محمد عبده

د. ميسون البياتي
ندع كل الأسماء والألقاب التي أطلقت على محمد عبده ونتكلم عنه اليوم بإعتباره حلقة الوصل مابين الدعوه الى التفكير الحداثوي في قضايا الدين الإسلامي وبين الدعوه الى إثارة النعره القوميه العربيه وارتباط ذلك بالمصالح الأمريكيه المتناميه في الشرق الأوسط
عاش محمد عبده مابين ؟1849-11 يوليو 1905 وهو مصري الجنسيه , عالم دين مجدد وكاتب ، ماسوني الإنتماء , بهائي الهوى , يعتبره البعض أحد الشخصيات التأسيسية الرئيسية للحداثة الإسلامية
والده كردي من منطقه كرديه غير معلومه في أي بلد , عمل لدى السلطان العثماني فتم نقله الى طنطا في مصر وفيها تزوج من سيده مصريه , تعتبر العائله من النخبة المصريه . تلقى محمد عبده تعليمه في طنطا داخل مدرسة خاصه , وحين بلغ 13 من العمر أُرسل الى مسجد احمد البدوي في طنطا وكان وقتها واحداً من أكبر المراكز التعليميه في مصر
بعد فترة هرب عبده من المدرسة لأنه لم يكن يفهم أي شيء من دروسه وتوجه الى بيت خال أبيه الذي يدعى الشيخ درويش خضر , وكان شيخاً متصوفاً على الطريقة الشاذليه , الذي ألحقه بجامعة الأزهر عام 1866 حيث درس المنطق والفلسفة والصوفية وفي عام 1877 ، مُنح عبده درجة عليم ( مدرس ) وبدأ بتدريس المنطق واللاهوت والأخلاق في الأزهر, وفي هذا العام انضم الى المحفل الماسوني فبدأ نجمه بالصعود . في عام 1878 ، تم تعيينه أستاذاً للتاريخ في كلية القاهرة لتدريب المعلمين التي تم دمجها لاحقاً بجامعة القاهرة. كما تم تعيينه لتدريس اللغة العربية في المدرسة الخديوية للغات
قام رياض باشا رئيس النظار في عهد الخديوي توفيق الماسوني بتعيين عبده رئيساً لتحرير الوقائع المصرية ، الجريدة الرسمية للدولة فإنتقد في مقالاته الفساد والخرافات وحياة الأغنياء المترفة
في عام 1879 مُنح السيطرة على الجريدة الوطنية فاستخدمها كوسيلة لنشر أفكاره في مناهضة الإنكليز ، والحاجة إلى إصلاحات اجتماعية ودينية , وبسبب دعم الجريده لثورة احمد عرابي نفاه الإنكليز من مصر عام 1882 لمدة 6 سنوات أمضاها في لبنان العثماني . دائماً يكرر الانكليز خطأ النفي بما يؤدي الى استفحال المشاكل , ففي نفيهم الحاج أمين الحسيني ودرويش المقدادي من فلسطين الى العراق تسببوا في مقتل الملك غازي وانقلاب رشيد عالي الكيلاني وما رافق ذلك من تداعيات , اما نفي محمد عبده الى لبنان فالسنوات السته للنفي كانت من أخطر مراحل عمل محمد عبده لأنه رفد خلالها الساحه الصحفيه المصريه بعدد كبير من الصحفيين اللبنانيين وأغلبهم ماسونيين الذين سيحولون دعوة الإصلاح الديني الإسلامي الى دعوه لإثارة النعره القوميه العربيه في محاوله لتحريك العرب وجعلهم يثورون بأنفسهم لطرد المحتل العثماني والمحتل البريطاني وأي إحتلال آخر لإفراغ الساحه لإستقبال قدوم المحتل الجديد . أبرز وأخطر الصحفيين الذين صدّرهم محمد عبده من لبنان الى مصر كان جرجي زيدان الذي أسس دار الهلال للنشر التي أخذت على عاتقها النشر لكل الأعمار والفئات وهي التي قادت الثقافه والمفاهيم العربيه خلال القرن 20 . منشوري المقبل سيكون عن جرجي زيدان

