معارضة المعلّقات العشر (7) مُعَلّقة الحارث بن حِلِّزة


بقلم الشاعر✍️ رياض الحبيّب
الحارث بن حِلِّزة اليَشكُري، أحد شعراء المعلّقات [انتقل سنة 580م عن عمر مائة وخمسين عامًا وديانته نصرانية؛ ضُرب بفخره المثل- أفخر من الحارث بن حِلِّزة- وأمّا معلّقته فتُعَدّ من أجود القصائد العربيّة وأشهرها، حَظِيت باهتمام أعلام الأدب والباحثين قدامى ومُحدَثين ومستشرقين ولا تزال. قيل إنّ الشاعر قالها ارتجالًا (أي بدون تهْيئة) وهذا ما صعُب تصديقه لِمَا للقصيدة من أهميّة تاريخية، لإفادتها عن معارك جاهليّة عدة، وأخرى أدبية؛ لدقّة الوصف، وحُسْن السّبك والإشارة، وتنوّع طرق التعبير، وجودة المنطق والتقسيم، وبلاغة الإيجاز. هذا كله مع اعتبار الشاعر خطيبًا مُجيدًا ومُحاميًا بارعًا ودبلوماسيًّا متمكّنًا، من عوامل جعلته جديرًا بكسب موقف المَلِك إلى جانبه وتاليًا جانب قومه]- حسب الباحث المحقّق د. إميل بديع يعقوب- أستاذ في علوم اللغة العربية، لبناني من مواليد 1950 في قضاء الكُورة- من كتاب “شعراؤنا- ديوان الحارث بن حِلِّزة” والناشر: دار الكتاب العربي

ونقرأ أيضًا عن سيرة الحارث بن حِلِّزة أنّه [من عظماء قبيلة بكر بن وائل، شديد الفخر بقومه، لكن لم يبق لنا من أخباره سوى مسألة الاحتكام إلى الملك عمرو بن هند بن المنذر لأجل حلّ الخلاف الذي وقع بين قبيلتين- بكر وتغلب- فأنشد الشاعر معلّقته أمام الملك، ردًّا على معلّقة عمرو بن كلثوم]- حسب ويكيبيديا



هذا مع الشكر للأب لويس شيخو اليسوعي (1859-1927) إذْ عرّفنا على القبائل النصرانيّة وعلى شعرائها؛ مثل تغلب ومنها عمرو بن كلثوم، وبكر ومنها طرفة بن العبد والأعشى قيس والحارث بن حِلِّزة، وكندة ومنها امرؤ القيس، وأعطى دلالات على نصرانيّة قبائل أخرى؛ مثل عبس ومنها عنترة بن شدّاد، وذبيان ومنها النابغة الذبياني… إلخ

