معارضة المعلّقات العشر 9 مُعَلَّقة عَبيد بن الأبرص


بقلم الشاعر✍️رياض الحبيّب
…….
كان الشاعر عبيد بن الأبرص (ت نحو 600 م\ 25 ق.هـ) من سادات قومه، قبيلة بني أسد النصرانية، والناطق باٌسمهم في المديح والهجاء والمفاوضات، على رغم فقر حاله المعيشي نسبيّا. وقد تفاخر بإمكانيّته الشعريّة واصفًا نفسه بأمهَر الشّعراء حين قال
سَلِ الشُّعَراءَ هَلْ سبَحوا كسَبحي – بُحُورَ الشِّعر أو غاصُوا مَغاصِي
لِساني بالقريض وبالقوافي – وبالأشعار أمهَرُ في الغواصِ
فالواضح في البيتين أنّ ابن الأبرص هو أوّل من وردت في شعره عبارة “بحور الشعر” التي نسّقها فيما بعد الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسِّسًا عِلم العَروض. ومن يقرأ ديوان عبيد يجد أنّه حقّا امتلك مقوّمات الشعر القديم لغة ومعنى، متمكِّنًا من البحور والقوافي، بل أكبر معارض لاٌمرئ القيس إذْ تعاصر الشاعران. لكنّ قصيدة عبيد التي مطلعُها
أقْفَرَ مِن أهلِهِ مَلحُوبُ – فالقُطَبِيّاتُ فالذَّنوبُ
وهي التي اٌشتُهِرَ بها حتّى عَدّها ابن قتيبة (ت 276هـ- 889م) من المُعَلّقات السّبع، أثارت جدلًا بين النّقّاد القدامى لكثرة زحافاتها وعِللها على رأي أهل العروض، ما أدّى إلى اضطراب في موسيقاها، حتى بدت تفعيلتها الأساسية (مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ مستفعلن) غريبة. لكني رأيت في هذا الاضطراب سببًا مِن أسباب شهرتها، ما دعاني إلى استحداث “بحر المضطرب” فيما بعد، عوض البسيط المخلَّع أو مخلَّع البسيط، لفصله عن بحر البسيط في علم العَروض، كما فصلت الخبب [فعِلُنْ- ثماني مرّات] عن المتدارك [فاعلُنْ- ثماني مرّات] ليصبح عدد بحور الشعر 18 بحرًا حسب تحديث [بحور الشعر العربي] بقلمي، بدون إضافة تفعيلة جديدة إلى بحور الخليل. يمكنك العثور على تفاصيل “المضطرب” في محرّك البحث على هذا الموقع- مفكر حر- تحت عنوان: تعلَّم-ي بحور الشعر (18) المضطرب
أمّا المزيد من سيرة الشاعر فواردٌ في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وغيره. وقد اخترت التالي من معلّقته، إذْ ذكر فيها {الله} ثلاث مرّات


عَيناكَ دَمعُهُما سَـروبُ – كأنَّ شَأنَيهِما شَعِيبُ
تصبو وأنَّى لكَ التَّصابي – أنّى وقد راعَكَ المَشِيبُ
مَن يَسألِ النَّاسَ يَحرِمُوهُ – وسائِلُ الله لا يَخِيبُ
ساعِدْ بأرضٍ إن كُنتَ فيها – ولا تقُلْ إنَّني غريبُ
قد يُوصَلُ النازِحُ النائي وقد – يُقطَعُ ذو السُّهمةِ القريبُ
بالله يُدرَكُ كلّ خير – والقولُ في بعضه تلغيبُ
واللهُ ليسَ لهُ شَرِيكٌ – عَلّامُ مَا أخْفتِ القلوبُ
لاحظ-ي توحيد الله في البيت الأخير وإحدى صفات الله: علّامُ ما أخفت القلوب. فهذا الشاعر من قبيلة نصرانيّة وقد انتقل إلى رحاب الله قبل الإسلام. فكان التوحيد إذًا منتشرًا في شبه جزيرة العرب ما بين قبائلها النصرانية واليهودية. كما وصلتنا أبيات توحيدية ضمن قصائد لشعراء آخرين من غير شعراء المعلّقات، كأميّة بن أبي الصلت، لكنّ كليهما ما ادّعى أنه “رسول الله” في وقت تمّ تصنيف الذين ادّعوا نبوّة من بعد السيد المسيح ضمن “الأنبياء الكذبة” الذين تنبّأ عنهم السيد المسيح خصوصًا والكتاب المقدَّس عمومًا. ذلك في وقت علم العرب أنّ على كلّ مدّعٍ بنبوّة ما أن يأتي بمعجزة قدّام الناس في وضح النهار، إذْ أيّد الله أنبياءه بمعجزات، كالنبي موسى- مثالا لا حصرا- لكن لا عتب على أدعياء النبوة، إنما على الجهلة الذين صدّقوهم واتّبعوهم
ـــــــ
المعارضة
سَبْعًا حكىٰ المَلِكُ المصلوبُ – لِسانُهُ مُحْكَمٌ عَجيبُ
الواهِبُ الإبنَ خيرَ أمٍّ – والإبنُ للربّ مُستجيبُ1
عطشانُ لا يرتوي بماءٍ – ترويهِ مِن حُبِّها القلوبُ2
أنتَ معي اليومَ في الفردوس بَلْ – لكُلِّ مَن آمَنوا نصِيبُ3
غفرانُهُ غيرُ مُستحَقٍّ – لولا على مَتنِهِ الذنوبُ4
قد أُكْمِلَ العَهدُ في جديدٍ – ومِن نبوّاتِهِ الصّليبُ5
إيلي لماذا تركْتني هلْ – تذكَّرَ الشعْبُ ما مكتوبُ6
يا أبَتي في يَدَيك رُوحِي – بالمَوتِ عَن خاصّتي أنوبُ7

