#مصر تعيش أيام الحاكم بأمر الله‎‎

الكاتب السوري عبدالله حسين

#مصر تعيش أيام الحاكم بأمر الله‎‎

شهد النصف الأول من شهر رمضان الجاري في مصر حوادث طائفية عدة ضد المسيحيين. في ثالث أيام الشهر، قُتل قمص شهير في مدينة الإسكندرية، ، ثم منعت أسرة مسيحية من تناول وجبة في أحد مطاعم الكشري الشهيرة، فضلاً عن مناشدات بالقبض على مجموعة شباب قبطية تدعى “مارجرجس” تحضر وجبات الإفطار لتوزيعها على الصائمين بتهمة “التبشير والتنصير”.

مسلسل الإساءة للمسيحيين في مصر مستمر منذ سنوات، كانت المرات السابقة لا تتجاوز التحرش بفتاة مسيحية في الشارع، أو التعليق على ملابسها في نهار رمضاني، ومطاردة المفطرين في الشوارع. هذا العام، تطوّر الأمر إلى قتل كاهن يتجوَّل في الشارع وقت الإفطار، والاشتباه في اختطاف زوجة وابنتها، وانتقل من التصرفات الفردية إلى التصرفات النابعة من جهات وكيانات كما جرى في واقعة “كشري التحرير” حيث مُنعت أسرة من تناول وجبة طعام في نهار رمضان.

من اغتال القمص أرسانيوس وديد؟

كان مشهدًا مرعبًا، مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي للقمص المصري أرسانيوس وديد، كاهن كنيسة السيدة العذراء بالإسكندرية، ملقى على الأرض، وقاتله يحاول الهرب، ملتحيًا، يرتدي ثيابا متسخًة، ويبدو من هيأته أنه مشرَّد أو يحاول ادّعاء ذلك كي تتوه القضية وتقيَّد ضد “مختل عقليًا” كما تنتهي قضايا القتل التي تهزّ الرأي العام في مصر.

امتلأت المجموعات والصفحات المسيحية بالتحذيرات من نسب جريمة القتل لـ”مختل عقليًا” ، بينما كان الكاهن في زيه الكهنوتي، العباءة والعمامة السوداوين والصليب الكبير الذي يزيَّن الصدر، أي أن القاتل كان يضمر شيئًا تجاهه، ليس بدافع شخصي، إنما بدافع قائم على الهُوية.

الخيط الأبرز في جريمة قتل القمص أرسانيوس وديد، هو تنفيذه في الإسكندرية، المدينة العامرة بالتواجد المسيحي الكبير، وكذلك الحشد السلفي المضاد، إذ كانت – ولا تزال – معقلًا للدعوة السلفية المتشدِّدة ومقر إقامة أشهر رجالها ياسر برهامي، وهو ما يزيد احتمالية العصبية الدينية التي قادت المتهم إلى اغتيال الكاهن، في صراع نفوذ داخل المدينة مسيحية الجذور، التي توصف دومًا بـ”قطعة أوروبية أضيفت إلى مصر .
المسيحيون يعيشون بها منذ 2000 عام رغم “الغزو السلفي”.. الإسكندرية لمن؟

لم تكن الإسكندرية قطعة أوروبية فقط من حيث المعمار، أو الجاليات الأجنبية التي عاشت فيها، بل بسبب تاريخها الكنسي الطويل، إذ تأسست كنيسة الإسكندرية عام 67 ميلادية، وصاغت كثيرًا من الفكر المسيحي، وتضمّ عددًا كبيرًا من المسيحيين. وفي المقابل، نشأت الدعوة السلفية في الإسكندرية عام 1972 على أيدي طلاب مسلمين متدينين، لتقود غزوًا وتمدُّدًا سلفيًا كبيرين، اتّجه بعض نجومه للانضمام إلى تنظيمات إرهابية دولية، بينما فضّل آخرون البقاء في الإسكندرية، ليحرسوا المدينة من “أصولِها المسيحية”.

مِرارًا، تتكرّر حوادث عنف ضد مسيحيين، تبدو عليها بصمات مشايخ السلفية، وإن كانوا غير محرّضين مباشرين عليها. تجلَّى ذلك في حادث قتل بائع خمور بالإسكندرية على يدِ مسلم متشدِّد مطلع عام 2017، وفي اعترافاته، قال إنه لا ينتمي إلى جماعات إسلامية، ومن بين ما قاله جمل تتردَّد دومًا في الفقه السلفي كقوله: “أقمت عليه الحد“، و”لو أتيحت لي الفرصة لقتلت كل بائعي الخمور”، ثم أكّد جميع الاتهامات الموجَّهة إليه بحماس، وكأنه وُعد بالجنة إذا فعل ذلك.

لم تتشابه أقوال قاتل “بائع الخمور”، وقاتل القمص أرسانيوس، وهو ما يقلق المسيحيين حيال نتيجة التحقيقات والحُكم المنتظر، فالثاني لجأ إلى الطريق السهل، وهو التشكيك في قواه العقلية، ورغم أنه بدا طبيعيًا، خلال التحقيقات، ادّعى قاتل القمص أنه كان مصابًا باضطرابات نفسية منذ نحو 10 سنوات، دخل على إثرها إلى مستشفيات نفسية لتلقي العلاج، وأنه يفقد السيطرة على أفعاله أحيانًا.

