ما هي جذور “الله”.. ومن أين جاءت تسميته ؟.

الملاحم والأساطير والخرافات أخذت الحيزالأعظم من الآداب القديمة. وهيمنة الأسطورة (الميثولوجيا) في تلك الحضارات والأزمنة القديمة جاء بسبب عدم نضج الحقيقة والمعارف في حياة الناس، وإنعدام العلوم يومذاك، مع تزايد تساؤلات البشر الملحاحة طلباً لتفسير الظواهرالكونية والحياتية الغامضة في تلك الأزمنة البعيدة، مما دعا الإنسان الى تفسيرات (ما فوق الطبيعية – ميتافيزيقيا).
وهكذا تمادى الفكر الغيبي في غياب الإجتهادات العلمية يومذاك مع تفشي الخرافة، وكل ذلك أدى إلى لجوء البشرلخلق (الله والمقدس) لتفسير كل ما هوغامض ومجهول في حياتهم ودنياهم !، والأدهى أنهم راحوا يَدَعونَ أن “الله” هو الذين خلق البشر والكون والحياة !!.
الله تطور ووصل لشكلهِ الحالي من أفكار بشرية موغلة في القدم وتصل لمرحة عصر الكهف يوم كان لكل قوم ٍ وقبيلة آلهتها وطواطمها الخاصة، لكن أهمها وبحسب ما يعتقده العلماء كان في الوصول لفكرة (الإله الواحد) للديانات التوحيدية قبل 2600 سنة مضت، أي بحوالي 600 سنة قبل الميلاد . ويعتقد علماء آخرون أن فكرة الإله الواحد تمت معرفتها في مصرمن خلال الفرعون (أخناتون)، وفي وادي الرافدين ومناطق أخرى من العالم أقدم بكثير من ظهور الديانات التوحيدية .
جذر تسمية الله
**********
الله هو نفسه الإله القديم ( إيل) أو (إل)، إله السوريين الكنعانيين الفينيقيين القدماء. وكانوا قد أوجدوه وعبدوه منذ حوالي 4 آلاف سنة قبل الميلاد.
كذلك كان الكنعانيون يعبدون آلهة كثيرة أخرى أهمها ثلاثة هُم : ١- (العليون) والذي يعني بالضبط (الله العلي). ٢- (عشيرة) وهي زوجة العليون . ٣- ( البعل) وهو إله الخصوبة والعواصف.
والعليون هو نفسه “إيل”، وهو إسم عام لفكرة الإلوهية، وقد عُرف هذا المصطلح في كل اللغات السامية عدى الأثيوبية .
جذر كلمة (إيل) في الكنعانية هو (ألاها)، وفي التوراة ذُكِرت بالجمع ( إيلوهيم). وكانت واحدة من أصنام العرب تُسمى (اللات) وهي من نفس الجذر. أما إسم الجلالة (الله) في العربية فهو مستعمل عند العرب قبل ظهور الإسلام بزمنٍ طويل. وفي اللغة العربية دُمِجت “آل” التعريف مع كلمة “إله” لتدل على (الله) الإله الواحد، وهو إسم علم مُفرد لا جمع له في اللغة العربية .
وكان الكنعانيون يرهبون تسمية ( إيل ) لدرجة أنهم كانوا يخافون أن يدعونه بإسمهِ أو حتى يُصَلونَ له، لِذا كانوا يوجهون صلاتهم له عن طريق الألهة الأخرى كزوجتهِ أو إبنه تقرباً له أو إلى عرشه بينما هو مُحتجب في سماءه السابعة حيث هو رئيس مجمع الألهة، بمعنى كبيرها.