ومن الواضح أنّ مطلع معلّقة الحارث غزلية، كما جرت عادة شعراء ذلك الزمان. إليك منها التالي عِلمًا أنها على وزن بحر الخفيف- فاعِلاتُنْ مُستفعِلُنْ فاعلاتُ
آذَنَتْنا ببَينِها أَسماءُ – رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَّواءُ
آَذَنَتنا بِبَينِها ثُمَّ وَلَّت – لَيتَ شِعري متى يَكونُ اللِقاءُ
أيُّها الناطِقُ المُرَقِّشُ عَنّا – عِندَ عَمروٍ وهَل لِذاكَ بَقاءُ
لا تَخَلنا على غَرائِكَ إِنّا – قَبلُ ما قَد وَشى بنا الأَعداءُ
فبَقينا عَلى الشَّناءةِ تَنمِينا حُصونٌ وعِزَّةٌ قَعساءُ
لا يُقيمُ العَزيزُ في البَلَدِ السَهلِ ولا يَنفَعُ الذَليلَ النِّجاءُ
فَمَلَكنا بذلِكَ الناسَ حَتّى – مَلَكَ المُنذِرُ بنُ ماءِ السَّماء
…….
واكتفيت بما تقدَّم متوقِّفًا عند [مَلَكَ المُنذِرُ بِنُ ماءِ السَّماءِ] وفي القافية المخفوضة\ المكسورة- السماء- تجاوز على حركة القافية العامّة الشاملة- الضّمّة- على أنّه لضرورة شعرية! لكنّ الضرورة الشعرية لا تشمل أيّ إخلال بقواعد اللغة، أي لم يكن من حقّ الشاعر رفع ما وجب خفضه لكي ينسجم مع حركة حرف رويّ القافية
ــــــــــــــ
المعارضة
غُلِبَتْ بالمَحَبّةِ الأعداءُ – وتساقىٰ كؤوسَها العُقلاءُ
بَرَدَتْ كالجَليد نارُ خِصامٍ – بيننا بَلْ خصُومُنا أصدقاءُ
إذ تسامىٰ فوق الجراح وِدادٌ – وتهاوتْ مِن سَطحِها الكبرياءُ
بعد حِينٍ وطولِ بالٍ وصَبرٍ – ومَسَاعٍ سَعىٰ بها سُفراءُ
بعد قرنٍ أزاحَ عشرين قرنًا – وتخلّتْ عن نهجها الصّحراءُ
إنّ عهد البَسُوس ولّى ولن يرجِعَ لا داحِسٌ ولا الغبْراءُ
وأتِيحَتْ للأرض فرصة عُمرٍ – إذ توالىٰ عَبْرَ الجهاتِ نِداءُ
مِن فضائيّةٍ أطلّتْ على الناسِ بوَعظٍ رُوّادُهُ الأنبياءُ
وَعْظُها مِن مَواهِب الجَبَلِ الرّاسِخ فينا آياتُها الشَّمّاءُ 1
فاٌستفاقتْ مِن نومِها نعجةُ أخرى لتحيا وحُلْمُها العلياءُ2
مُذ رأتْ مُلهِمَ المَحَبّةِ يدعوها إليهِ قالتْ بهِ الإقتداءُ
بلْ بهِ الإبتداءُ والإنتهاءُ – ألِفٌ دامَ مَجْدُهُ والياءُ 3
فإذا ما رآى الورىٰ مُعجزاتٍ – صَدّقوا ما جرىٰ وعَمّ الضِّياءُ
بَزَغتْ آياتٌ وصَاغَ شُهودٌ – صِدْقَ بُشرىٰ قِيامَةٍ أمَناءُ
إنّهُ آدَمُ الجديدُ أتانا – بجديدٍ فجُدِّدَتْ حوّاءُ
مُذ أجابتْ نعَمْ أنا أمَة الرَّبِّ وصارتْ أمًّا لهُ العصماءُ 4
فهنيئًا للنعجةِ الحُبّ نِعْمَ الحُلْمُ هذا ونِعمتِ الأنباءُ
أنبأتْني بما رأتْ فاٌلتقينا – وبكأس الخلاص طابَ اللقاءُ
يَومَ أسرىٰ بها المُخلِّصُ مِن أقصى سَرابٍ وبُوركَ الإسراءُ
فاٌستراحتْ نفْسِي بعَونٍ من الرّبّ فما عن إلهامِهِ اٌستِغناءُ
إذْ عَرَفتُ التي تعلّق قلبي – مِثل أسماءَ، سَمِّها ما تشاءُ
ووَجَدتُ التي بها اٌنتعشَ الشِّعرُ وجاز الهوى وذابَ الحَيَاءُ
وأصابَ الخيالُ مَعنىً لحُسنٍ – تتزيّا في ضوئِهِ الحَسناءُ
دِفءُ رُوحٍ وخِصْبُها وغِناها – مِنْ خِصالٍ ألوانُها بيضاءُ
فاٌنسجامٌ على المدى واٌتِّفاقٌ – واٌختلافٌ لكنّهُ بَنّاءُ
قِيسَ بالروح لا المُحيّا جَمالٌ – وجميلٌ مَهما قضىٰ اٌستفتاءُ

