محطات من حياة #الشيخ_عبد الله_الدرعطاني

المؤرخ عبد الله حنا

Abdullah Hanna
محطات من حياة #الشيخ_عبد الله_الدرعطاني
ودعاء الشيخ عبد الله مستجاب لمن يعتقد ” بكراماته ” وهي حسب اجتهاده :
الصراحة .. الصدق.. الامتناع عن ممالأة الحكام .. حب الخير للجميع .. عدم استثمار الإنسان للإسان أو استعباده .. التمنّي أن يعمّ الوئام والسلام كوكبنا الأرضي ومن يعيش عليه .
أليس ” الخلق كلهم عيال لله “
***
في 24 – 11 – 1932 رأت عينا كاتب هذه الاسطر النور في ديرعطية من ابوين فلاحين . تسميتي باسم عبد الله يعود الفضل فيها إلى كبير العائلة عم والدي عوض حنا ، الذي قال : ” كلنا عبيد الله ” سموه عبد الله . واسم عبد الله لا يقتصر على المسلمين كما يظنّ بعضهم ، ففي بلدتنا ديرعطية ، كما في غيرها ، كان اسم عبد الله منتشرا بين مسيحييها . وعندما عدت الى دفتر النفوس لعام 1904 لاحظت ان معظم اسماء المسيحيين في ديرعطية هي اسماء مشتركة بين المسلمين والمسيحيين وقليلة هي الاسماء المسيحية الخالصة ، اما الاسماء الغربية مثل ميشيل وجورج وجورجيت … الخ فلم يكن لها اثر في اسماء مسيحيي ديرعطية ، قبل عشرينيات القرن العشرين .
لا تزال ذاكرتي تختزن من أيام الطفولة زمن ” السلق ” . فقد كان الفلاحون بعد الانتهاء من جني محصول القمح في حزيران يشرعون في تحويل قسم من قمح السقي إلى برغل ، وهو مادة الغذاء الرئيسة بعد الخبز . القمح يصوّل في الماء لتنقيته من الأحجار وينقل في أكياس أو أعدال ( يسمون المفرد عدل ) إلى مكان السلق . وهناك تنصب جعيلة ( قدر نحاسي كبير مطلي من داخله بالقصدير ) توضع كمية من القمح والماء في جوفها وتُوقد النار تحتها إلى ان ” يستوي ” القمح بعد تشَرُّبه للماء وانتفاخه . يُنقل القمح المسلوق إلى حوض واسع مبني من اللبن والطين كي يبرد ، وبعدها تنقله النساء على رؤوسهنّ في مواعين إلى اسطح البيوت كي يجف ويتحول الى برغل . هذه العملية لا ازال أذكرها وعمري خمس سنوات ، وأنا أنظر إلى النار تشتعل تحت الجعيلة ،منتظرا استواء القمح ، الذي كانا طعاما لذيذا ، في وقت كانت الأطعمة محدودة .
ولكن الحدث الأهم من ذكريات الطفولة هو ” ليلة السيل ” في 27 – 10 – 1937. اذكر جيدا سيري بجانب والدتي على اسطح بيتنا في ظلام دامس نتلمس الطريق بفضل نور البرق المتلاحق المصطحب مع رعود متتالية . ولا أزال أذكر أننا كنّا نقف برهة من شدة الظلمة منتظرين برقا جديدا ، إلى ان وصلنا إلى بيت عمتي المرتفع والذي لم تصله مياه السيل ، وبتنا هناك . في صباح اليوم التالي ذهبت مع رفيق الطفولة إبراهيم حبوبا لنرى ماذا حلّ بدارينا ، وقد دُهشت مما رأيت من اتساع مجرى السيل الضيق ، الذي كانت تلاصق جدران البيوت ضفتيه ، فإذا به اصبح واسعا بسبب جرف السيل للبيوت الملاصقة لمجراه . في تلك الأثناء كان عمري خمس سنوات ، والاطفال في هذه السن يبدؤن بتذكر ايام طفولتهم ، وبخاصة إذا كان الحدث هاما ومتميزا . ومن حُسن حظّ والدي وعمي أن دارنا البعيدة قليلا والمرتفعة نسبيا عن مجرى السيل لم تتهدم ، بل اقتصرت الكارثة على دخول مياه السيل إلى البيوت .
بقي عمي في البيت القديم وسكن والديّ في بيت قديم تسكنه جدة والدتي أم موسى وولَدَاها هاجرا إلى امريكا قبل 1914 . كنا نربي في الربيع والصيف خروفا ( أو اثنين ) لذبحه في اواخر الخريف وتحويل لحمه إلى لحم مجفف ” أورمة ’ تستخدم في الشتاء كلحم ، لأن ذبح الخراف يتوقف في الشتاء . وغالبا ما كنت اقوم بعد عصر كل يوم بأخذ الخروف الى كرومنا لرعي العشب النابت على حوافي الانهر . وذات مرة نطح خروفنا في الاسطبل أم موسى فوقعت على الأرض وكُسِرتْ رجلها ، ولم تنفع عملية الجبار في لأمْ عظم عجوز ، وتوفيت بعد مدة قصيرة عام 1941 .