وكانت عقيدة الإيمان بالإله “إيل” تنتشر شيئاً فشيئاً وخاصةً في الحضارة الآرامية العظيمة، ثم إنتشرت عبادته بين أقوام الهكسوس الذين حكموا مصر لفترة من الزمن.
كذلك هو نفس الإله الكنعاني الذي إقتبسه اليهود العبرانيين لاحقاً وأعطوه الإسم التوراتي: (إيلوهيم – يهوه) !. ومن اليهود إنتقل إلى المسيحية، وبعدها إلى الإسلام تحت تسمية (الله) وبكافة خصائصه الميثولوجية. أما لفظ الجلالة (اللهم) عند العرب فقد جاء من العبرانية (إيلوهيم) وتم نطقه بالعربية على شكل : (اللهم) .
أصل تسمية إيل :
كثيرة هي المحاولات التي بُذلت في سبيل تفسير ومعرفة جذر هذا الإسم، ولكن الرأي السائد يزعم أن فهم معنى هذا الإسم فهماً صحيحاً يُساعد في فهم أصول الديانة السامية منذ نشوئها. مع هذا فأكثر التفسيرات الواردة تقول أن إسم ( إيل) مُشتق من الجذر: (أول)، والذي يعني (الرئاسة، السيادة، السلطة)، ثم طرأت على الجذر الأجوف تغييرات وتحولات عبر الزمن أدت به إلى الشكل الذي هوعليه الآن .
يتربع (إيل) قمة مجمع الألهة الكنعانية في الأساطيراللوغاريتية، فهو الذي أنجب أجيال الآلهة من زوجته (عشيرة). ويرد ( إيل) في سفر التكوين (14. 18 . 19 . 22) على الشكل التالي: (إيل عليون قونة شمايم وأرص) وترجمتها: (إيل العالي خالق السماء والأرض). ومنها تم إقتباس المسيحية والإسلام لمقولة (الله .. خالق السماءِ والأرض) .
كذلك من صفات إيل الأخرى: (الملك أبو السنين) و (الملك الأب المتعالي) .
يهوه هو أحد أسماء الله المذكورة في (التوراة – العهد القديم)، وبالرغم من كتابة إسم (يهوه) في التوراة العبرية إلا أنه يُحَرَم على اليهود ذكرأو لفظ هذه الكلمة، لهذا يتم إستبدالها ب (أدوناي) أو (هاشم) بالعبرانية الحديثة. و(أدونوي هاشيم) بالأشكنازية، و(شيما) بالعبرية السامرية. ويُسمح لرئيس الكهنة بنطقها أثناء قرائته للتوراة في قدس الأقداس فقط .
وهنا نُلاحط أن رهبة اليهود من ذكر أسم (يهوه) مُقتبس من نفس رهبة وخوف الكنعانيين من ذكر إسم الإله (أيل) .
يهوه هواللفظ الذي يُفضله الكتاب المقدس، ويظهر 7.000 مرة تقريباً في الأسفارالعبرانية الأصلية. لكن غالبية الكتب المقدسة الأخرى لا تذكر هذا الإسم بل تستعمل بدله مفردة (الله) أو (الرب) .
عرف الإسرائيليون في الأزمنة القديمة إسم (يهوه) بحيث أستخدموه كجزء من أسمائهم الشخصية. وكما نجد اليوم إسم (عبد الله) كذلك كان عند الإسرائيليين إسم (عوبديا) والذي يعني (عبد يهوه). كذلك هناك عشرات الأسماء الأخرى المُقترنة بإسم “يهوه” وسأقوم بذكرها في مقالي القادم خلال أيام .
أقوال بعض الكتاب والمفكرين والبحاثة تفسيراً لمعنى كلمة “الله” :
يقول د. طه باقر في كِتابه ( من تراثنا اللغوي القديم ) :
[ إختلف المُفسرون واللغويون في معنى لفظ الجلالة “الله” وتأصيله، كما رأى بعض اللغويين من أهل الكوفة أنها مركبة من أداة التعريف “ال” ومن كلمة “إله” .
وقد ذهب بعض المفسرين مثل الرازي إلى أن كلمة الله أصلها سرياني أو عبراني. والصحيح برأيي في تأصيل هذه الكلمة أنها ليست فقط سريانية أو عبرانية، وإنما هي من الكلمات المشتركة في جميع ما يُسمى باللغات السامية، وأقدمها تدويناً هي الكتلة الشرقية في وادي الرافدين والتي وهي الأكدية (البابلية والآشورية بأدوارهما المختلفة)، وكان يُطلق على الرب في هذه اللغة لفظة “ايلو” (بالضم)، وتُجمع على “إيلي” ( في حالتي النصب والجر). و“ايلو” في حالة الرفع وبهيئة “ايلاني” على الإطلاق (منذ العهد البابلي الوسيط) في منتصف الألف الثاني ق. م . ولا يعلم بوجه التأكيد جذر هذه الكلمة في اللغات السامية، وقد قيلت آراء كثيرة ومختلفة في معنى هذا الجذر السامي العتيق منها : (( الأهل، الخيمة، العشيرة، القبيلة )) أو أنها من ( العلو والسمو ) ].
بينما يقول الكاتب العراقي سليم مُطر في مقطع من كتابه (الذات الجريحة):
[ إسم (إيليا) يعني المقدس والعالي في جميع اللغات السامية، ورديفه ُالعربي (علي وعلاء)، ومنه أشتق إسم (الله)، والله هو لفظ سرياني وليس عربي، لإن حرف اللام وبهذه الطريقة المفخمة لا يرد في أي كلمة عربية أخرى غير (الله) ].
أما المُفكر (سيد القمني) فيقول في كتابهِ (قصة الخلق):