عام 1884 انتقل محمد عبده من لبنان الى باريس لينضم الى جمال الدين الأفغاني ويقومان بتأسيس مجلة العروة الوثقى التي لم يصدر منها غير 18 عدد ثم تم ايقافها لمهاجمتها بريطانيا . لخّص محمد عبده أهداف المجله في رساله الى الشاعر البريطاني ولفرد بلينت بقوله : أهم أهداف المجله صون الشعوب الشرقيه من عدوان الدول الغربيه وإقلاق بال الحكومه البريطانيه حتى ترجع عن أعمالها المثيره لخواطر المسلمين . عند إيقاف صدور المجله أسس محمد عبده جمعيه سريه تحمل اسم العروة الوثقى وتحمل نفس اهدافها في التحريض على البريطانيين ولم نكن لنعلم عنها شيئاً لو لم يقم تلميذ محمد عبده , مؤسس مجلة المنار وهو ماسوني يدعى محمد رشيد رضا بنشر دستور الجمعيه عام 1931 لأنه أيقن أن الجمعية صارت من الماضي . ومن الجدير بالذكر أن محمد رشيد رضا هو الأب الروحي والمؤسس لحسن البنا زعيم الاخوان المسلمين في مصر وأن الجناح العسكري المسلح لتنظيم الأخوان المسلمين كان يسمى : تنظيم الضباط الأحرار الذي تخرج منه عبد الناصر

عام 1885 عاد عبده الى بيروت مدرساً , كماسوني وله علاقه شخصيه وثيقه مع عبدالبهاء عباس مؤسس الديانه البهائيه أحيط بعلماء من خلفيات دينية مختلفة لهذا كان يتحدث عن تعزيز الاحترام والصداقة بين الإسلام والمسيحية واليهودية
انتهت سنوات نفيه عام 1888 فعاد الى مصر بمساعده من رفيقيه الماسونيين الخديوي توفيق وسعد زغلول للوساطة له عند اللورد كرومر للعفو عنه , قبل اللورد الوساطه على أن يكف عبده عن العمل في السياسه , عندها تم تعيينه قاضياً في محكمة البدائه وفي 1891 تم تعيينه مفتياً لمصر وعضواً في مجلس الأوقاف الأعلى حتى وفاته في 1905 حيث افتى 944 فتوى خلال عمله هذا
أسس عبده جمعية دينية هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية واشترك معه في تأسيسها ميرزا باقر، وبيرزداه، وعارف أبي تراب، وجمال بك نجل رامز بك التركي قاضي بيروت، ثم انضم إليها مؤيد الملك أحد وزراء إيران، وحسن خان مستشار السفارة الإيرانية بالآستانة، والقس إسحاق طيلر، وجي دبليو لينتر، وشمعون مويال، وبعض الانكليز واليهود وكان محمد عبده هو صاحب الرأي الأول في موضوعها ونظامها وميرزا باقر هو الناموس أي السكرتير العام لها وهو إيراني تنصر وصار مبشراً نصرانياً وتسمى بميرزا يوحنا ثم عاد إلى الإسلام
أصبح محمد عبده رئيساً لجمعية إحياء العلوم العربية فعمل على إنارة جامعة الأزهر وتحسين مغاسل الوضوء وتقديم مقترحات لتحسين الامتحانات وبعض المناهج وظروف العمل لكل من الأساتذة والطلاب
عام 1900 أسس جمعية إحياء الأدب العربي وسافر والتقى بعلماء أوروبيين في كامبريدج وأكسفورد. درس القانون الفرنسي وقرأ العديد من الأعمال الأوروبية والعربية في مكتبات فيينا وبرلين وخلص من أسفاره الى أن المسلمين يعانون من الجهل بدينهم واستبداد حكامهم الظالمين
في سن 28 حين أصبح عبده ماسونياً انضم إلى المحفل الماسوني كوكب الشرق وكان من بين أعضائه الأمير توفيق ابن الخديوي ووريثه ، وشخصيات قيادية مثل محمد شريف باشا الذي كان وزيراً ، وسليمان أباظة باشا وسعد زغلول , وعلى مر السنين حصل عبده على عضويه في عدة محافل ماسونية أخرى في القاهرة وبيروت وتماشياً مع مبادئ الماسونيه وتأثراً عميقاً بالعقيده البهائيه سعى عبده إلى تشجيع الوحده بين الأديان السماويه وحين سُئل عن سبب انتمائه هو والافغاني الى الماسونيه قال : لغرض سياسي واجتماعي

