ما أشبه حاضر العراقيين بماضيهم البعيد !.


يقول الراحل د. علي الوردي في كِتابه الشهير (( دراسة في طبيعة المجتمع العراقي )). بتصرف :
[ كان العراق في العهد العثماني من أكثر الأقطار معناةً للأوبئة والأمراض، لإسباب كثيرة أهمها أنه يقع في طريق ( الحج ) بالنسبة لبعض الأقطار الإسلامية. علاوة على انه يحوي على مراقد دينية مُقدسة عديدة يقصدها الزوار من شتى الأقطار الإسلامية، وغالبيتهم كانوا ينقلون معهم جنائز موتاهم لدفنها في المقابر القريبة من تلك المراقد المقدسة، فإذا حدث وباء في أي قطر إسلامي سينتقل حتماً إلى العراق وبسرعة فائقة !. وكالعادة كانت الجارة إيران أكثر الدول نقلاً للوباء إلى العراق .

وكانت ( النزعة القدرية ) مسيطرة على غالبية سكان العراق حيث كانوا ينظرون إلى الوباء وكأنه نوع من ( القضاء والقدر ) الذي كتبه الله عليهم ويجب القبول به لإنه مشيئة الله !.
وقد ذكر السائح ( ولشتات ) أنه عندما وصلت أخبار تفشي مرض الطاعون إلى العراق وبغداد عام 1831 بذل القنصل البريطاني جهوداً جبارة لإقناع الوالي بإتخاذ التدابيرالإحتياطية ضد الوباء وضرورة إعلان ( الحجر الصحي ) ولكن رجال الدين المسلمين منعوا الوالي من ذلك إعتقاداً راسخاً منهم بأنه مُخالفٌ لإحكام القرآن !.

ويرى ( فريزر ) أن سوء وفساد الإدارة الحكومية كان عاملاً آخر من عوامل إنتقال الوباء إلى العراق، فهو يذكر مثلاً عن طاعون وردت أخباره بغداد عام 1834 بعد أن كان قد تفشى في ( كرمنشاه – إيران )، وأخذ المقيم البريطاني يُحذر الوالي من عواقبه الوخيمة، لكن الوالي لم يلتفت للتحذير ولم يمنع دخول الزوار الدينيين الإيرانيين إلى العراق لإنه كان يأخذ منهم الأتاوي والرشاوي !. ].

أما الكاتب د. علي ثويني فيقول في كِتابه الرائع ( الألسنة العراقية )، بتصرف :
[ في حادث فيضان وطاعون داود باشا الكُرجي عام 1830، هَلَكَ غالبية أهل بغداد من المسلمين، بينما إتَبَعَت الملل الأخرى طريقة ( الحمية ) أو ما يُسمى بعزل المُرضى ( الكرنتينة )، وهي تسمية متآتية من الإيطالية ( كارونت )، وتعني الأربعين يوماً من عزل المُرضى عن الأصحاء، وكان قد إتَبعَها وطَبَقَها اليهود والنصارى بسبب التَماس الحضاري للمِلَل البغدادية من غير المسلمين وإنفتاحها على الخارج، وعِلمها المُسبق بتلك الأمور والإحتياطات والوقايات، والتي حفظت لهم -بالنتيجة- حياتهم ووجودهم ونسلهم من الأمراض والأوبئة، وقللت من نِسبة ضحاياهم. وكادت بغداد -حينئذٍ- أن تكون أثراً بعد عين، مثلما حدث في مدائن سامراء وواسط والكوفة، وإنخفض عدد سُكانها حتى وطأ 11 الف ساكن، وأن الحياة لم تُبعث في بغداد كحاضرة حتى بواكير القرن العشرين، ولم يتكاثر أهلها حينئذٍ أكثر من 80 الف ساكن !!. ].

شاهدتُ فديو حول زيارة آلاف مؤلفة من الشيعة العراقيين لمرقد الإمام موسى الكاظم قبل أيام، ودار بين بعضهم نقاش حاد حول أضرار الزيارة بسبب فيروس كرونا، وكان كل المتحاورين -عدى واحد- في الشارع يؤيدون الزيارة ويستخفون بالوباء ويُرددون وعن ثقة جاهلة بأن الإمام الكاظم سيشفع لهم ويُشفيهم ويحرسهم من المرض والوباء القاتل !!!.

بعد أن شاهدتُ الفديو تيقنتُ تماماً بأن غالبية الشعب العراقي لم يتغير أبداً منذ أيام الطاعون سنة 1831 ولحد الآن، وكما يقول المثل (( جَنَت على نفسها براقش )) !. أو كما يقول المثل الشعبي (( أعمى ومجلب بشباج الكاظم ))!.

المجدُ للوعي والعلوم … والخزي للتخلف والجهل “المقدس” !.
طلعت ميشو …… Mar – 25 – 2020

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.