ما هي الحقائق التاريخية؟!

إن جميع المصادر التاريخية العربية التي وصلت إلينا عن فترة حياة النبي (ص) ونشوء الإسلام وفترة حياة الدولة الأموية كلها؛ جميع هذه المصادر مكتوبة في العصر العباسي، وقد كتبها فقهاء السلاطين العباسيين ومؤرّخوهم لغاياتٍ سياسية واضحة. وإنّ أقدم سيرة نبوية متوفرة لدينا (سيرة ابن هشام، وليس ابن اسحاق) يعود الزمن المفترض لكتابتها إلى أكثر من 200 سنة على وفاة الرسول. وأقدم كتاب عن تاريخ الملوك والرسل (الطبري) يعود الزمن المفترض لكتابته إلى أكثر 250 على وفاة الرسول، ولا نعرف ما هو المنهج وما هي الوثائق والرسائل والآثار والرُّقُم والبُرْديات التي اعتمد عليها الطبريّ، أو لعلّه اعتمد على “كلام الناس” الذي “لا بيقدّم ولا يأخّر”.
وقد استمرّت التعديلات على السير والتواريخ والأحاديث والنصوص حتى بلغت شكلها “شبه النهائي” في عهد المتوكّل الذي اعتنق المذهب الحنبلي مذهباً رسمياً للدولة.
ولا ننسى أن الدولة العباسية كانت فارسية، ومعظم مؤرّخيها وفقهائها وعلمائها المرتبطين بالسلطة كانوا من الفرس. وهذا ليس عيباً. لكن من هنا نفهم من أين جاءت التأثيرات الزرادشتية الداخلة في الإسلام، وكيف فُسّرتْ آياتٌ وأحاديثُ تفسيراتٍ خاطئة من قبل فُرْسٍ تعلّموا اللغة العربيّة على كَبَر.
كان طه حسين أذكى المبصرين حينما تفطّن إلى أن الشعر الجاهلي مكتوب في العصر العباسي وليس قبل الإسلام، وأن القرآن نصٌّ أقدم منه. وفي الحقيقة ليس الشعر الجاهلي وحده، بل كل شيء (ما عدا القرآن) مكتوب في العصر العباسي المتأخر، ومعدّل ألف مرة ومرة.


ولذلك، فعندما تكون هنالك مصادر تاريخية (عبرانية أو سريانية أو بيزنطية أو يونانية أو قبطية) يعود زمن كتابتها إلى القرن السابع، فهي أصدق وأكثر حجيّة من تواريخنا المكتوبة في القرن التاسع.
وعندما تكون هنالك مكتشفات آثارية (أحجار، رُقم، بُرديات، نقوش، عملات، أدوات معدنية…) فهي أصدق وأكثر حجيّة من كل التواريخ المذكورة آنفاً.
إن كتباً مثل تاريخ الطبري وتاريخ ابن كثير، وسيرة ابن هشام وتعديلاتها المتكررة، وما سمّي لاحقاً بـ صحيح البخاري وصحيح مسلم… هذه كتب تُقرأ على سبيل الاستئناس وحبّ الاطلاع، مثل كتاب الأغاني، لا بوصفها “حقائق تاريخية”. وكذلك من الممكن أن ندرسها وفقاً لمنهج النقد الثقافي لنعرف كيف كان البشر يفكّرون وينظّمون المجتمع ويفسّرون الكون في القرن التاسع، وكيف كانت السلطات تتجلّى عبر هذه النصوص.
وإذا كرّر العرب والفرس والمسلمون كلام الطبري وابن كثير وابن هشام وغيرهم على مدى 12 قرناً، فهذا لا يعني أنه أصبح “حقائق تاريخية”، بل يعني أنهم ينصبون خياماً على غيوم.
أين هي أقدم مخطوطة من تاريخ الطبري؟ وإلى أي سنة يرجع زمن كتابتها؟ وهل هي مخطوطة أمّ؟ وهل هنالك مصادقة من الطبريّ عليها؟
نفس الأسئلة نطرحها حول سيرة ابن هشام وتاريخ ابن كثير وصحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرها من كتب التاريخ.
أعني أن هذه الكتب وغيرها تحتاج إلى ألف تحقيقٍ وتحقيق، وإلى فرقٍ علمية تسافر من مكانٍ إلى آخر وتقارن بين المخطوطات القديمة، لتعرف ما طرأ عليها من تعديلات، وكم هي قريبة أو بعيدة عن الزمن المفترض لحياة كاتبها. وهذا صعبٌ حالياً وشبه مستحيل.
وأعني أن هذه الكتب يصعب جداً التأكد من صحّة نسبتها إلى أصحابها، فما بالك بالتأكد من صحّة ما ورد فيها؟!
ثم يقولون لك: “حقائق تاريخية”!
منقول

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

2 Responses to ما هي الحقائق التاريخية؟!

  1. س . السندي says:

    ١: إذا كان لكتابي التوراة والانجيل نسخ أصلية عديدة ، وقرابته 23 ألف مخطوطة من بييئتهما تدعم صحتها
    فعجبي عن كتاب منزل من سبع سماوات وكتب كُتِبَتْ تفسير محكمةٍ بعدها ولنقل بستة قرون بعدها ، لم يحفظ عشاق الدين الصحيح لها ولو نسخة واحدة أصلية أو أثراً يدعمها ، واستطاعوا أن يحفظو لنا حذاء نبيهم وسيفه وشعرة من لحيته ، ولا أدري على أي (دي إن إن) إعتمدو ؟

    ٢: صدق نبي عصره المتنبي عندما قال
    لا يغرينك طول اللحى والصور … فتسعة أشعار مما ترى بقر

    ٣: وأخيراً نقول …؟
    ليستعمرو ببناء خيامهم ويا ليتها فوق الغيوم بل … يبنونها فوق الجماجم وعفنوا حتى العقول والعلوم
    فمن يرتجي من هكذا أمة صحوة ساذج وموهوب .. فاقدس صحوتهم كصحوة ابن تيمة والوهابية وابن لأدن والبغدادي والخميني المشؤم ، سلام ؟

  2. س . السندي says:

    ١: عفواً المقصود في البيت الاول (ليستمرو) وليس ليستعمرو ، والمقصود في البيت الثاني (موهوم) وليس موهوب ، مع شكري وتقدير ، ماذا نفعل نكتب من نشاء وكاره العربية الآي بات ينزل ويطبع ما يشاء ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.