محمّد وأتباعه: مسلمون أم مؤمنون؟ كتاب جديد من هارفرد

لن يغدو من الحصافة المعرفيّة والنقديّة في شيء، الادعاء أنّ محمداً قد دعى في يوم من الأيام إلى شيء أسمه «الإسلام» كما نعرفه اليوم، فضلاً عن الادعاء أنه قد أسّس «دوغما عقيديّة وشعائريّة» مُميّزة عن غيرها من الموحدين، قد أمر الأمة التي تكونت حديثاً في مكة ومن ثم في يثرب، لإتباعها. أولئك الأفراد الذين سيشكلون ما تعارف عليه التراثيون بـ «صحابة» محمد، لم يكونوا سوى «مؤمنين»، وليسوا بـ «مسلمين». إنهم «مؤمنون» بالدرجة الأولى، و«مهاجرون» بالمعنى الدينيّ للكلمة بالدرجة الثانية. لا يحملون هوية سياسيّة ولا قوميّة عروبيّة كما يزعم الكثيرون، إنّهم دينيون مؤمنون، وليسوا بمسلمين.
هويتهم هي هويّة دينيّة إيمانيّة، مميزة، ليس التميز عن حركات الموحدين، إنّهم يحملون استقلالاً عن عقائد الشرك. وبهذا، لا يمكن بأي حال، القول أنّ هويّة أتباع محمد هي هوية إسلامية. الإسلام كثيولوجيا منضبطة، كطقوس مُنظّمة تُمارس… أي كنظام يمارسُه مسلمو اليوم، لم يبدأ في التشكل إلا في الثلث الأخير من القرن السابع الميلادي/ الأول الهجري. من هذه المرحلة تقريباً فصاعداً سيبدأ أتباع محمد «يميزون» إيمانهم عن غيرهم من أتباع الأديان الأخرى (المسيحيّة واليهوديّة على وجه التحديد)، بـ «إعادة» موضعة ما ظنوه هم، الأمورَ الأصلية التي دعى إليها محمد، أي: «الإسلام»، هذه الكلمة التي بإمكاننا التعرّف عليها من خلال الجزء الثاني من الشهادة المشهورة: «محمد رسول الله». إلا أنّ الدرس التاريخيّ النقدي والنقوش (على العملات وغيرها) سيقول غير ذلك. إنّ محمداً وأتباعَه الأوائل، أي الذين عايشوه، لم يعرفوا إلا الجزء الأول من الشهادة: «لا إله إلا الله». أما الجزء الثاني، فهو من الإضافات التي ألحقت لاحقاً، ولا يمكن بأي حال القول أن محمداً وأتباعه «المؤمنين القرآنيين» الأوائل قد عرفوا في يوم ما: «محمد رسول الله». إنّ التركيز اللاحق في تاريخ أتباع محمد على مكانة محمد كـ «نبي» أو «رسول» من جهة، والرفض القوي لعقيدة التثليث المسيحية والتميّز عنهم من جهة أخرى، هذان عاملان، من بين عواملَ عِدّة، قد ساعدا في بلورة ما تعارف عليه بـ «الإسلام».
تلك هي بعض من الأفكار الرئيسية، وغيرها كما سيأتي، قد أكّد عليها البروفيسور، المستشرق، فرد دونر ( 1) (ولا أعلم إذا كان يفضل هو كلمة مستشرق، الالتباسية) في مقالته الطويلة: «من المؤمنين إلى المسلمين: الهوية الذاتية الاعتقادية في المجتمع الإسلامي الباكر(2)»، فعاد لاحقاً ليتوسع في المقالة أكثر في كتابه الذي صدر حديثاً عن هارفارد، تحت عنوان: «محمد والمؤمنون، في أصول الإسلام
Muhammad And The Believers, At The Origins Of Islam(3)».
