مجزرة كاتَيْن

عندما تخلص الأتحاد السوڨياتي من 22،000 رجل پولوني ومن ثمّ ألقوا اللوم على النازيين

مقال كتبه: أندرو مايلن
نشر على موقع “ati” بتاريخ 20/2/2019 و تم تنقيح المقال يوم 10/7/2019

ترجمه بتصرف: مازن البلداوي
بتاريخ: 2/10/2020

مقدمة المترجم:
اقوم بترجمة بعض المقالات المختارة والتي تتضمن احداثا قد يطّلع عليها القارىء للمرة الأولى. وقد يحدث ان المواد المطروحة هنا تتعارض مع المنظومة المعلوماتية الخاصة به والتي حصل عليها نتيجة للنقل او الأطلاع او غيرها. هدفنا هنا هو ترجمة هذه المقالات و عرض أصولها التي تحتوي صورا و روابط الكترونية يستطيع من خلالها القارىء ان يتابعها ليطلع على شواهد ذات ارتباط بالمقال.

مع خالص التقدير

لقد ذهب الأتحاد السوڨياتي بعيدا في هذا الأمر وقام بأدراج هذه المجزرة ضمن لائحة الجرائم التي اقترفها النظام النازي خلال الحرب في محاكمات نورمبيرغ.
و الذي حصل انه في عام 1940 وقعت پولندا تحت العدوان الألماني من جهة و عدوان الأتحاد السوڨياتي من جهة أخرى، وبلغت هذه الأزمة ذروتها في ربيع ذلك العام و اتخذت من “غابة كاتين” الروسية قرب الحدود مع بيلاروسيا (حاليا) مكانا لها عندما قام السوڨييت بقتل 22،000 رجلا من ألمع الپولنديين بين رجال جيلهم بالجملة ومن ثم حاولوا ألقاء اللوم على النازيين لهذه الفعلة.
لقد شكّلت “مجزرة كاتين” و “تغطيتها المحكمة” طبيعة العلاقات الروسية-الپولندية للسنوات السبعين القادمة (منذ حدوثها)، الا ان شكلها الحقيقي بقي مروّعا الى يومنا هذا.
بعدما تم تقسيم پولندا بين ألمانيا و الأتحاد السوڨياتي عام 1939 ،تم ارسال كل الپولنديين الغير مؤهلين للخدمة العسكرية من مثل(النساء، الأطفال و كبار السن) الى المناطق النائية في الأمبراطورية السوڨيتية ليلقوا حتفهم هناك او يكونوا تحت السيطرة السوڨيتية، غير ان المجاميع الأخرى من المجتمع الپولندي واجهت مصيرا آخر.
لقد “ضمت مجاميع الضحايا الأخرى[ضباط الجيش الپولندي، و الخصوم السياسيين للأتحاد السوڨيتي بضمنهم السياسيين و ملاّك الأراضي وكما ضمت المثقفين والمفكرين و المحترفين من الكتّاب، الأساتذة، المهندسين و المحامين].
وفي يوم 5 آذار من عام 1940 قام “ستالين” بأصدار أمر يقتضي بأعدام قرابة 21،875 من الپولنديين المشار اليهم اعلاه حيث جاء في أمر الأعدام:
“يتم التعامل مع اعضاء منظمات التجسس و التخريب المعادية للثورة معاملة خاصة و يعاقبوا بالعقوبة القصوى- الأعدام رميا بالرصاص- كل من مالكي الأرض السابقين، اصحاب المعامل، ضباط الجيش الپولندي السابقين، الموظفين الرسميين الحكوميين و الهاربين”.


