مسارات في شخصية المفكر والسياسي السوري ميشال كيلو‎

كيلو كان يخرج من الأشياء ويبقى فيها في الآن نفسه، لا يصفي حسابه مع أفكار آمن بها، أو تجربة خاضها، أو حزب نشط فيه، لذا، يصعب رصد مسار واضح في سيرته الفكرية…

جمع ميشيل كيلو، في شخصه، بحسب الكتابات الرثائية، التي تبعت رحيله، الكثير من المستويات. إنه المعارض القديم للسلطة في سوريا، والمثقف المنخرط في الشأن العام، والشيوعي الخارج عن الأطر الحزبية والباحث عن استقلاليته، والمفكر والمؤلف والمترجم والروائي، وصاحب المقعد الدائم في تشكيلات المعارضة عقب الانتفاضة. هو صديق الجميع والقريب من الجميع، صاحب النشاط الذهني الاستثنائي الذي لم يتوقف، على رغم تجاوزه الثمانين، والصوت الليبرالي داخل المعارضة، والمسيحي المؤمن بامتداده الحضاري داخل الإسلام السوري.
والجمع هذا، الذي أُريد منه تبيان تنوع الراحل وحيويته، إذا ما تم التدقيق به، يتبدى، أن كل مستوى من المستويات التي شكلت شخصية كيلو، فيه شيء من اللاحسم، فهو، خارج من الشيوعية الحزبية وباق فيها كأيديولوجيا، مطعمة بمفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان، معارض للنظام وباق في عالمه العقائدي، من عروبة ووحدة ومواجهة للإمبريالية، مثقف وباق في السياسة، حيث، الثقافة لا تفسّر أحوال السياسة بل الثانية تغلب، وتجعل الأولى ملحقة.

كيلو كان يخرج من الأشياء ويبقى فيها في الآن نفسه، لا يصفي حسابه مع أفكار آمن بها، أو تجربة خاضها، أو حزب نشط فيه، لذا، يصعب رصد مسار واضح في سيرته الفكرية، عدا كونها معارضة دائمة للنظام. وهذه الأخيرة ليست تفصيلاً، في بلاد محكومة بالخوف والرعب، فهو، أظهر شجاعة فائقة في مواجهة السلطة، ودفع أثماناً تمثلت بالاعتقال، ولاحقاً بالتضييق حتى النفي، غير أن المعارضة، تبدت آنذاك، لأسباب تتعلق بعنف السلطة طبعاً، كملحمة متواصلة من البطولة والمواجهة والقدرة على الصمود، والدخول إلى المعتقل والخروج منه ومواصلة النشاط الحزبي. طغيان النضالية- المعارضون ضحاياها وغير مسؤولين عنها– خفف المضامين وجعل الصراع مع النظام، صراع بقاء، لا صراع أفكار، حتى إعلان دمشق، الذي كان الراحل أحد رعاته، تحدث عن الديموقراطية والانفتاح السياسي وضرورة الخروج من الاستبداد، لكنه، لم يطرح تصوراً لسوريا، يخالف ذاك التي يتبناه النظام.
بمعنى أن نضال المعارضين قبل الانتفاضة، حمل قيمة التضحية، لكنه افتقر إلى المضمون السياسي. الهدف معارضة النظام، وليس تطوير تصور جديدة لسوريا يرضي جماعاتها القلقة، ويعالج الثغرات التي أوصلت الاستبداد وصلبته في الحكم. من هنا، فإن، مغادرة كيلو الأشياء وبقاءه فيها، يبدوان أكثر قابلية للفهم، ذاك أن أولوية المعارضة، مقياس للتعامل مع الأشياء، والتمسك ببعضها وإهمال بعضها الآخر. الأمر ليس براغماتية، على ما يظن، هو أقرب إلى مواجهة خصم استبدادي، من دون التفكير بالشقوق المجتمعية التي تسلل من خلالها هذا الخصم وأحكم قبضته على السلطة لعقود. ثمة افتقار للمعيارية في بناء الموقف المعارض، والاكتفاء بالنضال ضد السلطة.


كل من رثى ميشيل كيلو، امتلك، عشرات الصفات للرجل، يساري وديموقراطي وحزبي ووطني وعروبي وفلسطيني ومثقف وروائي ومفكر وسياسي وباحث. فعلياً كيلو هو هذه الصفات كلها، من دون أن يكونها بالكامل، وترتيبها، أي الصفات، لتشكيل شخصية كيلو، وبناء مساره الفكري، سيكون أمراً عسيراً، فهو بعض من كل شيء من دون أن يكونه بشكل كامل. هو بذلك، تجسيد لمسار كثر من المعارضين السوريين، الذين يريدون، إسقاط الاستبداد من دون أن يسقطوا فهمهم لسوريا الذي بنى الاستبداد مجده من خلاله فيكتفون بالنضال، فيما يبقون بأفكارهم ويغادرونها في الآن عينه، لتتبدى مقاربتهم لما يحصل، موافقة على الشيء ورفضاً له، أي طلب التدخل الخارجي ورفض الإمبريالية ومناهضتها، الموافقة على حقوق الأكراد والتمسك بوحدة سوريا، وغيرها الكثير من الأمثلة.

عبدالله حسين

About عبدالله حسين

أنا عبدالله حسين. مواليد الحسكة عام 1972تخرجت من الجامعة كلية الأداب والعلوم الإنسانية قسم صحافة جامعة دمشق عملت مدرس لدى وزارة التربية في محافظتي إدلب والحسكة غادرت سوريا في بدايات عام 2012لأسباب معروفة مقيم في تركيا حاليا وشكرا.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.