خلافاً لما وصف به دونر مرةً الدراساتِ القرآنيّةَ كحقل للبحوث الأكاديمية، فتحوّلت إلى حالة من الفوضى (4)، فضلاً عن الدوغما التراثيّة، وخلافاً لمونتغمري وات وأطروحاته التي تأثرت في أواسط القرن العشرين بالعلوم الاجتماعيّة حينما أكد أنّ حركة محمد تأثرت بفعل عوامل اجتماعيّة واقتصاديّة، وخلافاً حتى لـ إرنست رينان الذي يستهل له المؤلف هذه الجملة «أنّ الحركة الإسلاميّة نهضت بدون إيمان ديني»، يأتي هذا الكتاب معتمداً بشكل أساسي على مصدر القرآن وما يقدمه من معلومات (ص56)، ليقدّم رؤية مناقضة لكل ذلك، بأن أتباع محمّد كـ «حركة»، ما كانت إلا حركة دينيّة، انطلقت بثوابت إيمانيّة طلباً لـ «الخلاص» الدينيّ ، ومن ثم «هاجرت» (الهجرة بالمعنى الدينيّ،وهذه الكلمة يقترب معناها مما تقدّمه السريانيّة والإغريقيّة) في أصقاع شبه الجزيرة العربيّة وخارجها، على وجه التحديد سوريا، والعراق بلاد الرافدين، ليؤسّسوا «مملكة الله على الأرض» ( ص 85) من خلال ما اعتقدوا أنه الإيمان الصحيح وسلوك التقوى الذي نادى به محمد، ليس بوصفه نبي ولا رسول، بل بوصفه قائداً للجماعة الإيمانيّة و
«حَكَمَاً Arbiter».
هذه الحركة الدينيّة ليست حركة تتميّز عن غيرها من الأديان، كحركة مستقلة بعقائدها وإيمانها؛ إنها بالأحرى حركة «توحيدية»، تتميز هي بذاتها عن كل ما يخالف توحيديتهم وإيمانهم الإيسكاتولوجيّ عن المشركين والوثنيين بهوية دينية عقائدية، كان محمد قد افتتحها في مكة، ومن ثم هاجر إلى يثرب ليكمل ما اعتقد أنه مبشر بتلك الهوية؛ إنها حركة تضم «كل» من يشاركها من المسيحيين واليهود، وغيرهم من الموحدين ما اعتقدوا به: الرب الواحد، اليوم الآخر…الخ. وهكذا لتتحول هذه الحركة إلى «حركة أتقياء عسكرية» ( ص 85)، التي عبرت عن ذلك من خلال الحروب مع الشعوب الأخرى، لتحقيق هدف واحد، وهو نشر الإيمان الصحيح ضد «الكفار الوثنيين» (ليس المسيحيين ولا اليهود) وتأسيس تلك المملكة، معتقدين بنفس الوقت القربَ الحتميَّ لحدوث ما وعد وتوّعد به الرب أي اليوم الآخر. ما كان يحرك هذه الحركة كدافع لهم، هو هذه الأفكار الدينية بنحو أساس.
محمد والمؤمنون:
أياًّ تكن الطريقة التي تلقى بها عرب محمد رسالته، سواء بوصفه نبياً بالمعنى الحرْفيّ أم لا؛ ما يهمّ التأكيد عليه أنّ أفكاراً مثل النبوة والتوحيد والإيمان باليوم الآخر هي أفكارٌ كانت منتشرةً في أرجاء جزيرة العرب في الوقت الذي بدأ فيه محمد بنشر رسالته؛ حتى أنّ كتب التراث قد ساقت كثيراً من الأسماء للتدليل على ذلك سواء أكانوا أنبياء من الرجال أم من النّساء (كـ النّبيّة سجاح). وهذا ما يساعد في الواقع على فهم الطريقة التي تلقى بها الناس دعوة محمد (ص31). وفضلاً عن هذا، ثمة نقطة غالباً ما يتمّ تجاهلها من قبل الكثيرين، وهي أنه إذا كانت أفكار النبوة والأفكار الإيسكاتولوجية الأخروية قد تمأسست في الشرق الأقصى، فإنّ فكرة النبوة حينما تطلق على نبي، فهذا لا يعني بالضرورة أنّ هذا النبي يتلقى معارفَ ما ورائية أو له اتصالات بقوى علوية (انظر:
From Believers to Muslims, pp. 35-36)
. وفوق ذلك، إنّ انتشار اليهود والمسيحيين مع أفكارهم اليهو-مسحية، أيضاً قد سهّل إضافة إلى ذلك، على الناس قبول محمد. وربما حتى اليهود الذين كان العرب يعيشون بين ظهرانيهم قد ظنوا في بداية الأمر أنّ محمداً هو «المخلص»؛ وكان القرآن نفسه قد دعاه في كثر من الآيات (القسم المكيّ خاصة) بأنه ليس هو إلا نذير أو مبشّر..الخ. ومهما يكن، يبقى من الأكيد أنّ أتباع محمد الأوائل المؤمنين، كما تشير كثير من المصادر غير القرآنية المحدودة، أن انشغالهم الأساسيّ ليس ما يخص مكانته هو كنبيّ أو رسول، بقدر ما كانوا يهتمون بمضمون الرسالة التي كان يُبشّر بها
(From Believers to Muslims, p. 38).