وبشكل عام فقد تم شمول ما يقدر بـ 14،700 رجل خدمة پولندي، و11،000 مدني پولندي من اصحاب المناصب العليا بأمر الأعدام هذا موزعين على 3 أماكن هي (كاتين، تڨير و سجن خاركيڨــ( . فقد تم تقييد أيدي الرجل منهم خلف ظهره بواسطة سلك ومن ثم تم الحكم عليهم بأطلاق النار على مؤخرة رؤوسهم فردا فردا وبشكل مجموعات. وكان على الجرافات ان تحفر القبور الجماعية لدفن القتلى الذين تم اعدامهم في غابة كاتين خلال نيسان و آيار من تلك السنة. بينما كان الأمر مختلفا في “تڨير” حيث تم اعدام الرجال بشكل فردي داخل غرفة معزولة صوتيا ومن ثم تم القاء جثثهم في شاحنات كانت تنتظر في الخارج.
لقد ذكر الجلاّد الأغزر قتلا بين اقرانه “ڨاسيلي ميخائيلوڨچ بلوخين” بأنه قام بأعدام 6000 رجل خلال 28 يوما فقط. هذا وقد كان مصير 22،000 پولنديا قتلوا في مجزرة كاتين غير معروفٍ حتى عام 1943 عندما أكتشفت القوات النازية القبور الجماعية الخاصة بهم في تلك الغابة.
وقد حدث انه في عام 1941، وافقت الحكومة الپولندية (في المنفى) على التحالف مع الأتحاد السوڨياتي ضد النازيين حيث توقعت حكومة المنفى بأن يقوم السوڨييت بأطلاق سراح ضباط الجيش الپولندي المعتقلون في كاتين. الا ان السوڨييت ومواراة للحقيقة الكارثية قالوا بأن هؤلاء الضباط غير موجودين في أي مكان ومن المحتمل بأنهم قد هربوا الى منشوريا (مقاطعة تقع شمال غرب الصين على الحدود مع الأتحاد السوڨياتي السابق).
الا انه في 13 نيسان 1943 قام الألمان بكشف المقابر الجماعية لمجزرة كاتين ليكتشفوا الحقيقة وأمِلوا في ان يغير هذا الحدث تفكير الپولنديين من التحالف مع السوڨييت ليصبح ضدهم. لذا فقد قام ممثلون عن حكومة المنفى الپولونية بزيارة الموقع و استنتجوا بأن السوڨييت هم المسؤولين الفعليين عن المجزرة، الا ان الأمريكان و البريطانيين لم يودّوا المخاطرة بتحالف السوڨييت ضد النازيين من اجل مجزرة كاتين. لكن السوڨييت قاموا وبكل جرأة بأضافة هذه المجزرة الى سجل الفظائع التي قام بها النازيون وقدمت في لائحة اتهامهم في محاكم نورمبرغ.
ذكريات شاهد
يتذكر الكولونيل (العقيد) “جون أتش ڨان ڨلاييت” وهو سجين حرب سابق ان الألمان اقتادوه الى موقع “كاتين” عام 1943 بعد الفظائع التي ارتكبها السوڨييت هناك. وقد ذكر “ڨان ڨلاييت” في التقرير الذي قدمه لاحقا بأن المكان كان ملىء برائحة عفونة حلوة (لكن ليست عطرة) نتيجة لتحلل الأجساد الميتة في المكان (تعبير عن ان بعض الحشرات تصدر مثل هذه الرائحة عندما تكون في مكان رطب، منها العث)، وتصبح اكثر قوة كلما اقتربت من القبور، حيث يقول:
” لقد تبعنا الدليل المرافق لنا الى كل قبر من تلك القبور حيث وقفنا على أجساد كانت قد صفّت وكأنها قطع لخشب التدفئة، وجوهها للأسفل كالعادة و بعمق 5-7 أجساد فوق بعضها البعض و تم الردم عليها بواقع 1,75 متر من التراب”.
و اقتنع “ڨان ڨلاييت نتيجة للتحقيقات التي قام بها بأن الأجساد الموجودة في القبور الجماعية هي بالحقيقة اجساد الضباط الپولونديين و انها لم تكن هناك نتيجة لأي فعالية نازية من هذا النوع. لقد كانت المواد و الأحذية التي يرتديها أولاءك الرجال المذبوحين من النوعية الممتازة وكانت متناسبة مع اجساد الضحايا بشكل واضح وكأنها صنعت لهم خصيصا. الآ ان قوى التحالف سيقبلون بالأحداث التي قام بها الأتحاد السوڨياتي في “مجزرة كاتين” لضرورة مرحلية، لحين سقوط و تفكك الأتحاد السوڨياتي نفسه عام 1991 .
ظهور حقيقة مجزرة كاتين
لقد استمرت التحقيقات الخاصة بمجزرة كاتين بمراحل كانت فيها التحقيقات تجري بشكل مفاجىء احيانا وتتوقف واخرى تبدأ بها من جديد. الا انها لم تغلق نهائيا الا عند العام 2012 حيث توفرت العوامل التي مهدت لأنهاء التحقيقات و اغلاق القضية، حين قام الرئيس “بوريس يلتسين” خليفة الرئيس “غورباتشيڨــ” بحمل أمر الأعدام الذي أصدره “ستالين” حينها بصدد الأعدام و ذهب به الى پولندا وليعتذر رسميا نيابة عن بلده عن تلك الفعلة الشنيعة. وكان هذا الفعل الذي قام به “يلتسين” نتيجة لحكم اصدرته محكمة اوروبية خاصة بحقوق الأنسان عام 2012 قالت فيه بأن “مجزرة كاتين” تعد من جرائم الحرب التي قام بها السوڨييت.

وقد اصدرت المحكمة قرارها لصالح اقرباء ضحايا المجزرة وافادت، بأن “المحكمة قد وجدت” بأن هذه العوائل قد عانت من صدمتين أثنتين، اولها كانت خسارة اقربائهم ابان الحرب و الثانية ، لأنه لم يتم ابلاغهم بالحقيقة حول وفاة الضحايا لمدة قاربت على الـ 50 عاما.
لقد بقيت “مجزرة كاتين” كجرح متقرّح في جسد العلاقات الروسية الپولندية لعدة عقود من الزمن ولم تتحسن العلاقات ابدا خاصة بعد كارثة پولندية ثانية حدثت قرب “غابة كاتين” ذاتها، عندما تحطمت طائرة كانت تحمل مجموعة من العسكريين و السياسيين الپولنديين الرسميين بضمنهم كان الرئيس الپولندي “ليخ كازجنسكي” كانوا في طريقهم لأحياء الذكرى الـ 70 “لمجزرة كاتين”. لكن على الرغم من ذلك، فأن احياء ذكرى هذه الجريمة قد انتشر عبر العالم اليوم ابتداءا من لندن وصولا الى “نيو جيرسي”. وفي النهاية فقد أقرّ العالم اجمع بعدم نسيان تلك الفترة المؤرقة عندما تم سلب ارواح 22،000 أنسان پولندي في مجزرة كاتين.

رابط المقال الأصلي لمن يود الأطلاع عليه و مشاهدة الصور و الروابط الأخرى الخاصة بالأحداث:
https://allthatsinteresting.com/katyn-massacre?fbclid=IwAR1yTnef4hIoiEHBE5vhEiXopg-hu-CkTn4t-DZ57h9nydyI5JCrz_S8xn8

About مازن البلداوي

مازن البلداوي كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.