مريام ماكيبا


د. ميسون البياتي
إلتقينا ميريام ماكيبا في فندق بغداد عام 1979 كانت مدعوه كفنانه مناضله ثائره الى مهرجان أفلام فلسطين ذلك العام . كانت جميله بثيابها الإفريقيه وشعرها المليء بالخرز حيث أحيت عدة حفلات ضمن المهرجان وكان فندق بغداد وقتها أهم وأكبر فندق في بغداد

للحديث عن قضية مريام ماكيبا يجب أن نتعرف على قضية بلادها . في القرن الثاني الميلادي وصل السود الى جنوب افريقيا من شمالها وفي العام 1652 وصلها الهولنديون وأسسوا مستعمرة لهم في كيب تاون وفتحوا مقراً لشركة الهند الشرقيه الهولنديه فيها . في العام 1806 وصلت شركة الهند الشرقيه البريطانيه الى كيب تاون واستولت عليها وطردت الهولنديين الذين أسسوا في جنوب افريقيا جاليه كبيره تعرف بإسم البوير . إنتقل البوير الى ناتال واورانج وأسسوا لهم فيها مستعمرة جديده عام 1836 . لحقت بريطانيا البوير وطردتهم من ناتال وأورانج عام 1843 ففروا الى ترانسفال واسسوا فيها مستعمرتهم عام 1852

بدأت بريطانيا تستخرج الذهب والماس واليورانيوم من جنوب افريقيا بكميات غير مسبوقه في اهميتها لهذا منحت جنوب افريقيا حكماً ذاتياً عام 1877 تقديراً لمقدار استفادتها منها فأصبحت جنوب افريقيا تشبه في نظامها كل من كندا واستراليا ونيوزيلندا تابعه للتاج البريطاني ولكن بحكم ذاتي

كانت الولايات المتحده تراقب مدى استفادة بريطانيا من جنوب افريقيا فقامت بمد قبائل زولو الأفريقيه بالدعم فثاروا على بريطانيا التي هزمتهم عام 1879 . فيلم فجر زولو يتحدث عن تلك الحرب

في العام 1880 تم تحريك البوير ضد بريطانيا من مستعمرتهم المجاوره وكانت بريطانيا اصلاً تتمنى التصعيد معهم لطردهم من ترانسفال فوقعت حرب البوير الأولى التي ألحقت الهزيمه بالجيش البريطاني فلم يتمكن من طرد البوير من مستعمرتهم

بين الأعوام 1899 الى 1902 وقعت حرب البوير الثانيه جندت لها بريطانيا نصف مليون جندي وأنفقت عليها ما يقابل 200 مليار جنيه استرليني بعملة يومنا لتسترد سمعتها التي خدشت في الحرب الأولى , وانتصرت في المعركه

البوير افارقه هولنديو الأصل ولا يمكن طردهم عن ارضهم التي يعيشون عليها منذ 3 قرون لهذا وحّدت بريطانيا مستعمرات البوير مع مستعمرتها ومنحت جنوب افريقيا حكماً ذاتياً جديداً منذ عام 1907 , في ظل هذا الحكم الذاتي إنتعشت أحوال البوير وتملكوا تجاره وتعدين ومصالح كبرى تربطهم مباشرة بوطنهم الأم هولندا

تاج الملكه أليزابيث الثانيه وصولجانها وعقدها وأقراطها والدبوس الذي على صدرها وسوارها وخاتمها صنعت من أكبر ماسه عثر عليها في العالم حتى اليوم وهي ماسة كولينان عثر عليها في منجم للماس في جنوب افريقيا عام 1905 عدا عما كانت تستخرجه بريطانيا من جنوب افريقيا البريطانيه من خيرات , بنهاية الحرب العالميه الثانيه أعلنت الولايات المتحده الأمريكيه قارة افريقيا التي يتباكون على مجاعاتها وجفافها قارة مقفله للإستعمار الأمريكي فقط وعلى جميع المستعمرين الباقين مغادرتها لسداد ديونهم في الحربين العالميتين . رفضت فقررت الولايات المتحده حرباً من نوع خاص ملعوبة على الطرفين البريطاني والهولندي لأخراج مصالحهم من جنوب افريقيا

