متى تتوب وزارة الداخلية ؟‎

وليد العجمى

بسم الله الرحمن الرحيم
بالتزامن مع ما بثته وسائل الإعلام من حوالى أسبوعين حول قيام ضابط شرطة بمدينة الأقصر بقتل مواطن هناك لأن ذلك المواطن قد صفع الضابط على وجهه , و القصة كما وردت و قبل إذاعة البيان المنمق المعتاد الذى يجعل الشرطة دائما مبرأة من كل عيب , و أن المواطنين ” الوحشين ” هم دائما من يعتدون على شرطتنا الأشبه بشرطة جمهورية أفلاطون أو المدينة الفاضلة لأرسطو !! القصة كما وردت تقول أن قوة تابعة لقسم شرطة الأقصر قد توجهوا لبيت أحد المواطنين للقبض عليه , فلما لم يجدوه قام الضابط الذى يقود تلك الحملة بصفع والد ذلك المواطن على وجهه , فقام الإبن الأكبر لذلك الرجل الكبير برد الصفعة على وجه الضابط , فقام الضابط بإخراج سلاحه الميرى و أطلق النار على رأسه و أرداه قتيلا .
و كالعادة أيضا خرج بيان النيابة العامة بغرائب و سيناريوهات غير محبوكة , مثل أنه تم العثور على سلاح بجوار جثة القتيل , لكن نفس البيان لم يقل هل ثبت أن البصمات التى على السلاح هى نفس بصمات القتيل ؟ أو هل استخدم القتيل هذا السلاح ضد الشرطة أم تم وضعه بجواره بعد قتله ضمن سيناريو معتاد جدا لتقفيل كل قضية و تلفيقها لهذا أو ذاك ؟
(2)
فى النصف الثانى من الثمانينيات و التسعينيات كانت القناتان الأولى و الثانية بالتليفزيون المصرى تبثان أيام العيدين أفلاما هندية طويلة لكنها كانت شيقة , و كان من ضمن تلك الأفلام لو يتذكر القارئ الكريم فيلم ” قمر أكبر أنتونى ” أو ” عمار أكبر أنتونى ” , و الذى كان أحد أبطاله يقوم بدور ضابط شرطة , و ضابط الشرطة ذلك لم يكن يرهب الناس بأنه بوليس أو شرطة أو أمن دولة هكذا شفهيا , بل كان دائما ما يخرج الكارنيه الخاص به للناس دون أن يطلبوه , و بعد أن يقوم بإخراجه يعطى الناس الفرصة الكاملة لقراءة بيانات الكارنيه .