بالطبع، لا ينفي المؤلف ورود كلمة «إسلام» أو «مسلمين» في القرآن، إلا أنها إشارات قليلة (75 مرة تقريباً) مقارنة بآلاف المرات التي أُشير فيها إلى «جماعة المؤمنين» (ص57). أمّا ما تقوله الرؤية التراثية الإسلامية والرؤى العلمية الحديثة، حينما يصفون المؤمنين الأوائل بـ «المسلمين»، وحركتهم بـ «الإسلام»، فهو «مضلل» (ص57) حينما يُطبّق هذا على الجماعة التي أشار إليها القرآن. وهكذا، سيغدو أيضاً من التضليل القول أن كلمتي «إسلام» و«إيمان» هما مترادفتان (انظر مثلاً الآية: «قَالَتِ الأعراب آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا» [الحجرات 49: 14]). إنهما بعكس ذلك. ما أسسه محمد هو مجتمع أو جماعة المؤمنين
The Community Of Believers أو The Believer’s Movement
، التي آمنت بواحديّة الرب واليوم الآخر، ورسله والكتاب والملائكة. إنها فوق ذلك، حركة «مهاجرة»؛ الهجرة لا تعني فقط الانتقال من أرض إلى أرض، إنها هجرة دينية لجماعة آمنت بالرّب كإله واحد، قاتلت في سبيله لنشر دينه. وقد أشير للكلمة في نصوص غير إسلامية عديدة: في السريانية:


mhaggraye في الإغريقية: agarenoi (ص 118).
الكثير من الأدلة يسوقها دونر للتدليل على أنّ جماعة مؤمني محمد لم يكونوا جماعة «مستقلة» و «مُميّزة» عن غيرها من الجماعات التوحيدية التي كانت منتشرة في جزيرة العرب، ومنها أصحاب الديانات التي تحمل فكراً يهودياً ومسيحياً. هكذا، سيغدو المسيحيون (واليهود؟) جزءاً لا يتجزأ من حركة محمد المؤمنة، أو ربما: Multi- Confessional Inclusiveness.
وبالتالي فإنّ انضمامهم ليس لأنهم مسيحيون أو يهود، بل لأنهم «أتقياء» منخرطين في التقوى (ص69- 70) نقرأ في القرآن: «وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» [آل عمران3: 199]، وفي نفس السورة أيضاً: «لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ» [113 حتى 116](5) وفوق هذا، هناك أيضاً الأدلة، وإن كانت محدودة، من النقوش التي تدعم وجهة نظر المؤلف هذه، مثل النقوش السريانية (انظر:
From Believers To Muslims, pp. 48- 52).
ومع هذا، هناك الوثيقة المثيرة التي لم ينته الجدل حولها وهي ما عرف باسم «دستور المدينة»، وقد ناقشها المؤلف مطولاً سواء في مقالته المشار إليها آنفاً أو كتابه، منتصراً بذلك لصحة موثوقيتها التاريخية بخطوطها العريضة وإن كان له بعض المآخذ عليها، بحيث ربما تمّ فيها بعض الإضافات من المسلمين اللاحقين (ربما إضافة نعوت النبوة والرسولية إلى محمد). لكن على العموم من حيث الخطوط العريضة، فالوثيقة صحيحة. وقد اشتملت صراحة في بعض بنودها أيضاً على إشمال اليهود في مجتمع محمد؛ وهو ما يذهب إليه المؤلف بقوة.