[ وقد سبق أن علمنا أن ( إل) كان إسماً جلالياً منتشراً على نطاقٍ واسع بين جميع الشعوب السامية، ووصفته ملحمة البعل الأوغاريتية الفينيقية بأنه (إيل أبو السنين) و(خالق الخلائق) و(ثورايل) و(مقام إيل عند نبع النهرين)، وكلها إشارات تدل على مستوى تطوري رفيع وَصَلهُ إيل حيث تحول من إله فرد ضمن مجمع إلهي إلى أب رفيع الشأن وإله للزمان (أبو السنين)، وتدل على مستوى رفيع من التجريد لدى الشعوب السامية، مما أدى به إلى التحول إلى رمز جلالي يُطلق على أي معبود، ومن إله بذاته إلى إسم مجرد يعني الإله أو الله، مما إنتهى بالباحثين إلى إعتبار (إل) علماً إلهياً عُرف في كل العبادات السامية بلا إستثناء ].
أما فراس السواح فيقول في كِتابهِ (مغامرة العقل الأولى):
[ إيل هو إله السماء لدى السوريين، ورئيس مجمع الآلهة، ويعادل الإله “آنو” عند العراقيين القدماء. وقد عبدهُ العبرانيون في مطلع عهدهم، لِذا فقد ورد إسمه تبادلياً مع إسم إلههم “يهوه” في أكثر من موضع في كِتاب العهد القديم (التوراة)، وهو أصل إسم “إيلوهيم” والذي يستعملهُ العبرانيون أيضاً تبادلياً مع “يهوه”. و“إيل” هو الإسم الذي نطق به السيد المسيح قبل أن يُسلم الروح وهوعلى الصليب حين صرخ باللغة الآرامية: “إيلو إيلو .. لماذا شبقتني ؟.” ومعناها : “إلهي إلهي لماذا تركتني ؟.” ].
ويقول د. أحمد سوسة في كتابه (ملامح من التأريخ القديم ليهود العراق) :
كان (إيل) أكبر آلهة الكنعانيين، ولُقبَ (الإله العلي العظيم) وقد ورد إسمه 229 مرة في التوارة، وتذكر التوراة أن الإله (إيل) هو الإله الذي كان يعبده إبراهيم الخليل، وأكبر دليل على أن كلمة (إيل) هي عربية الأصل أن ملوك العرب في الجزيرة العربية قبل الإسلام كانوا يقرنون أسماؤهم بإسم الإله (إيل) تيمناً وتبركاً بهِ على غرار التسميات العربية الحديثة التي تُضيف إسم (الله) إلى إسم الشخص مثل إسم عبد الله وعبد الإله وعبد الخالق وعبد الجبار … الخ . ومما يُثبت أن إيل أو الله هي كلمة عربية الأصل أن أكثر ملوك (معين وسبأ) كانوا يُضيفون إسم الإله إيل إلى أسمائهم للتبرك بهِ ].
ويقول الأستاذ الجميلي في كِتابهِ (تأريخ العرب في الجاهلية) :
[ كلمة (إيل) تعني الرب أو الإله، وقد وردت في مُختلف اللهجات العربية القديمة ومنها (المعينية والسبئية والبابلية والآرامية والكنعانية والسريانية والعبرية، ومنها تطورت إلى كلمة الإله أو الله في العربية الفصحى ].
ويذكر ( قاموس الكتاب المقدس – الطبعة الثانية ص 142)
[ أن كلمة إيل سامية ومعناها في الأكدية (الإله بصورة عامة)، أما في اللغة الأوغاريتية فإنها تعني (أبو الآلهة ) .
أما في جاهلية العرب -كما يُسمونها- فقد كان (هُبَل) هو كبير آلهة العرب في قريش ومكة. وكان (عمر بن لحي) قد خرج في تجارة إلى أرض الشام ورأى العماليق هناك يعبدون الأصنام، فطلب منهم أن يعطوه صنماً منها يعود به إلى مكة، فأعطوهُ صنماً إسمه “هُبل” فجاء به إلى مكة وكان أول صنمٍ وضع بمكة، وكان هذا الصنم من أحفاد الإله “إيل” وهكذا عبدهُ العرب تقرباً إلى “إيل“.
السؤال الآن هو: ما الفرق بين إيل ويهوه والله غير الفرق في التسمية !؟. فهذه الديانات والعبادات والألهة كلها تطورت من فكرة عتيقة واحدة، وأخذت وإقتبست من بعضها البعض إلى أن وصلتنا بشكلها الحالي المزوق والمزخرف والمُرتش. ولو أمهلناها بضعة مئات أو آلاف من السنين الأخرى لوجدنا أنها ستتبدل وتتطور بحسب مفاهيم ومتطلبات وحاجة الإنسان في الأجيال القادمة !، لإن فكرة الله تطورت وستتطور من خلال تطورالإنسان نفسه، لإنه هو الذي أوجد الإله وصنعه وعبده، وهو الذي سيطوره دائماً إلى الشكل والصفة التي تُلائمه وبحسب الحاجة .
طلعت ميشو . Feb – 9 – 2021

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

1 Response to ما هي جذور “الله”.. ومن أين جاءت تسميته ؟.

  1. س . السندي says:

    من ألأخر …؟

    عزيزي مصيبة الكثيرين ليست في أن يعبدو ألله أو البعل أو إيل بل في الحمير الذين يقتلون الناس الابرياء وهم لا يدورن اصلا من يعبدون ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.