مستنزف أنت؟؟؟

دليلك إلى حياة مقدسة (الفصل 21)
***********************
مستنزف أنت؟؟؟
كلنا نشعر بين الحين والآخر أننا مستنزفون، فالحياة في كل زمان ومكان تستنزف طاقة الإنسان مالم يعيد شحن بطاريته!
أجهزتنا العصبية مبنيّة بيولوجيا ومبرمجة سلكيا بطريقة، تساعدنا على نواجه القضايا الكبرى التي تهدد الحياة لأن الوظيفة البيولوجية الرئيسية لهذه الأجهزة هي حماية الحياة!
قد تستغرب إذا قلت لك أنت مؤهل بيولوجيا لتتحمل الضغط النفسي الذي تسببه نتائج فحوص تؤكد أنك مصاب بالسرطان،
أكثر مما أنت مؤهل لتتحمل الضغط الذي يسببه لك صنبور ماء في مطبخك، ينقط ويحتاج إلى تصليح! نعم ستتفاجئ، لأنك تؤمن بأن الحالة الأولى قاتلة بينما الثانية لا تهدد الحياة. هذا صحيح، لكنك في الحالة الأولى أنت مؤهل لتواجه الضغوط كي تضمن استمرار الحياة، أما في الحالة الثانية فالأمر لا يستدعي التدخل السريع. لذلك، كل نقطة ماء تنقر على عصبك، تستهلك جزءا من طاقتك، حتى تستنزفك رويدا وبدون أن تشعر!
……..
كم مرة ردّدتَ التعبير الذي يقول: (كانت القشة التي قصمت ظهر البعير)؟؟ لا يمكن لقشة واحدة أن تقصم ظهرك أو ظهر البعير.
لكن لو رحتَ تحمّل قشا على ظهر بعيرك، قشة بعد قشة، ستصل إلى وقت لا تحسّ عنده، إلا والبعير قد نخّ من ثقل الحمل! ليست القشة الأخيرة هي التي قصمته، ولكنها تزامنت مع كسر آخر فقرة فيه! كثير من الناس ينفجرون في وجهك لأمر تافه جدا، قدّر ظروفهم، ولا تقسُ في حكمك عليهم، فلقد كان هذا الأمر التافه القشة التي تزامنت مع احتراق آخر عصب عندهم!
……….


نعم، صغائر الامور قبل كبائرها هي التي تستنزفنا، ولأننا لسنا مؤهلين للتعامل معها بطريقة حدية وفورية تسلبنا طاقتنا رويدا رويدا، خلسة وفي غفلة عن وعينا! يقول المفكر الأمريكي
Robert Service
It isn’t the mountain ahead that wears you out — it’s the grain of sand in your shoe
ليس صعود الجبل هو الذي يرهقك، بل حبة الرمل التي في حذائك! وما أكثرها حبات الرمل التي تدخل بحذائك!!!! الأمر الذي يفوّت عليك مهمة أقدس وأسمى، ألا وهي صعود جبال الحياة والوصول إلى القمة!
……….
لقد قرأت مئات الكتب لكبار الفلاسفة و المفكرين وعلماء النفس في أمريكا، والتي تساعدك على أن تتجاوز صغائر الأمور كي تحتفظ بطاقتك لكبائرها، وخرجت منها ومن تجاربي الشخصية بقناعة واحدة: (عليك دائما أن تتذكر بأن العالم كان موجودا قبل أن تأتي إليه، وسيبقى بعد أن ترحل منه) لذلك، وعلى حد التعبير الأمريكي الذي أسمعه يوميا:
Don’t take life so seriously
لا تأخذ الحياة بجدية صارمة، فلا شيء يستحق! أنت لم تأتِ لتغيّر العالم، أو لتحشره في قميص فصلته على ذوقك. في الوقت نفسه، لم تأتِ عبثا أو تكلمة عدد! أنت هنا في مهمة نبيلة، نبيلة جدا، ألا وهي أن تجعله أجمل مما كان عندما أتيته…. لكي تفعل ذلك عليك أن تدلو بدلوك، دون أن تفرض نفسك، أو أن تذوب في الآخر! جئت إليه وكأنك فنان في يده ريشة وسيمر على لوحة ما. مطلوب منه أن يغير لونا، أو يضيف خطا أو يصغّر بُعدا أو يكبّر جزءا، ليجعل اللوحة أكمل وأبدع مما كانت قبل أن يلمسها. أي باختصار، مطلوب منك أن تترك بصمة، بصمة تميزك دون سواك! مهما شعرت أنك محاصر، لست ملزما أن تعيش وفقا لرأي الغير، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تجبر أحدا ليعيش وفقا لرأيك. ليس صعبا أن تترك بصمة، أو على الأقل ليس بالصعوبة التي تتخيلها، فالتينة التي زرعها جدي أبو علي في ساحة الدار، مازالت دليلا على أنه ترك العالم أفضل مما كان عندما أتى إليه، ناهيك عن كرم التين والزيتون الذي غرسه، ومازال مصدرا شريفا للقمة عيش!
