مزمار الحي…لا يُطرب

سامي مبيّض

اتصل بي مؤخراً طالب عراقي من جامعة عراقية، يُحضر لرسالة ماجستير عن المرحوم نسيب البكري، أحد رجالات الحركة الوطنية في سورية، الذي شارك في الثورة السورية الكبرى تسلّم عدة حقائب وزارية، منها الاقتصاد والعدل، في نهاية الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات. سُررت جداً لهذا الموضوع، لأن الشخصيات الوطنية السورية تستحق أن تُدرّس بشكل عِلمي وموضوعي، ليس فقط في السّياسة بل في كافة المجالات.

وتذكرت حديث دار بيني وبين أحد أستاذة المعهد العالي للفنون، عندما سألته: “لماذا كل هذا التركيز على الشخصيات غير السورية، مثل شكسبير وموليير؟ دراستهم واجب لا شك، ولكن لماذا لا تُدرسون تجارب سورية في المسرح، مثل عبد اللطيف فتحي مثلاً أو نهاد قلعي؟”

كان جوابه: “هؤلاء غير أكاديميين، لذلك لا يمكن تدريسهم بشكل عِلمي. يعطيهم العافية على مبادرتهم، ولكن هؤلاء لا يستحقون أي دراسة علمية!”

ذُهلت من هذا الجواب، فهو يثبّت ما جاء في المثل الشعبي، أن مزمار الحي، لا يُطرب.

وقد يعتقد البعض أن نسيب البكري، مثله مثل عبد اللطيف فتحي، لا يَستحق أن يُدرس ايضاً. ولكن وفي المقابل، أعلم جيداً أن رسالة دكتوراة قد أنجزت مؤخراً عن حياة الرئيس شكري القوتلي في جامعة عمّان، وسبقتها دراسة مماثلة لشهادة دكتوراة في جامعة الموصل وأخرى، لنفس المرتبة العلمية عن نفس الموضوع، في جامعة إكزتر البريطانية. وأعلم أيضاً أن تجربة محمّد الماغوط تُدرّس حالياً في إحدى جامعات نيو يورك، وأن شهادة ماجستير قد قُدمت منذ سنوات في جامعة أوكسفورد البريطانية عن حياة رئيس الوزراء الراحل جميل مردم بك. وفي جامعات غربية أخرى، وضِعت أبحاث مُعمقة جداً عن نزار قباني وسعد الله ونوس وعبد الرحمن الشهبندر وخالد العظم، للإستفادة من تجربتهم الحياتية والسّياسية وربطتها بالتطورات الإقليمية والعالمية. هل يُعقل أن يكون جميع هؤلاء الباحثين مجرد “أغبياء،” وأنهم أضاعوا وقتاً وجهداً ومالاً في دراسة شخصيات سورية لا تستحق أن تُدرس؟

الجامعات الغربية تدخل في العمق، وما زلنا نحن لا نعالج إلا القشور. في جامعة جورجتاون الأميركية اليوم، تقوم طالبة سورية بالتحضير لرسالة دكتوراة عن الأمراض السارية في دمشق خلال الحرب العالمية الأولى، ليس في قسم الطب بل في كلية التاريخ. وفي جامعة إنديانا الأميركية، وضع كتاباً عن تأثير البرنامج الإذاعي للمحامي الراحل نجاة قصاب حسن على تطور المجتمع الدمشقي، وبحث أخر عن الدور الهام الذي لعبه الطبيب صبري قباني، عبر “مجلة طبيبك” في نشر الوعي الصحي في سورية. وأخيراً نُشرت دراسة مؤخراً لباحثة أميركية عن مدى تأثير فيلم “ذهب مع الريح” على المجتمع السوري عند عرضه للمرة الأولى في دمشق سنة 1941.

هل وصلت هذه الأبحاث إلى بلادنا؟ هل قام أحد بترجمتها أو طلبها لتكون ضمن الأرشيف الجامعي في سورية؟

الجواب طبعاً، هو لا، لأن مزمار الحي لا يُطرب.

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.