بهذه الجملة العابرة، تضاعفت مخاوف المسيحيين من حكمٍ مخفَّف لا يرفق فقط بالقاتل، بل يزيد أوجاعهم والدماء التي تسيل منهم.

ويرى المفكر القبطي كمال زاخر، في تصريح له أن جميع الأحداث الأخيرة، التي بدأت بمقتل القمص أرسانيوس وديد “مدبّرة ومخطّطة بشكل مقلق. الجماعات المتشدّدة تهدد وتستهدف المسيحيين والدولة”.

وأوضح أن الأقباط يملكون تصورًا عن الاعتداءات عليهم، “في وقت من الأوقات في عهد الرئيس أنور السادات، أطلقت الدولة يد الجماعات الإسلامية في اتفاق ضمني ليضمن بقاءه على الكرسي، وظلّت الجماعات الإسلامية على ذلك الاعتقاد حتى الآن، فهي تعتبر نفسها في أمان، طالما أن المضايقات والحوادث لا تصل إلى الفتنة الطائفية”.

بالنسبة إلى المسيحيين، يتجاوز الأمر قتل القسيس، بحسب زاخر، الذي يعتبر مقتله جزءاً من الأزمة لأنه “جاء في توقيت مباغت لا أحد يتوقعه، خاصة أن الدولة قضت على الإخوان والحوادث الإرهابية”.

قال الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل، في حوار سابق، إنه لا يجب على أي رئيس مصري أن يبرح ملفين من مكتبه، هما الأقباط والنيل. يستعين زاخر بتلك المقولة، وفي رأيه أن “العصب المسيحي هو الأكثر التهابًا في الجسد المصري، لأن السلطة فشلت في دمجهم كجزء من النسيج المصري، وفرض ذلك على جميع المواطنين، فالكثير من المسلمين يتعاملون معهم باعتبارهم أهل ذمة، وهو ما ينتج عنه كثير من التسلط والعنف”.
الوقائع الأخرى في مسلسل التمييز ضد المسيحيين في مصر، تزامنًا مع مطلع شهر رمضان، تكشف عن تلك الفكرة تحديدًا، وهي التعامل مع المسيحيين باعتبارهم أهل ذمة، وليسوا مواطنين متساوين وشركاء في الوطن، فلا يجب أن يتمتّعوا بالقدر ذاته من الحقوق أو الحريات، وكذلك يجب أن يخضعوا لطقوس المجتمع المسلم وحدوده، مع مراعاة عدم المساس بها. أما الطقوس المسيحية أو الحياة العادية، فترى فئات من المسلمين – في قرارة نفوسهم – أنهم يمكن أن يمارسوها سرًا، وفي كنائسهم ومنازلهم، لذلك كثيرًا ما يتردَّد لوم المسيحيات واتهامهنّ بتعمّد إفطار المسلمين الذكور في رمضان، وذلك لعدم ارتداء حجاب، أو ممارسة حياتهنّ في الشارع بشكل طبيعي، دون التفكير في أن “غضّ البصر” هو الفريضة التي يجب على الرجال المسلمين الالتزام بها، بحسب ما تنصّ الشريعة الإسلامية.

تقول مريم ميخائل ، إنها تختار طرقًا خالية من المساجد، مهما كانت بعيدة، وتفضّل الساحات الخالية والطرق العمومية والمساحات الواسعة، بدلًا من الحارات والشوارع الضيقة، كيَ تبتعدَ عن المضايقات.

وتقول: “عشت طوال حياتي أخاف من الاشتباك مع شخص آخر مهما تحرّش بي، قلقة من أن يكونَ مسلمًا فينقلب الأمر إلى شيء أكبر من دفاعي عن نفسي ومساحتي الشخصية وأندم فيما بعد، وكنت ألتزم بعدم مضايقة أحد قلقًا من الأمر نفسه، فلا أتناول الطعام في رمضان أمام أحد حفاظًا على مشاعر المسلمين، وغالبًا ما تكون المطاعم مغلقة طوال الشهر، فحتى إذا حاولت، في الغالب لن أجد مطعمًا”.

اعتادت المطاعم أن تغلق أبوابها في رمضان بحجة التجديدات والإصلاحات، وكان ذلك لافتًا للمجتمع المسيحي في مصر، إلا أنه كان يخضع له في صمت ويتقبّله، ويفسر زاخر ذلك بأن “المسيحيين كانوا حريصين على عدم إظهار الطعام أو تناوله خلال الشهر، وكان ذلك بالنسبة لهم نوعًا من التكافل المصري، ولم يفكروا فيه، أو يتحدّثوا عنه لطبيعة المجتمع، ولا أذكر أننا كنا نفكر فيه قديمًا، وفي المقابل كان المسلمون يقولون للمسيحيين: كلوا واشربوا ولا تهتموا بنا.. كانت حالة الود سائدة”.

About عبدالله حسين

(إذا فسدت دوافع المرء فلا يمكن لأي شيء في حياته ان يستقيم عبدالله حسين.
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.