فاٌنشقّ عَن هَيكلٍ حِجابٌ – وعافهُ كاهِنٌ مُريبُ
للنّاس مفتوحةٌ سَماءٌ – يأوي إلى الله مَن يتوبُ
مُعترِفًا بالمسيحِ رَبًّا – والصّوتِ: هذا اٌبنِيَ الحبيبُ
واٌنفتحتْ بَغتةً قبورٌ – والمَوتُ مهما يَطُلْ مغلوبُ
حالَ إلى ظُلْمَةٍ فضاءٌ – لكنْ كسُوفٌ طغىٰ غريبُ

سَبْعًا حكىٰ والزمان ولّىٰ – وقولُهُ في الحَشا يذوبُ
يردِّدُ النّاسُ كلّ قولٍ – لهُ وكمْ ترجَمَتْ شُعوبُ
وكمْ بهِ اٌصطلحتْ خُصومٌ – وكمْ بهِ غُطِّيَتْ عُيوبُ
بقولهِ الحقّ مُستبينٌ – وصرخة الحقّ لا تخيبُ
نادىٰ بهِ كلّ مُستجيرٍ – وفاز مَن حَقّهُ مسلوبُ
لأنّهُ الحقّ ما غبارٌ – عليهِ ما اٌشتدّتِ الخطوبُ
للإنسِ مِن فضْلِهِ حُقوقٌ – لولاهُ مِيثاقها مَشُوبُ
هُوَ الطريق الذي يؤدّي – إلى حياةٍ هُوَ الطبيبُ
فكمْ شفىٰ سائلِينَ لكنْ – تشفىٰ بهِ الرُّوحُ بلْ تطِيبُ

فلْيَعْلمِ العاقِلُ الأريبُ – وليَفهَمِ المُبصِرُ اللبيبُ
ما جاءَ بالحقّ فيلسوفٌ – ولا حكِيمٌ ولا أديبُ
لولا المَسِيحُ الذي يُغَذّي – فَمًا فمَا قولةٌ تُصِيبُ
كِتابُهُ واضِحٌ بليغٌ – بنورهِ تنجلي الغُيُوبُ
مقامُهُ في العُلىٰ رَصِينٌ – وظِلّهُ في الدّنىٰ قريبُ
مَنْ يَدْعُهُ يَأتِهِ سَريعًا – وكلّ داعٍ لهُ موهوبُ
يقرعُ بابَ الفؤادِ حُبًّا – وفتحُ بابِ النّهىٰ مطلوبُ
لدعوةٍ سِرُّها عشاءٌ – ألذّ ما يُشتهىٰ مرغوبُ
ما غابَ عن دعوةٍ لداعٍ – عَن صادقِ القلب لا يغيبُ
حاشا ولا خابَ فيهِ ظنٌّ – ولمْ يَدُمْ مَوقِفٌ عَصِيبُ
ليت تحلّىٰ الورىٰ بصَبْرٍ – خيرُ مثالٍ لهُمْ أيّوبُ
عذبٌ هُوَ الربُّ كُلّ حِينٍ – أبٌ عَنِ الحُبِّ لا يَؤوبُ
خَلاصُهُ حاصِلٌ يَقِينًا – وصَدرُهُ للورىٰ رَحِيبُ
ــــــــــــــ
مصادر الأقوال السبعة التي قال السيد المسيح وهو على الصليب
الأوّل: {فلمّا رأى يسوع أمَّهُ والتلميذَ الذي كان يُحبّهُ واقفًا قال لأمِّهِ: يا اٌمرأة، هُوَذا ابنكِ. ثم قال للتلميذ: هُوَذا أمّكَ. ومِن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصّتِهِ}+ يُوحَنّا19: 26-27 عِلمًا أنّ التلميذ هو يُوحَنّا نفسه إذْ حضر حادثة الصَّلب مع السيّدة العذراء وحضرت جموع غفيرة من اليهود والرومان، بشهادة مؤرّخين يهود ووثنيّين

الثاني: {بعد هذا رأى يسوعُ أنّ كلّ شيء قد كمَلَ، فلِكَي يَتِمّ الكتابُ قال: أنا عطشان}+ يُوحَنّا28:19

الثالث: {فقال له يسوعُ: الحقّ أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس}+ لوقا43:23 والهاء في “له” تعود إلى اللّصّ المصلوب إلى جهة اليمين

الرابع: {فقالَ يَسُوعُ: يَا أبَتاهُ، اغْفِرْ لهُمْ، لأنَّهُمْ لا يَعْلمُون ماذا يَفعَلون}+ لوقا34:23

الخامس: {فلمَّا أخذ يَسُوعُ الخَلَّ قالَ: قدْ أُكْمِلَ}+ يُوحَنّا30:19

السادس: {ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: إيلي، إيلي، لِمَا شبقتني؟ أي: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟}+ مَتّى46:27 ومرقس34:15 ويقول العلّامة الخوري يوسف داود السُّرياني الموصلي [إنّ هذه الألفاظ- إلهي إلهي لماذا تركتني…- سريانية كلدانية مأخوذة حرفًا بحرف من المزمور الـ22 بحسب النسختين العبرانيّة والسّريانيّة، وهي مُحرَّرة هنا بحسب ما لفظها اليهود في ذلك الزمان] آمين

السابع: {ونادى يسوعُ بصوتٍ عظيمٍ وقال: يا أبتاه، في يَدَيكَ أستودعُ رُوحِي}+ لوقا46:23
ـــــــــــــــــــــ
لينغا؛ في 4 شباط 2011 تمّت مراجعتها ب.ظ. اليوم الموافق الـ28 من أكتوبر2018 لنشرها على: مفكر حر

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.