جمال الدين الأفغاني في طفولته كان تلميذاً في مدرسة السيد محمد صالح البرغاني والد السيده قرة العين الطاهره حين كانت تتبع الشيخيه لمؤسسها احمد بن زين الدين الإحسائي عن طريق خليفته كاظم رشتي الذي غادر النجف الى مصر مع عائلته وأقام فيها ومن حفيداته اللواتي مازلن يحملن إسمه : السيده تحيه كاظم زوجة جمال عبد الناصر والدكتوره صافيناز كاظم زوجة الشاعر احمد فؤاد نجم . وربطت الأفغاني علاقه وثيقه مع علي محمد شيراز ( بهاء الله ) مؤسس الديانه البابيه ثم إبنه عبد البهاءعباس مؤسس الديانه البهائيه , ولهذا كان محمد عبده على علاقه وثيقه متأثر بها جداً مع عبد البهاء عباس

بذل البهائيون جهوداً متعمده للدخول الى مصر ، وأقاموا في الإسكندرية والقاهرة منذ أواخر ستينيات القرن التاسع عشر. وكان محمد عبده على اتصال وثيق مع عبد البهاء زعيم الدين البهائي , يؤكد اللبناني محمد رشيد رضا , أن عبد البهاء كان يحضر جلسات عبده الدراسية أما شوقي أفندي حفيد عبد البهاء وخليفته فيؤكد : أن المقابلات العديدة التي أجراها جده مع محمد عبده ساهمت إلى حد بعيد في تعزيز مكانة المجتمع البهائي المتنامية ونشر شهرة البهائيه في الخارج
العقيدة البهائية موجوده في مصر منذ أكثر من 100 عام وعلى الرغم من تشكيل جمعيه روحيه محليه بهائيه في وقت مبكر وتشكيل مجلس لهم إلا أن الغرض من وجودهم في مصر انتفى بعد وقوع انقلاب العسكر في مصر 1952 وتحول مصر بتعاون ( الضباط الأحرار ) مع ضابط المخابرات الأمريكي كيرمت روزفلت ( رئيس جمعية الصداقه العربيه الأمريكيه ) والإطاحه بالملكيه واخراج بريطانيا وفرنسا من مصر , لهذا أصدر عبد الناصر المرسوم 263 في عام 1960 فقد البهائيون بموجبه جميع حقوقهم كمجتمع ديني منظم وكان عليهم الخروج من مصر أو كتم دعوتهم

من أهم طلبة محمد عبده : محمد رشيد رضا , الشاعر حافظ ابراهيم , عز الدين القسام , شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي , شيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق , الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد , سعد زغلول , قاسم أمين , محمد لطفي جمعة , طه حسين . ساهم هؤلاء جميعاً ومن خلال جمعية إحياء الأدب العربي في كتابة تاريخ مجيد للعرب بالمبالغه والكذب والتدليس , رغم حقيقة التاريخ المليئه بالدم والغدر , وجاءت السينما لتحول تلك النصوص الى افلام جعلتنا نتغنى بماضينا ( السعيد ) فثرنا , وغيّرنا مستعمراً بمستعمر .. ولم يزل البعض حتى اليوم يتغنى بأمجاد الجمهوريات العربيه

د. ميسون البياتي

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.