدار كالِحْ

ثِقْ يا أمَيَّةُ أنَّ شِعْرَكَ مُلهِمُ الشُّعَراءِ ناجحْ

نشدو بهِ بحرارةٍ – ما بين مُغتبطٍ ونائِحْ

ذي “باٌسمِكَ اللهُمَّ” مُنذُ سَماعِها خيرُ الفواتِحْ3

إذْ تطمَئِنّ إلى المَسيحِ، إلهُنا سَمْحٌ مُسامِحْ

رَفعَ الخطايا بالصَّليب وخصْمُهُ بالشّتمِ قادِحْ

لكنّهُ لنْ يَترُكَ الشِّرِّيرَ يَعْبَثُ بالمَسَارحْ

سَيَرُدّهُ رَدَّ الطّغاة جزاؤُهُمْ قاسٍ وفادِحْ

إنَّا سألْنا اللهَ نورًا للرّعِيّةِ لا يُبارحْ

لا جاهَ للقاضي إذا – ساوى المَمَادِحَ بالمَقابحْ4

أو خالَ أنّ الوقت للعَثَراتِ والأوهامِ سانِحْ

فمَنِ اٌرعوى خيرٌ لهُ – ذو اللُّبِّ يَقبَلُ بالنَّصائِحْ

بالعقل ميزانُ الأمور وبالدَّليلِ الرأيُ راجحْ

فليَشرَبَنْ ماءَ الحياةِ فغيرُهُ مَجٌّ ومالِحْ5
ـــــــــــــــــــــ
١[السَّابح مِن الخيل: الحَسَنُ مَدِّ اليَدَين في الجَري]- عن لسان العرب؛ قال الأعشى قيس على وزن بحر السّريع
كمْ فيهِمُ مِن شَطْبَةٍ خَيفَقٍ – وسابحٍ ذي مَيْعَةٍ ضامِرِ
وقال المتنبّي- على وزن الطويل
أعَزّ مكانٍ في الدُّنى سَرْجُ سابحٍ – وخيرُ جَليسٍ في الزَّمان كتابُ
ـــ
٢[نُزِحَتِ البئرُ إِذا اٌستُقِيَ ماؤُها حتى نفد ما فيها فهي نازِح]- عن لسان العرب، لكنّ المقصود في القصيدة: بئر البترول- النفط- انظر-ي البيت السابق لطفا

٣صاحب البسملة- باٌسمِك اللهُمّ- هو أمَيَّة بن أبي الصَّلت، حسبما وصلني من سيرته

٤المَمادِحُ: ما يُستحسَنُ مِن الأخلاق، أمّا المَقابحُ: ما يُسْتقبَحُ منها

٥إشارة إلى قول الربِّ يسوع له المجد: {كُلُّ مَن يَشرَبُ مِن هذا الماء يَعطشُ أيضا. ولكنْ مَن يَشرَبُ مِن الماء الذي أعطيهِ أنا فلن يَعطشَ إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيهِ يصِيرُ فيه ينبوعَ ماءٍ ينبَعُ إلى حياةٍ أبَديَّة}+ يوحنّا4: 13-14

ملاحظة: إنّ الأبيات غير المفصولة صُدورُها عن أعجازها بهذه الفاصلة “–” تسمّى مُدَوَّرة. والبيت المُدَوَّر: هو ما اشترك شَطراه (أي الصدر والعجز) بكلمة واحدة. والأبيات المدوّرة مألوفة غالبًا في مجزوء كلٍّ من الأبحُر التالية: الكامل والرَّمَل والخفيف. فمثالا؛ يُكتَبُ البيتُ المدوَّر التالي بحسب التقطيع الشِّعري هكذا
ثِقْ يا أمَيَّة أنَّ شِعْــ – رَكَ مُلهِمُ الشُّعَراءِ ناجحْ
ــــــــــــ
لينغا؛ في 28 تموز 2017 تمّت مراجعتها مساء السادس من نوفمبر2018 على توقيت سكندِناڤيا لنشرها على: مفكر حر

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.