كان زوج أم موسى رستم نعموش مكّاريا وكثيرا ما نقل على الجمال السمن من ديار بكر إلى بيروت . إضافة إلى ذلك عمل مع اخوته في الحياكة اليدوية . وسافر ابناه في السنوات الأولى للقرن العشرين إلى الأرجنتين ، وبقيت ابنته وهي جدتي لأمي في ديرعطية وتزوجت اسعد البطل وهو جدي لأمي . وجدي هذا كانت مهنته النقل على العربة ( الكميون ) الذي يجره بغلان . ومما سمعته منه : ” طعمي البغال بطعموك وما بيقطعوك ” . أي قدّم علفا جيدا ( التبن مع كمية وافرة من الشعير ) للبغال يجرون العربة دون مشقة ، ويحقق صاحب العربة دخلا مقبولا .
بعد انتشار السيارة ( الأوتومبيل ) ومنافستها لعربة النقل ، باع جدي الكميون عام 1928 ويمم شطر الارجنتين ، وعاد عام 1937 مع مبلغ من المال بنى به بيتا جميلا ، وعاد إلى الفلاحة حتى ادركته الشيخوخة . كان وسيما قويّ البنية صارما أثناء العمل الزراعي لا يعرف الراحة ، ولهذا لم اكن مسرورا عندما أقوم بمساعدته في أعمال الفلاحة .
مع تقدم القوات الفرنسية الديغولية المدعومة من الإنكليز لطرد القوات الفرنسية الموالية لحكومة فيشي ، التي أقامها الألمان الهتلريون في جنوب فرنسا ، ووصول طلائع القوات الديغولية في أوائل صيف 1941 إلى القلمون ، انتقلنا إلى حقول العنب البعيدة عن القرية هربا من نيران المعارك . وفي تلك الأثناء ألقت طائرة انكليزية عددا من القنابل على تجمعات الفيشيين في ديرعطية وأصابت عدة منازل باضرار . إحدى تلك القنابل سقطت في كرمنا القريب من بيوت السكن ، واحدثت حفرة لا تزال صورتها راسخة في مخيلتي . استمرت أيام اللجوء إلى كروم العنب اكثر من اسبوع وعُدْنا إلى البيت بعد انسحاب الفرنسيين الفيشيين الموالين لألمانيا ،وتمركز الفرنسيين الديغوليين في ديرعطية . وأذكر أن معظم الجنود كانوا من السنغال وهو أفارقة استخدمهم الفرنسيون كجنود، وكانوا عندما يرون إمرأة يصيحون ” فطمة فطمة ” وهي تصغير لفاطمة إشارة منهم إلى شوقهم للنساء .

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.