لكن بنفس الوقت لم يستطع الكتاب الذي بين أيدينا على أن يسدّ بعض الثغرات بالشكل الكافي التي تثيرها كتب التراث وبخاصة بشأن طرد اليهود من «مدينتهم» يثرب (بني النضير، بني قينقاع)، والمذابح التي قامت بحق قبيلة بني قريظة. المسألة هنا لا تتعلق فقط بالارتهان لما تقوله كتب التراث فقط (تمتد كتب التراث في الرواية لتقول أنّ عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين(6) الثاني، قد أجلى حتى اليهود كلهم من خيبر، وقال قولته المشهورة: «دينان لا يجتمعان في بلاد العرب»، رغم افتراض المؤلف أن العديد من اليهود والمسيحيين قد تركوا بعد ذلك (الحروب) في جزيرة العرب كـ موحدين، يتعبدون بحسب دينهم (ص101))، بل بشأن هؤلاء الذين ذبحوا وطردوا، هل شاركوا في دعوة محمد الإيمانية أم لا؟ المؤلف كما في الكتاب، سيقول أنّ اليهود قد أُشملوا في دستور المدينة. لكن أليس هناك روايات أخرى تدلل على أن قبائل اليهود لم يُضمّنوا بالاسم (بني قينقاع، النضير، قريظة) في هذا الدستور؟ وبالتالي ماذا بشأن مشاركة هؤلاء في حركة محمد التوحيدية؟ هل يعقل على فرض أنهم كانوا جزءاً من حركة محمد، أن يعاملهم محمد بهذه القسوة؟
لقد طرد محمد قبيلتين بأكملهما من وطنهم الأم، يثرب، وذبح الثالثة عن بكرة أبيها. من جهة أخرى إذا كان هذا المجتمع اليهودي قد شكل جزءاً من مجتمع محمد، فإنه لا يمكننا الهرب من القول أنّ الدوافع السياسية والاقتصادية قد تغلبت على الجوانب الدينية. هل استبعدوا من المجتمع المحمدي لأنهم كانوا خارج نطاق التوحيد «الكتابي»؟ (لا ننسى في هذا السياق أنّ المؤلف يلجأ إلى التوفيق بين كثير من المتناقضات المتواجدة في القرآن بخصوص آيات متسامحة مع المسيحيين بحيث تظهر مشاركتهم مع جماعة محمد، وآيات تهاجمهم بقسوة بالغة. وهذا المطب في التوفيق بين هذه التناقضات، هو في الواقع تأويليّ أكثر من كونه تاريخي حقيقي؛ وقد وقع فيه المسلمون أيضاً وما زالوا). كان مونتغمري وات قد ركز على أنّ محمداً كان يتمنى اعترافاً منهم بنبوته، وأن يعترفوا بـ الأصل الإلهي لكلامه القرآني، إلا أنّ محمداً فشل في إقناع اليهود بنبوّته، وكانوا يشكلون بالنسبة له مصدر قلق سياسي وديني؛ لكن دونر لا يميل إلى هذا. مهما يكن هناك حلقات أو ثغرات في هذه المرحلة من حياة محمد، لا نستطيع إلى الآن التوصل إلى حلّها بالنحو المطلوب. إنني أُثير هذا الإشكاليات في حال فعلاً إذا ارتهنا إلى الرواية التراثية بتواجد اليهود في يثرب ومن ثم صراعهم مع محمد، ولا ننسى أن القرآن نفسه قد أشار إلى عمليات طرد اليهود من يثرب.