رُبّ عينٍ مفتوحةٍ عَمياءُ – رُبّ أُذنٍ عريضةٍ صَمّاءُ
فإذا أنبَتَ الزّمانُ كِرامًا – شَهِدَ المَرءُ أنّهُمْ حُكماءُ
وإذا أفرز الزمانُ لِئيمًا – تَعِبَ الأهلُ واٌشتكىٰ البُسَطاءُ
وإذا ما اٌعتلى المِنَصَّة عِلْجٌ – غازلتهُ العُلوجُ والأغبياءُ
والصّعاليكُ مَن عليهِمْ دُيونٌ – وغُزاةٌ وثُلّةٌ غوغاءُ
فإذا أخرِجَ الرذيلُ كِتابًا – خدَعَ الناسَ حَرفُهُ والهُراءُ
كلّ حَرْفٍ يُقالُ ضدّ الوصايا العَشر نارٌ وَقودُها أبرياءُ 5
إنْ يَبِتْ كلّ ذي كتابٍ نبيًّا – لاٌستحقّ النبوّة الشعراءُ
كمْ تغنّى نوابغٌ كاٌمرئ القيس وكمْ يا تُرى اٌختفتْ أسماءُ
وتغنّتْ ليلى ولُبنى وعَصماءُ وأمّ الأغرّ والخنساءُ
حَسْبُ أهْلِ المُعَلّقاتِ اٌفتخارًا – سُمِعَتْ لاٌنتشارِها أصداءُ
لا يُضاهي أوزانَها والقوافي – سَجْعُ هذا وذاكَ يا فُقهاءُ
فانظروا ما اٌعتراهُ وَلْسًا ودَلْسًا – عُرِّيَتْ من ثيابها الأخطاءُ 6
وعَلتْ فوق كلّ طُولٍ وعَرضٍ – شُعلةُ الحقّ واٌستضاء الفضاءُ
واٌنطوتْ صفحة الجَهالةِ بالعِلْمِ وذلّتْ كهوفُها والغِطاءُ
إنّ سَجْعَ الكُهّان من وَحي عقلٍ – آدميٍّ وراءَهُ إنشاءُ
غير وَحيٍ السماء ممّا حوى سِفْرُ نبيٍّ وكلّ سِفرٍ قضاءُ
نِعمَةٌ دامَ ظِلّها ودواءُ – عِظةُ الرَّبّ زادُها والماءُ
كالمزامير والأناشيدُ للروح سُمُوٌّ وبهجةٌ وعَزاءُ
يُفرحُ الرَّبَّ كلُّ لونٍ من التسبيح لمّا يُسبِّحُ الأتقياءُ
طاف داودُ راقِصًا لمْ يَكُ الرقص بعارٍ أو عَزْفُهُ والغِناءُ 7
واٌنزوىٰ رسّامٌ بفنٍّ رفيع – مِن مَعاني الإنجيل شَعَّ البَهاءُ
بالكتاب المُقدَّس اٌنشغلَ العالَمُ طُرًّا وأبدعَ العُلماءُ
كلماتٌ بليغةٌ لا تُضاهىٰ – بسِواها بها تنادي السماءُ
فتغنّيتُ بالقصيدة للرّبّ إلى وَحْيهِ الفريد اٌنتماءُ
قيلَ لي مَن وراءَ إلهامِكَ الشِّعرَ فقُلتُ: المسيحُ والعذراءُ
ـــــــــــــــــــــ
1إشارة إلى موعظة الجبل في الإنجيل بتدوين البشير متّى\ الأصحاحات 5-7 ولوقا\6
2إشارة إلى قول السيد المسيح: {ولي خِراف أُخَر ليست من هذه الحظيرة، ينبغي أن آتي بتلك أيضًا فتسمع صوتي، وتكون رعيّةٌ واحدة وراعٍ واحد} يوحنّا10: 16 والنعجة أنثى الخروف
3إشارة إلى رؤيا يوحنّا1: 8 و11 و21: 6 و22: 13
4إشارة إلى البشارة بميلاد يسوع المسيح في الإنجيل بتدوين لوقا1: 38 وإلى بتوليّة مريم الدائمة
5إشارة إلى الوصايا العشر في سِفر الخروج\ الأصحاح الـ20
6في معجم المعاني: ما لي في هذا الأَمر وَلْسٌ ولا دَلْس: ما لي فيه خيانةٌ ولا خديعة
7إشارة إلى سِفر صموئيل الثاني6: 14 وسِفر أخبار الأيّام الأول15: 29
…….
لينغا؛ في 22 كانون ثاني 2011 تمّت مراجعتُها واختصار مقدّمتها مساء اليوم– الـ15 من أكتوبر2018 لنشرها على: مفكّر حُرّ

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.