مركز الكون!

سناء العاجي

البلدان التي تضم أكبر عدد من المسلمين هي، بالترتيب: إندونيسيا، باكستان، الهند وبنغلاديش
“فرنسا العلمانية اللائكية تمنع الحجاب والنقاب”.

“الغرب الكافر يحارب الإسلام والمسلمين”.

“من واجبنا نشر الإسلام لأنه آخر الديانات”

“…”.

تعليقات كهذه، ستجدها بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي. في أي نقاش يطرح حول العلمانية، الحريات الفردية، فصل الدين عن الدولة والسياسة، التاريخ الإسلامي، وغيرها من المواضيع القريبة أو البعيدة من الدين، ستجد من يخرج هذه “الحجج” للنقاش.

وهي بالتأكيد حجج مقنعة جدا، خصوصا حين نتأمل ما يلي:

هل يمكننا أن نقارن عدد المساجد التي بنيت في فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة الأميركية وهولندا وكندا، خلال العشرين سنة الأخيرة، بعدد الكنائس التي بنيت في المغرب وتونس ومصر والكويت خلال نفس الفترة؟

متى سنعي بأن العلمانية وحرية المعتقد، اللتين نخافهما في بلداننا، هما العنصران اللذان يسمحان لملايين المسلمين عبر العالم بممارسة تدينهما بحرية

هل يمكننا أن نقارن عدد الأشخاص الذين تحولوا للإسلام وأعلنوا إسلامهم وعاشوه بأمان في مختلف هذه البلدان وفي بلدان أخرى غيرها، بعدد الأشخاص الذين تحولوا من الإسلام إلى المسيحية أو الإلحاد، وعاشوا اختيارهم العقدي الجديد بكل أمان؟
هل يمكننا أن نتحدث قليلا عن الفتيات اللواتي يخلعن الحجاب في المغرب ومصر وسوريا، وكيف يتم التعامل معهن في أوساطهن؟

هل يمكننا أن نقارن عدد الأشخاص المسلمين المقيمين في بلدان الغرب، والذين اندمجوا في حياتهم المهنية والشخصية والسياسية أحيانا، بشكل كبير؛ مع عدد المهاجرين الأجانب وغير المسلمين في دول الخليج أو في الدول المغاربية والمشرقية، والذين يترشحون للانتخابات ويتزوجون ويشتغلون ويشاركون في مختلف الأحداث الاجتماعية مع أهل البلد، بشكل طبيعي؟

في الحقيقة، السؤال الذي نحتاج لطرحه على أنفسنا هو التالي: من أين ينبع هذا الانطباع لدى عدد كبير من مسلمي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بأنهم ضحية مؤامرة عظيمة تحاول القضاء عليهم؟ هذا علما أنهم لا يمثلون إلا 20 في المئة من مسلمي العالم، حيث أن البلدان التي تضم أكبر عدد من المسلمين هي، بالترتيب: إندونيسيا، باكستان، الهند وبنغلاديش.

لماذا يعيش الكثير من مسلمي منطقتنا بإحساس متعاظم بأن الكون يتآمر ضدهم؟ ما الذي يجعل الولايات المتحدث والاتحاد الأوروبي لا يتآمرون ضد سنغافورة ونيوزيلاندا وأستراليا، وهي بلدان متقدمة، كما يتآمرون ضد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومعظم هذه البلدان تعاني التخلف والأمية والفقر والديكتاتورية السياسية؟

لنتساءل أيضا كيف تكون مسلما متدينا مقتنعا بعظمة دينك، وتخاف عليه من مقال أو برنامج حواري أو تغريدة على مواقع التواصل، لتقيم الدنيا ولا تقعدها احتجاجا ضد “مؤمرات العلمانيين والملحدين ضد الإسلام والمسلمين”؟

منطقيا، إن كان إيمانك قويا بدينك وبصحته، وبأن الإسلام قاوم كل الأشرار على مدار 15 قرنا، فما الذي يجعلك تخاف من مقال أو فيديو أو منشور على مواقع التواصل؟ هل هو خوف نابع من إحساس لا شعوري بالضعف وبعدم الثقة؟

يوما ما… علينا أن نستفيق من وهم مركزيتنا في الكون؛ وأن نستفيق من وهم المؤامرة التي تحاك ضدنا؛ وأن نقبل للآخرين ما نطالب به لأنفسنا

متى سنعي بأن العلمانية وحرية المعتقد، اللتين نخافهما في بلداننا، هما العنصران اللذان يسمحان لملايين المسلمين عبر العالم بممارسة تدينهما بحرية، ويسمح لبرتغاليين وأميركيين وبلجيكيين باعتناق الإسلام وإشهاره دينهم الجديد بحرية؟ متى سنقتنع أن العلمانية وحرية المعتقد هما ما يسمح ببناء مساجد جديدة في مختلف المدن الأوروبية والأميركية؟

لنأخذ مثال المغرب مرة أخرى. البلد تحول، مع مرور السنوات، من بلد عبور لعدد من المهاجرين القادمين من دول أفريقية مختلفة باتجاه أوروبا، لبلد هجرة واستقبال. هؤلاء المهاجرون ليسوا جميعهم مسلمين. شئنا أم أبينا، يوما ما، يجب أن نعترف بأن عدد الكنائس الموجودة في المغرب لم يعد كافيا لهم. هل سنسمح ببناء كنائس جديدة في الدار البيضاء ومراكش وطنجة وأصيلة، كما نفرح لبناء مساجد جديدة في بروكسيل وباريس ونيويورك؟

يوما ما… علينا أن نستفيق من وهم مركزيتنا في الكون؛ وأن نستفيق من وهم المؤامرة التي تحاك ضدنا؛ وأن نقبل للآخرين ما نطالب به لأنفسنا.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.