وحتى ربما هناك إشكاليات كثيرة تخص هؤلاء المؤمنين في اندماجهم في سياقات اجتماعيّة مختلفة أثناء حروب المؤمنين خارج بلاد العرب الأصلية. المؤلف يعطي تلك الحروب بعداً دينياً إلى حدّ ما مبالغ فيه، رغم أنه لا ينكر عوامل ماديّة أخرى (كالغنائم وغيرها) كانت وراء تلك الفتوح. لكن ما يريد المؤلف أن يقوله أنّ تلك الحروب هي حروب دينية، الهدف الأساسيّ منها هي لنشر رسالة الرب على الأرض. لا بل يذهب إلى حد التأكيد أنّ المصدر الرئيسي لطاقة المؤمنين وديناميتهم هو اعتقادهم بنهاية هذا العالم. في هذا السياق، هناك مسألة في غاية الأهمية، وهي عدم توضيحه بنحو كافٍ بين مسيحيين خضعوا للمؤمنين (سواء شاركوا معهم إلى جانبهم في الحروب أم لا) مثل بعض القبائل، كـ «قبيلة كلب»، وبين مسيحيين كانوا يُحسبون ليس بمقومات المؤمنين الدينية، بل أعداء سياسيين لحركة المؤمنين، أقصد بشكل خاص شعوب مسيحية بأكملها من بيزنطة، رغم أنّ هذه الشعوب تحمل فكراً إسكاتولوجياً دينياً يتقاطع مع ما يحمله هؤلاء «المهاجرون» الدّينيون من بلاد العرب. هذا من جهة، من جهة أخرى ماذا بشأن الاندماج الاجتماعيّ والدينيّ مع هذه الشعوب والأراضي، وبالتالي التأثر الدينيّ بهم، وتأثير هذا على الإيديولوجيا الدينية التي يحملها المؤمنون في جعبتهم؟ بنحو محدد، ماذا بشأن التأثير الهلينستي في هذه السياقات على مؤمنيّ محمد؟ ربما هذه النقطة لم توضح بنحو كاف أيضاً.
ما يقوله الكتاب، أنه فعلاً لقد بنى المؤمنون إلى جانب الحواضر الموجودة «أمصاراً» (جمع مِصْر)؛ وقد تُرجِمت هذه الكلمة بنحو صحيح جزئياً إلى «Garrison Towns»، التي بنيت بنحو أساس للجنود (كما هو الحال مدن بنيت في بلاد الرافدين، بصرى، والكوفة، وفي مصر فسطاط القاهرة القديمة)، ومن ثم توّسعت مع سكن عوائل الجنود…الخ، يقول المؤلف بنحو حرفيّ: «بنيت هذه المستوطنات الجديدة أساساً بنحو منعزل عن المدن أو الحواضر الموجودة، وكانت تعبيراً على همّ المؤمنين للتقوى والعيش الديني، هذا الهمّ الذي قادهم ليعزلوا أنفسهم عن كل ما كان يحيط بهم من المجتمعات، التي كانت بالرغم من أنها مجتمعات مُوّحدة، إلا أنها لم تكن متشددة في سلوكها أو تعبدها الديني، لأنْ تُعتَبر مجتمعات مؤمنة حقيقية» (ص137). لكن في الواقع ما هي معايير تلك المجتمعات خارج البلاد العربية من الناحية الدينية حتى بإمكاننا أن نحسبهم مؤمنين حقيقيين أم لا؟ وحتى يعتزل عنهم هؤلاء المؤمنون ببناء مستوطنات منعزلة عنهم؟ هذه النقطة بالرغم من أنها مهمة إلا أنها لم توضح بالنحو المطلوب بما يخص إشكالية اندماج المؤمنين المهاجرين مع غيرهم، وليس هذا فقط، بل ما هو مدى تأثر هؤلاء المؤمنين العرب (وربما غير العرب معهم) بتلك الثقافات والديانات، الذي سوف يؤثر حكماً على تعاليم محمد نفسها التي يحملها هؤلاء «المهاجرون»؟
لا ينسى المؤلف أن يعالج إشكالية حروب الردّة والحرب الأهلية الأولى والثانية التي قامت بين المؤمنين أنفسهم (الجمل وصفين) وما تركت هذه الحروب من آثار على الحركة الدينية المولودة حديثاً، سواء بما يخص من هو الذي يحمل الأهلية لقيادة المؤمنين (وبخاصة الحرب الأهلية الأولى)، أو سواء بما يخص الوحشية من المؤمنين التي لمسناها أثناء تلك الحروب، من قتل جماعي، الأعداد الكبيرة من الضحايا…وهذا يمنحنا في الواقع صورة عن مدى خشونة أولئك العرب والعصر الذي عاشوا فيه، أو سواء ما يخص أيضاً الانقسامات التي تركتها هذه الحروب على وحدة الجماعة المؤمنة، تحديداً في الثانية، وما نتج عنها بدء تشكل الطائفة الشيعية. لكن يبقى المؤلف يعطي الطابع الديني الإيديولوجي أولية على كل ما عداها من عوامل سياسية واقتصادية. وهذا برأيي أمر مبالغ فيه. لكن الشيء اللافت مرة أخرى، ماذا بشأن مشاركة المسيحيين في هذه الحروب التي قامت بين المؤمنين؟ على العموم ربما نجدهم في الحرب الأهلية الثانية قد انخرطوا فيها، كما أشار إلى هذا دونر (ص 192).