…… حاول قدر الإمكان أن تعيش حياتك بطريقة غير تصادمية، دون أن تفرض نفسك على الآخر، ولا أن تذوب في ذلك الآخر…. لكي تضمن ذلك ارسم حدودا والتزم بها، وإلاّ ستتراءى لك الحياة فوضى عارمة، بل معتركا أبطاله أشرار، وستجد نفسك ملزما أن تحاربهم بمثل سلاحهم. عندها لن تذوق طعم السعادة، فالسعادة رهن للذين يمتلكون سكينة وطمأنينة رضيع التقت شفتاه بحلمة أمه، ولا ينطوي صراع يعيشه الإنسان، أيّا كان نوعه، على سكينة أو طمأنينة!
……
لقد تبرمجنا منذ الصغر على أن إحساسنا بالسعادة مرهون بتحقيق رغباتنا، وهذه من أكبر الجرائم التربوية التي اُرتكبت بحقنا!
طالما قلتَ: سأكون سعيدا لو نجحت… لو تزوجت…. لو عثرت على عمل… لو صادقت فلانا… لو سافرت… لو جنيت مالا…
لو هاجرت…. لو اشتريت بيتا، وقس على ذلك! كن سعيدا بلا شروط…. السعادة هي حالة عقلية، وليست ظرفا تعيشه. عندما تعجز عن الوصول إلى تلك الحالة قبل أن تحقق رغباتك، لن تكون قادرا على الوصول إليها بعد تحقيق تلك الرغبات. السعادة لا تشترط، بل تولد ضمن الممكن والمتاح، ولذلك هي وليدة اللحظة، لا ترجع إلى الوراء ولا تؤجل نفسها إلى الغد!
…………………
في الفصل السابق تحدثت عن الإسقاط، أي أن تسقط كل الأشخاص السلبيين من حياتك، بعد أن حاولتَ المستحيل لتنشلهم من سلبيتهم. البعض كتب لي يقول: كيف نسقطهم ولا نكرههم؟ عندما تسقطهم تستريح وعندما تكرههم تحرق نفسك، فالتمييز بين الحالتين سهل، والفرق كبير! الإسقاط لا يعني بالضرورة أن تعزلهم وتتخلى عنهم، وخصوصا عندما يكونون أقرب الناس إليك، بل يعني أن تتجاهل سلبيتهم، وتتفاعل مع كل كلمة ايجابية يقولونها، ولو سقطت سهوا من أفواههم! أي ردة فعل منك على سلبيتهم تزيدها ضراوة، فالسلوك الذي يوّلد ردة فعل يستمر. والإنسان يتوقف عن تكرار أي فعل عندما لا يجد أحدا يتجاوب معه.
…….
لا شك أنك سمعت بقصة نصف الكأس الملآن ونصفه الفارغ! ولا شك أنك صادفت في حياتك أشخاصا لا يرون إلا نصفه الفارغ، وآخرين لا يرون إلا نصفه الملآن، وقليلين يرون النصفين معا! لم يشغلني يوما أي طرف من هذه الأطراف، إذا أستطيع أن أجد
لكل منها سببا ومبررا مهما كان ضئيلا، بل وأستطيع أن أتعايش مع أي طرف بدون الكثير من الخسائر! ما يشغلني ويثير اشمئزازي، بل ويستنزف طاقتي لو قُدر لي أن أتعامل معه، ذلك الطرف الذي يرى الكأس ـ دوما وأبدا ـ مملوءا بالكامل، نعم مملوءا بالكامل، لكنه مملوء قيحا ودما، بل زفتا،  ويصرّ على أنه ملزم بشربه! هذا الطرف هو الذي يستنزفني….. ولأن أجهزتنا العصبيّة غير مؤهلة بيولوجيا لتتحمل الكثير من صغائر الأمور، أتجاهل هذا النوع، وألبس غشاءا لطبلة أذني، غشاءا لا يسمح لنقيقهم بالعبور، فقلبي ـ ورغم أنه ـ يتسع للكثيرين بآمالهم وآلامهم، لكنه أضيقمن أن يتسع للحظة نقيق!
……….
لقد حاولت مرارا أن أغيرهم وفشلت، فغيرت موقفي منهم ونجحت!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.