بل فى أحد مشاهد الفيلم عندما قام أحد المطلوبين بتقريع ذلك الضابط بأنه يستأسد عليه لأنه وسط رجاله و يحتمى ببدلته العسكرية , فقام ذلك الضابط على الفور بخلع سترة بدلته العسكرية و دعاه لقتال يدوى حر بين رجلين شجاعين و ليس بين ضابط و أحد المطلوبين , و كانت معركة شبه متكافئة وقفت فيها قوات الشرطة موقف المتفرج , حتى لما حاولوا التدخل منعهم ذلك الضابط , و تمكن فى النهاية من حسم ذلك الاشتباك لصالحه .
السؤال الآن : متى نرى رجال الشرطة عندنا برجولة ضباط الشرطة الهنود الذين عبّر عنهم ذلك المشهد ؟ و متى نرى عندهم الحد الأدنى تماما من المروءة التى تمنعهم من صفع رجل كبير فى السن أو إطلاق النار من السلاح الميرى على من رد اعتدائهم اليدوى ؟
(3)
منذ فترة حاولت المثقفة المشهورة الدكتورة ليلى سويف زيارة إبنها علاء عبد الفتاح فى سجن طره بالقاهرة , و لما رفضت إدارة السجن تلك الزيارة صممت تلك الأم على البقاء قريبا من السجن حتى تتمكن من زيارة إبنها , و بعد ساعات فوجئت بمجموعة من ” الشراشيح ” يقمن بمهاجمتها هى و إبنتها شقيقة علاء عبد الفتاح و يقمن بضربهما و إحداث إصابات فيهما .
و بالرغم من أن المشهد كان على مقربة من حرس السجن و تحت سمعهم و بصرهم لم يحركوا ساكنا و لم يصدر عنهم حتى مجرد كلمة توقف المعتديات عن الاستمرار فى اعتدائهن .
السؤال لن يعيد نفسه : متى نرى رجال الشرطة عندنا فيهم المروءة و الرجولة ؟ بل سيكون : متى نرى رجال الشرطة عندنا فيهم الحد الأقصى من النذالة و أن تكون لنذالتهم حدود ؟
فى موقف كهذا الذى حدث للدكتورة ليلى سويف تكون كل أصابع الاتهام موجهة للشرطة و لأجهزتها أنهم هم من سلّطوا النساء المهاجمات على الدكتورة ليلى سويف و إبنتها , و هو انحطاط ربما لا يوجد فى أى مكان فى العالم بهذا القدر إلا عندنا , تقريبا عندنا أحط رجال شرطة فى العالم كله يتصرفون كالعصابات و ليس كموظفين عموميين تابعين لمؤسسة من مؤسسات الدولة و هم من خلالها يقومون بخدمة الشعب .
و من سنوات قام الروائى الدكتور علاء الأسوانى بتوثيق أشياء كهذه فى روايته شيكاجو , فقد وجه أصابع الاتهام فيها من خلال تخيله أن مظاهرة قد حدثت من مصريين فى واشنطن عاصمة أمريكا , فما كان من رجل الشرطة الملحق بالسفارة المصرية هناك إلا أن اقترح على رجال الشرطة الأمريكية أن يقوم بتسليط مجموعة من المصريين التابعين له ليتشاجروا مع المتظاهرين المصريين و يبظهر الأمر كما لو كان مشاجرة عادية غير مفتعلة !!
و بالمناسبة الدكتور علاء الأسوانى قد حصل على كل الجوائز العالمية الكبرى فى الرواية باستثناء جائزة نوبل , فإن حصل عليها يوما ما فستكون شرطتنا هنا فى مصر مثار ازدراء العالم كله !!
(3)
السجون هنا فى مصر تتبع وزارة الداخلية , و تقريبا لدينا هنا فى مصر أسوأ سجون فى العالم كله بما يتنافى مع مواثيق حقوق الإنسان التى وقعت عليها مصر , و أيضا بما يتنافى مع الحد الأدنى تماما من الإنسانية أو الضمير أو الدين .
فسبما أعلم فإن مصر تكاد تكون هى الدولة الوحيدة فى العالم التى لديها سجن تحت الأرض معترف به من سلطات الدولة ولا تقوم بإنكار وجوده , و سجوننا تقريبا هى الوحيدة فى العالم التى يقوم المسجونون فيها بقضاء حاجتهم فى ” جرادل ” داخل الزنازين ثم كل فترة يتم إفراغ تلك الجرادل و غسلها و إعادة استخدامها .
و السجون عندنا هى الوحيدة فى الكون التى تبلغ من التكدس حدا يعجز المسجونون فيه على القيام – مجرد القيام – بأريحية دون التواجد ضمن كتلة ملتحمة من اللحم البشرى .
و نكاد نكون نحن الدولة الوحيدة فى العالم التى يموت فيها العشرات من المسجونين تباعا بسبب الإهمال الطبى كما يقال , إهمال لواحد يعقبه آخر , لكن إهمال لعشرات و مئات ؟
(4)
هناك تفسيرات عديدة لهذا السلوك غير السوى من رجال الداخلية , لكن من أقسى التفسيرات ذلك القائل :” أجهزة الأمن هى عاهرة على فراش كل نظام ” !!
بمعنى أن أجهزة الأمن دائما ما تقوم بمحاولة تجاه كل نظام أن يسمح لها بالخطيئة فى مقابل أن ينتفع بأن يمارس معها الرذيلة !!
و الخطيئة هى خطيئة انتهاك القوانين و استعباد الناس , أما الرذيلة التى ينتفع بها النظام فهى حمايته و تكميم أفواه معارضيه بشتى الطرق و إشاعة مناخ الخوف بين الناس .
و بالفعل فإن سلوك رجال الشرطة يشى بذلك منذ عهد الاحتلال و حتى يومنا هذا , و لعل أقل الحكام المصريين استجابة لإغواء أجهزة الأمن كان هو السادات و لا ينكر ذلك حتى خصومه قبل مؤيديه .
و فى العقود الأخيرة اتسعت دائرة الاستجابة لمحاولات الإغواء فشملت أعدادا من رجال النيابة و القضاء !!
(5)
ما تكلمنا فيه هى مجرد عناوين موضوعات المفترض أن نُفرد لكل منها مقالا عندما تقل الانشغالات , لكن هنا لابد من طرح سؤال آخر : و هو كيف يتم تقويم السلوك ؟ أو كيف يتم تعميم سلوك الشرفاء منهم ؟
الإجابة ستأتى مختصرة لكنها فى الصميم :
إما أن يسلك رأس النظام سلوك الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين , و الذى عندما قام أحد العسكريين باغتصاب فتاة عراقية احتماء ببدلته العسكرية , قام صدام حسين بشنقه على ماسورة دبابة فى ميدان عام لكى يكون عبرة لكل من تسول له نفسه استخدام سلطاته فى غير ما خصصت له , و يقال أن ذلك أحد أسباب الشعبية الجارفة للرئيس العراقى الأسبق بين العراقيين الذين كانوا يحلفون بشرف صدام !!
و إما أن يتم رفض الإغواء صراحة و بقوة , و هو ما فعله السادات فى بداية حكمه , حيث رفض الاستماع لتسجيلات التليفونات و المكالمات الخاصة و أمر بإعدام تلك التسجيلات و عدم تكرار التسجيل , و رفض الاعتماد على مجرد تقارير أمن الدولة فى إدانة أحد , بل لابد من حضوره و إعطائه الفرصة كاملة للدفاع عن نفسه و الرد عما ورد فى تلك التقارير .
فهل نحلم يوما ما بأن ” تتوب ” وزارة الداخلية أو أن تنصلح أحوالها و أخلاق رجالها ؟

About وليد العجمى

وليد محمد محمد صالح الشهير بوليد العجمى صحفى مصرى حر . اتجاهاتى مستقلة و صديق للجميع . مواليد السادس من أكتوبر 1977 خريج كلية الزراعة عام 2003 و مهندس زراعى حر منذ ذلك الحين .
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.