من الإيمان إلى الإسلام:
ليس من المبالغة القول مع دونر، أنّ الإسلام قد بدأ بالتشكّل نتيجة الأحداث الدولية بعد الحروب الأهلية التي خاضها المؤمنون ضد بعضهم البعض، مع بداية تبلور «الإمبراطورية الأموية». ولا ننسى بالطبع أنّ جيلاً من المؤمنين قد انقضت حياته، وأخذ المجتمع المؤمن يتوسع أكثر نتيجة الغزو والحروب لأراضي غيرهم، مع عدم هدوء الصراعات السياسية وبخاصة بشأن من هو الأهل ليحمل لقب «أمير المؤمنين»، هذا فضلاً عن الثقافات المختلفة التي واجهها المؤمنون الأوائل…كل هذه العوامل ستترك أثراً بالغاً في إعادة صوغ ما ظنّه المؤمنون أنه الدين الحق الذي بشّر به محمد. هل غريباً أن نجد أمير المؤمنين عبد الملك (الذي سيسمى «خليفة الله»! وهو الأول الذي أطلق عليه هذا اللقب، بخلاف ما تزعمه كتب التراث) الذي بنى قبة الصخرة في أورشليم القدس، يحاول أن يصيغ مرة أخرى ما ظنه أنه التعاليم الأصلية لمحمد؟ لقد كان في الواقع لهذا البناء، وهو شاهد تاريخي، أثراً بالغ الأهمية، سواء بناه لمطامح شخصية ليحول أنظار المؤمنين عن الكعبة (مكة كانت مسيطراً عليها من قبل «منافسه» عبد الله بن الزبير)، أم لاعتقاد في بداية حدوث أو وقوع حدث اليوم الآخر. لكن ما يهمّ أنّ هذا البناء كان من بين معالم أخرى شاهداً قوياً على بداية تشكّل الإسلام.
وسيبدأ من الآن، من خلال ما يظهر من النقوش على قبة الصخرة، التأكيد على دور محمد كـ «نبي». الإسلام الآن كدين، نظام، عقائد، صلوات، طقوس منظمة….كما نعهده اليوم سيحمل طابعاً وهوية ستبتعد تدريجياً عما أسسه محمد مع مؤمنيه، وهو ما سوف يؤثر على بداية رسم «الحدود» بين الإسلام والمسيحية وغيره من الأديان التوحيدية، ويأخذ الإسلام مع فترة عبد الملك فصاعداً شكلاً مستقلاً ومميزاً عن غيره من الأديان التوحيدية. من الآن فصاعداً ستبدأ التحولات تأخذ مكانها في تاريخ جماعة المؤمنين بما يخص تحديداً التحولات في تحديداتهم الدينية: من الإيمان إلى الإسلام، من المؤمنين القرآنيين، إلى المسلمين. لأول مرة، سيبدأ هؤلاء المؤمنون بكتابة «محمد رسول الله» الإسلام). وقد ظهرت هذه الجملة لأول مرة في النقوش على العملات في 66هـ/ 685م، و 67هـ/ 686 و 687م (ص205)، وغالباً كان هذا لدوافع سياسية بين الأمويين الذين أرادوا التأكيد على مكانة ودور محمد، وبين منافسهم عبد الله بن الزبير. لكن حقيقة، كل الإجراءات الرسمية التي اتُّخذت أيام الأمويين في إعادة موضعة كثير الأمور الدينية، مثل بناء قبة الصخرة، والتأكيد على دور الشهادة بجزأيها، وتثبيت مشروعية القرآن، والبدء بالتهجم على عقائد التثليث المسيحية (يخصص دونر قسماً لنقاش إشكالية التثليث. انظر ص212 وما بعدها)…الخ، كل هذه الإجراءات، لا يمكن بأيّ حال أن تؤكّد لنا أنها قد أخذت طريقها إلى الإيمان الشعبي في هذه المرحلة الزمنية؛ وكما يؤكد دونر، أنه لا نستطيع القول أنّ التحول من الإيمان إلى الإسلام قد اكتمل في هذه الفترة، لأنه: «ما زلنا نجد دلائل تقارب في التعاون بين المسيحيين (وربما اليهود) مع المسلمين لسنوات عدة بعد ذلك» (ص 221 وما بعدها؛ انظر أيضاً بعض الأمثلة). إلا أن التاريخ بعد هذا الزمن بتحولاته الكبرى ستكون له الكلمة الفصل، وبخاصة في إعادة، وتكرير الإعادة في صوغ ما يعرفه مسلمو اليوم: الإسلام.