تم إيصال الحزب الوطني الجنوب افريقي ( مكون من البوير البيض فقط ) الى السلطه عام 1948 فقام الحزب الوطني ( مدعوماً ) بإنتهاج سياسة الفصل العنصري بين البيض والسود حيث التفرقه في كل شيء المدارس والمستشفيات والمطاعم ووسائل النقل وحتى المشي على الأرصفه وإستعمال المرافق الصحيه العامه , فقام السود ( مدعومين ) بمختلف أنواع الرفض لهذه السياسه وكان عددهم 29 مليون يحكمهم 4 مليون من البوير

فتحت الولايات المتحده باب اللجوء الى السود من جنوب افريقيا فطلبت اللجوء فيها بداية الخمسينات سيده تدعى ( اوزنزيل ) وهي كلمه افريقيه تترجم بمعنى ( لاتلم غير نفسك ) وحين أصبحت مواطنه امريكيه حولت ديانتها الوثنيه الى المسيحيه وغيرت إسمها الى ميريام وإنضمت الى فرقه غنائيه للسود هي فرقة منهاتن برذرز عام 1956 لتنطلق مدعومة , بأغاني تثير لواعج الحزن والغضب لدى مواطنيها الأفارقه السود في جنوب افريقيا ولتكتسب سمعة عالمية عن طريق الدعم

في نفس الوقت الذي ظهر فيه نيلسون مانديلا كزعيم قومي للسود وانضم الى الحزب الشيوعي البلشفي وأسس المنظمة المتطرفه ( رمح الأمه ) فألقي القبض عليه عدة مرات لأعمال ارهابيه مارسها داخل بلاده وحكم عليه بالسجن 27 عام وكان ذلك عام 1961

شعرت بريطانيا بالضغط وحاميتها في عدن على وشك السقوط وهي تتلقى الضربات في مصالحها في الشرق الأوسط فغادرت جنوب افريقيا فتحولت البلاد الى واحده من جمهوريات أفريقيا ( المستقله ) عام 1961 لكن خروجها سياسياً من البلاد لا يعني شيئاً حيث كانت تملك وتدير أعمل مناجم كبرى في جنوب افريقيا وينبغي أخذها منها

استمرت سياسة الفصل العنصري في البلاد بصفحات من العنف المتبادل بين الحكومه البيضاء والسود لحين إنهاء أي مصلحه لبريطانيا أو هولندا في جنوب افريقيا فتم الإفراج عن نيلسون مانديلا عام 1989

عام 1990 أصبح مانديلا رئيساً للحزب الوطني الافريقي من أجل دفعه الى الواجهة السياسيه للبلد وفي العام 1994 أصبح أول رئيس لجمهورية جنوب افريقيا من الأفارقه السود ( الأكثريه ) ولكن بثمن عشرات الآلاف ممن قضوا في صراع طاحن و5 مليون جنوبي افريقي مصابون بمرض نقص المناعه المكتسب ( إيدز) فأزال سياسة الفصل العنصري عن البلاد لكنه لم يحقق الطفرة الموعوده في البلاد كما فعل مهاتير محمد مثلاً خلال سنوات قليله من ترؤس ماليزيا , مع أن جنوب افريقيا تمتلك من الخيرات ما لا يملكه أي بلد آخر في العالم

بقيت ميريام ماكيبا في الولايات المتحده حتى الإفراج عن نيلسون مانديلا عام 1989 حيث غنت اغنية : تحيه الى مانديلا
https://www.youtube.com/watch?v=Ot0qm6isnc8&list=RDOt0qm6isnc8&start_radio=1

في العام 2008 أحيت حفلة في ايطاليا وتوفيت بعدها فجأة عن عمر 76 سنه حيث نعاها كمواطنة أمريكيه المتحدث بإسم وزارة الخارجيه الأمريكيه شون ماكورمك بقوله : إن الولايات المتحدة تقدم تعازيها لأسرة ميريام ماكيبا وشعب جنوب أفريقيا بعد وفاة أسطورة الموسيقى هذه فجأة …. وأن ميريام ماكيبا كانت نجمة ألهمت شعب جنوب أفريقيا خلال وبعد نضالها من اجل انهاء الفصل العنصري وكانت مصدر وحي وامل لضحايا القمع في جنوب أفريقيا الذين توجهت اليهم بالموسيقى بعد إبعادها ثلاثين عاما عن بلدها بسبب آرائها السياسية , واضاف : بعد انتهاء الفصل العنصري عادت إلى جنوب أفريقيا الديمقراطية الفتية لتلعب دورا ايجابيا بموسيقاها
https://www.youtube.com/watch?v=BHgKcPP6yK0

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in الأدب والفن, يوتيوب. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.