مسافر عبدالكريم.. متهم إلى الأبد..‎

لم تتريث المقاومة الكويتية لتعطي مسافر عبدالكريم ــ العائد تواً من العراق للكويت المحرر ــ بعضاً من أيام الحياة؛ ليُسمِعَ صوته الناس دون محتل هذه المرة، ولتزول حالة الاشتباه به؛ فإما تنكشف براءته ويقنع السلطات العائدة بإخلاصه لهم، أو تثبت إدانته فيحاكم بموجب القانون.. لكن المقاومة قتلته وتركته مشتبهاً به إلى الأبد..

وليس لنا اليوم إلا السعي لمحاولة الاقتراب قدر الإمكان من حقيقة موقف مسافر عبدالكريم من مستجد احتلال الجيش العراقي للكويت؛ من خلال قراءة المعطيات..

هل يميل مسافر عاطفياً للنظام في العراق آنذاك؟ المؤشرات تقول لا؛ فشقيقه نجم من أشد المعارضين لصدام حسين وعادة ما يتأثر الأخ الأصغر بالأخ الأكبر خاصة عندما تكون لذلك الأكبر شخصية طاغية مثقفة كالدكتور نجم، أضف أن مسافر له ميول شيوعية، والشيوعيون في خصام دائم مع البعثيين خاصة في العراق.

هل ولاء مسافر للكويت تام؟ يصعب معرفة ذلك؛ لكن حرمانه من الجنسية الكويتية وبقائه في فئة (البدون) لا يدفعه للولاء التام لوطن يعيش فيه ولا يحمل جنسيته ولا يمكن اعتبار ولائه في مستوى من يحمل الجنسية؛ لأن الحب من طرف واحد ليس كما الحب من طرفين.

هل يكفي استيلاء مسافر على أسلحة في اليوم الأول للاحتلال وانحيازه للمقاومة ــ وقد ثبت ذلك بشهادة الشهود ــ على تصنيف مسافر ضمن المخلصين للوطن؟ أظنه لا يكفي كون البلاد تمر بحالة غير طبيعية ولا يعرف مستقبلها، وبعض الناس تراودهم أفكار التردد بين الحالتين رفض الاحتلال أو قبوله؛ فالإنسان قد يتغير رأيه بين يوم وآخر وفقاً لمجرى الأحداث والتمرجح بين اليأس والأمل، فهو كائن ضعيف باحثٌ في العادة عن الأمان لنفسه وأسرته، وعندما يرافق ذلك ضغوطات شديدة من المحتل كما حدث مع مسافر وآخرين؛ يزداد احتمال المداهنة مع سلطة الأمر الواقع.

ليس فقط مسافر من وضعه القدر بمكان ملتبس؛ فكثير من الفنانين هم ضحية السياسة والنزاعات المسلحة والاضطرابات الداخلية التي تعجز أمامها عزائمهم؛ فجرى لزينب الضاحي ما جرى لمسافر إلا أن زينب قدمت خدمات للمحتل العراقي تفوق ما قدمه مسافر، وقد تكون كإمرأة أقل حيله من غيرها، ومن حسن حظها أن محاولة قتلها من قبل الغاضبين في المقاومة الكويتية لم تنجح، وجرى محاكمتها وتمكينها من الدفاع عن نفسها، ثم أدينت بالعمالة للمحتل، وأفرج عنها عفواً بعد سنوات.

ونذكر بمواقف عدد من الفنانين المصريين في فترات التغير السياسي المصري ما بعد 2011 وكيف يتماهون مع كل حكم جديد.

الفنان خاصة الممثل هو الشخصية العامة الأقرب للناس فهو يطل عليهم عبر الشاشة باستمرار ويؤدي أدواراً مختلفة تلامس شؤونهم اليومية؛ في ذات الوقت هو الحلقة الأضعف بين الجمهور والساسة؛ فتتلاطمه أمواج العواصف دون حول له ولا قوة، وعندما تهدأ العاصفة يجد نفسه في دوائر الاتهام المختلفة من الانتهازية وخيانة الشعب والجُبن وغيرها؛ رغم أنه كما قال سرحان عبدالبصير في مسرحية “شاهد ما شفش حاجة”: أنا أبسط مما تتخيلوا.

وهم في الحقيقة أضعف مما نتخيل؛ إلا من خالط فنّه انتماء سياسي معين؛ فيبرز كمعارض شرس للسلطة أو منافح عنها بإخلاص ودون تردد، وهم قلّة.

ما آل له مصير مسافر عبدالكريم هو الأسوأ؛ إنه متهم للأبد بنظر الجميع، فلم تثبت براءته بضمير أحبابه، ولم يتمكن خصومه من إطلاق صفة المذنب عليه بكل اطمئنان.

وما يمكن قوله وفقاً لكل ذلك؛ أن مسافر ضحية الظروف والأحداث؛ فما بين مهنة هشة وانتماء متذبذب، يجد نفسه في كماشة احتلال وطن الأمس لوطن اليوم.

والسؤال المفتوح: لماذا عاد مسافر للكويت فور تحريرها؟!

يوسف بن علي الشاعل

About يوسف علي الشاعل

.. يوسف علي الشاعل السعودية مواليد 1975 متزوج ماجستير قانون عام باحث عربي مؤمن بالتضامن الشعبي العربي بغض النظر عن توافق الحكومات
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.