حقيقة، عند المؤلف الأدلة التاريخيّة الكثيرة وحتى التأويليّة، لكي يدلل على صحة فرضياته التي ما زالت غائبة عن عرب ومسلمي اليوم. لقد قرأ قراءة نقدية وجميلة ومهمة حتى النقوش التي تدلل على ذلك، ومنها ما كتب على قبة الصخرة في أورشليم.
ربما ليس بوسعنا أن نقرأ كلَّ شيء فيما ورد في الكتاب، لكن بإمكاني القول بدون مبالغة، أنّ هذا الكتاب يمثل ثورة تاريخية، يمنحنا صورة كيف انتقل أتباع محمد «من الإيمان إلى الإسلام»، رغم أنه هناك بعض الثغرات بين هنا وهناك، وبغض النظر عن اختلافنا في بعض المواقع مع العديد من الرؤى، لأنها ما زالت إشكالية، وترتبط بشأن أصالة القرآن ونسبته في صوغه (في عصر محمد؟ أم بعد محمد؟ أم حتى قبل محمد؟) والتعديل الكثير الذي طرأ عليه….الخ، فضلاً عن أمور جدالية أخرى مثل مسألة علاقة محمد مع يهود يثرب…الخ. مهما يكن، ليس بوسعنا في هذا السياق تناول كل أفكار الكتاب، وبخاصة أنه مليء بالأفكار الجديدة، وربما كل واحدة تحتاج إلى وقوف مطول عندها. إلا أنه كتاب مهمّ جداً وبخاصة أنّ مؤلفه، متألق جداً في الدرس التاريخي، للشرق الأدنى وثقافاته.
الهوامش:
(1) فرِد دونِر، بروفيسور في تاريخ الشرق الأدنى في معهد الاستشراق، وقسم اللغات للشرق الأدنى والحضارات في جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأميركية. له عدة مؤلفات، منها على سبيل المثال كتابه المهمّ: Narratives of Islamic Origins: The Beginnings of Islamic Historical Writing (Princeton: Darwin Press, 1997) ؛ وأيضاً الكتاب الذي بين أيدينا.
(2) Donner, Fred. M. From Believers to Muslims. Confessional Self-Identity in the Early Islamic Community.” Al-Abhath , (2002–2003).
(3) ( ) Donner, Fred. M. Muhammad And The Believers, At The Origins Of Islam, Harvard University Press, Cambridge, Massachusetts. 2010.
(4) Donner, Fred. M. The Quran In Recent Scholarship, Challenges And Desiderata, In: “The Quran In Its Historical ‎Context, Edited By Gabriel Said Reynolds, First Published 2008 By Routledge. P. 29.
(5) في الواقع الآيات كثيرة في نص القرآن التي تشير إلى هذه المعاني نقرأ مثلاً: «إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» [البقرة2: 62] وأيضاً: «إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» [المائدة5: 69].
(6) ربما من المهم الإشارة أنّ دونر لا يميل بأي حال، إلى إطلاق صفة «خليفة» على أتباع محمد الذين خلفوه، إنه بالأحرى يلتزم بإطلاق صفة: «أمير المؤمنين»، وبخاصة أن صفة الخليفة لا تدعمها أي من الأدلة الحقيقية. انظر من الكتاب ص 98- 99. هذا إضافة أنه لا توجد أدلة واضحة تدلل على أن «أمراء المؤمنين» (أبي بكر واللاحقين من بعده) قد لقبوا بـ «الخلفاء»، انظر أيضاً ص211.
حمو حمود

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.