مصر ..أفريقيا .. و التنمية المستدامة: معادلة تتبلور …1

في يناير الماضي اي قبل حوالي الشهر كنت احد المشاركين في مؤتمر دولي في القاهرة برعاية وزارة الثقافة و بإدارة المجلس للثقافة… تحت عنوان ” الانسان… التنمية المستدامة الهوية الثقافية”… انطباعي كان ان المؤتمر يمثل نقلة نوعية في مفهوم التنمية لكني سرعان ما اكتشفت ان مصر تشهد سلسلة طويلة من مؤتمرات و ورش عمل حول التنمية المستدامة و تحت رعاية وزارات مختلفة و مؤسسات و جامعات بعضها عامة او تحت ادارة الدولة و بعضها الاخر هي جامعات خاصة او اجنبية في مصر…

اذن وسط هذا الكم الهائل من الاهتمام و بالتالي الأنشطة الفكرية و التنظيمية كان لابد ان تتوقع نوع من التقاطعات في المفاهيم و الطروحات تتراوح بين “الهزل و الجد” ( لنستعير عنوان احد مؤلفات طه حسين”… و الاستعارة هنا ذا دلالة اذ ان بعض المتحدثين في المؤتمر الذي حضرته ذهب الى ان طه حسين كان يتحدث “بالضبط” عن مفهوم المستدامة قبل ظهور برنامج الامم المتحدة بسنوات طويلة( علاقة التراث بمفهوم التنمية سنتحدث عنها لاحقا)… لكن المهم هنا ان التأرجح بين الكم و النوع في دراسة مفهوم التنمية المستدامة و طبيعة الطروحات المقدمة كان يوحي بانه كانت هناك أموراً اخرى في طور التبلور …

في المؤتمر الذي حضرته لم يتم التطرق الى البعد الافريقي في المفهوم الثقافي للتنمية … و لكن تنوع المؤتمرات و تعددها بهذا الشكل المكثف كان لابد ان ينظر اليه في مدى مسار تطوري آني في رحلة مصر القصيرة نحو استلام رئاسة الاتحاد الأوربي …. في هذا الإطار اود ان افترض ان مصر و هي تحاول ان تخرج من الإطار النمطي للرئاسة الدورية للوحدة الافريقية فانها كانت تحاول ايجاد مشروع سياسي-اقتصادي -ثقافي تسعى من خلاله نقل المركزية … من القضايا الكلاسيكية مثل الفقر و الأمن الغذائي و طبيعة الصراعات الداخلية التي تحولت في السنوات الاخيرة الى بعبع دولي اسمه الاٍرهاب المتجول و المنتقل …. الى فضاء اكثر إيجابية في النظر الى مستقبل افريقيا …و هنا يدخل مشروع التنمية المستدامة كنموذج فعال…

بكلام اخر …. يمكننا تصور ان هذه المؤتمرات كانت مؤشرا في محاولة جدية من مصر لخلق ارضية بناءة وهادفة الى احداث تغيير جوهري في الثقافة التنموية في المجتمع المصري كمقدمة لتغييرات مماثلة على مستوى المجتمعات الافريقية في اطار الرئاسة الدورية المصرية التي حلت لاحقا …

اما البعد المصري الذاتي اي التغييرات في المنظومة الداخلية (تعويم الجنيه و التغيرات الدستورية و غيرها) فان مؤشر المشاركة الشعبية في تنظيم هذا الكم الهائل من مؤتمرات التنمية المستدامة والتي بالمناسبة ايضا تزامنت مع افتتاح القاهرة الدولي للكتاب يعتبر دلالة واضحة في ادخال عناصر مفهوم التنمية المستدامة في تطوير العلاقة بين الدولة و المجتمع و لعل بعض مداولات مؤتمر وزارة الثقافة و الطروحات المقدمة كانت تصب في هذا الاتجاه …

اي انه كان من اليسير ملاحظة توفير فضاء حر تتمتع بالطبيعة التلقائية في تنظيم المؤتمرات و ضمان حرية المشاركة لأوسع قطاعات ممكنة من المؤسسات الحكومية و الخاصة و حرية المناقشات و التعبير عن المشكلات و الطروحات التي كانت تتراوح بين البحث عن حلول و ممكنة بينما احيانا اخرى تذهب باتجاه افكار طوباوية او همهمات ثقافية هنا و هناك قدمت رؤى تبسيطية لمفهوم التنمية المستدامة و مستلزمات و اليات بناء مشاريع ثقافية و اقتصادية على أسسها و هكذا…

خلاصة القول ان هذا العدد الهائل من مؤتمرات التنمية المستدامة مع الاهتمام بالعودة الى بافريقيا بالاضافة الى التغييرات الهيكلية في المنظومة الداخلية المصرية تعد كلها مؤشرات واضحة نحو تبلور معادلة جديدة ابعادها المتغيرات الثلاث: مصر اولا… افريقيا المجال الحيوي و التنمية المستدامة المشروع الاخلاقي للتغيير…

كل بعد من هذه الأبعاد يرتكز الى مجموعة كبيرة من العناصر و التقاطعات سنتحدث عنها في المقالات اللاحقة من هذه السلسلة…لكن قبل ذلك لابد من الإشارة الى مساهمتي (محاضرتي) في اليوم الاخير من المؤتمر … هذه المساهمة التي حاولت ان تدرس أشكالية التنمية المستدامة و ضرورات التغير الثقافي و المفاهيمي ستكون عنوان المقالة القادمة و هي بذلك ربما تشكل مقدمة و مدخل حيوي الى مناقشات الأبعاد الثلاثة…. حبي للجميع

About اكرم هواس

د.اكرم هواس باحث متفرغ و كاتب من مدينة مندلي في العراق... درس هندسة المساحة و عمل في المؤسسة العامة للطرق و الجسور في بغداد...قدم الى الدنمارك نهاية سنة 1985 و هنا اتجه للدراسات السياسية التي لم يستطع دخولها في العراق لاسباب سياسية....حصل على شهادة الدكتوراه في سوسيولوجيا التنمية و العلاقات الدولية من جامعة البورغ . Aalborg University . في الدنمارك سنة 2000 و عمل فيها أستاذا ثم انتقل الى جامعة كوبنهاغن Copenhagen University و بعدها عمل باحثا في العديد من الجامعات و مراكز الدراسات و البحوث في دول مختلفة منها بعض دول الشرق الأوسط ..له مؤلفات عديدة باللغات الدنماركية و الإنكليزية و العربية ... من اهم مؤلفاته - الإسلام: نهاية الثنائيات و العودة الى الفرد المطلق', 2010 - The New Alliance: Turkey and Israel, in Uluslararasi Iliskiler Dergisi, Bind 2,Oplag 5–8, STRADIGMA Yayincilik, 2005 - Pan-Africnism and Pan-Arabism: Back to The Future?, in The making of the Africa-nation: Pan-Africanism and the African Renaissance, 2003 - The Modernization of Egypt: The Intellectuals' Role in Political Projects and Ideological Discourses, 2000 - The Kurds and the New World Order, 1993 - Grøn overlevelse?: en analyse af den anden udviklings implementerings muligheder i det eksisterende system, (et.al.), 1991
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.