ماهيّة ألجّمال في آلفلسفة الكونيّة:

ألجّمال مجهول؛ لغياب ألوجدان؛ ألضّمير!
طرحنا موضوع (ألجّمال) في آلفلسفة آلكونيّة في مواضع عديدة.
كما سألنا في (همسة) ماضيّة ضمن نهج (الفلسفة الكونيّة العزيزيّة), هذا السؤآل: لماذا آلجّمال مجهول؟
وآلآن نُريد عرض ماهيّة آلجّمال وآثاره كأهمّ موضوع بعد عرضنا لـ (ختام الفلسفة) كمرحلة سابعة أخيرة.
لقد إستدليّنا بعروضنا الكونيّة؛ سوء تعاملنا مع المرأة كنموذج حيّ للجّمال في مجتمع يراها ويُركّز نظَرهُ عليها بعمق لكنّهُ في الحقيقة لا يراها, بل يرى شيئاً آخر تتعلق بشهوته وغريزته الحيوانيّة التي تقتل الجّمال وأسرارهُ, وفنون التصوير ألفنيّ وألوانهُ!
لذلك قلنا؛ لا يُمكن أنْ تظهر حقيقة وماهيّة جمال ألمخلوقات وآلكون وآلمرأة لتكون أمّاً مجاهدة و مُربّية ومدرسةً على الأقل في مجتمعٍ يراها بتلك آلنّظرة ألدّونيّة ألشهوانيّة ألّتي تُفسد آلجّمال وآلأخلاق وقيم آلجّميع, وأشرنا أيضا(1) إلى أنّ الطريق الوحيد لمعرفة حقيقتها؛ هو معرفة منبع وماهيّة ألجّمال طبقاً (للفلسفة الكونيّة العزيزيّة) ألتي ترفض أساليب ونهج ألشرق كما الغرب اللاحضارية التي قتلت الجّمال والقيم وروح الأنسان والوجدان لتكالب الجّميع بحسب محفّزات ألنّظام نحو المادّة.
فما هو أصل و كُنه الجّمــال؟
وكيف نعرفهُ ونكشف عنــه؟
وكيف نستفيد ونتعامل معه لكشف حقيقة الوجود وإسراره؟
قبل التفاصيل, قُلنا في (ختام ألفلسفة)(2)؛ التي تتشكّل من ثلاثة أضلاع كمُثلّث كونيّ؛ (ألخالق؛ ألخلق؛ ألكون), ألقائم بالأرتفاع كعمود للمحبّة بینھا لإبراز ماهيّة جمال آلحالة ألمُثلى بمقدار إرتفاع درجة ألمحبّة وقوة البصيرة وآلخيال, ولا ینفكّ عن بعض إلّا بفقد (ألمحبّة) التي عليھا يستند الأنسان في أعماقه لينمو ويثمر وينتج من أجل الحضارة والمدنية بعد تحقق الأمن وألسّلام وآلوصال مع أصل آلجّمال، لتنعكس إيجابيّاً على الفرد وآلعائلة وآلمجتمع بآلرفاه و بآلتالي تحقق وحده آلوجود بمحو الكراھیّة وآلنفاق وتوحّد ألقلوب لدرجة ألحالة المثلى(3).

كيف ألجّمال ألكونيّ طريق لمعرفة الله:
يحتاج معرفة كُنه الجّمال .. إستطلاع ما وراء آلأشياء وآلآفاق بالسّفر للمجهول, إلى الماورائيّات الكونيّة بقوّة الخيال والبصيرة!
عن طريق المرئيّيات؛ ألمسموعات؛ ألألحان؛ ألأصوات؛ ألرّوائح؛ ألأفلاك؛ أشكال المخلوقات؛ القوز وقزح؛ ألشروق؛ الغروب, فآلله تعالى لا نجدهُ إلّا في الجّمال وآلخير, أما آلقبح و الشّر فإنّهما يتجسّدان في الشيطان كعارضان لا يتعلقان بآلله لتضاربها مع الجّمال, و الله تعالى نفسه يقول: [إبحث عني في الجّمال, لأنك لا تجد ذاتي إلّا في آلجمال والمعنى, عبر الموجات المرئيّة ,بذبذبات خاصّة تصلنا و تناسب عيوننا وعبر المسموعات ألّتي نسمعها أيضا بإهتزازات تناسب حجم آذاننا و هكذا بقية المقايس التي أثبتها العلم],
ولكثر حلاوة الجّمال وطبعه الذي يُريح النفس و الوجدان والحواس وآلذّات؛ لا نشبع منه و لا نرتوي ولا نحصل على الرّضا آلتّام أبداً .. إنه عالم وسيع لا متناهي .. لكنه يتصل بآلأصل الذي سنُبيّه في الختام!
ألعالم المحدود ألذي يناسب وضعنا و يُجسّد قوّة وقدرة الجّمال على تلطيف الأرواح و شفّافيتها تتجلّى من خلال عدم مللنا من سماع أغنيّة جميلة بألحان عذبة و كلمات معبّرة راقية, والأغرب أنّ الكثير من الناس ما زالوا يطربون للأغاني القديمة رغم أنهم سمعوها مراراً آلاف المرات, بينما سرعان ما نملّ عند قرائتنا لكتاب علميّ مرّة واحدة أو مشاهدة فيلم مرّتين, الفرق في الحالتين هو: أنّ العلم و التكنولوجيا يتحكمْ بهما العقل بمدى الأستيعاب للمعادلات وقوانين ألرّياضيات وهو مملّ لعدم مشاركة الحواس لإشباعها بآلأنتقال للذات سوى العقل هو الوحيد الذي يتعامل معها!

أمّا الجّمال وآلحبّ؛ فيتحكم بهما القلب الذي يعشق (الفنّ) و(آلطبيعة) لأنّهما يبعثان على الراحة والحيوية والأطمئنان في القلب.
و هكذا اللوحات الفنية التي نُقشتْ قبل مئات السّنين, والشِّعر والأدب الهادف الذي يعتمد المجاز في التعبير, و الطبيعة نفسها, فكثيراً ما تكره غياب الشمس عند الغروب وأنت أمام منظر طبيعي إلهيّ جميل تلتقي فيه السماء بآلأرض وبآلحيوان و النبات و الطيور والفراشات فوق الزهور وأسراب النّمل من تحتها, حيث تشعر و كأنك تريد أن تضمّه بين يديك .. ولن ترتوي ولا تشبع من هذا الأحساس الجّمالي, بل تُحاول أن ترتمي في أحضان هذا العالم للأبد من دون العودة مجدّداً لهذه آلحياة المادية التي تضم البلاء والذنوب والعذاب وآلألم لجهل الناس بحقيقة و ماهية الجّمال و كنهه!

بل الجّمال الكونيّ دعا البشر من خلال إشارات سماويّة إلى أنّ يُبدعوا بتحويل جمال اللغة إلى أساليب المجاز, لأن المجاز اللغوي كآلمجاز الجمالي, الذي تريد أن تجوزه .. لتعبر منه إلى شيئ آخر, و المجاز أبلغ من التصريح (الواقع), كما أن ذكرى الشيئ أجمل من حقيقته, أو سماع صوت الطبول من بعد أجمل من مباشرته!
لكن هناك شيئ آخر يختبئ وراء المجاز نريد الوصول إليه .. ليطمئن القلب و الروح ..
فما هو الشيئ الآخر الذي نريد وصوله بآلمجاز؟
عند التّمتع ولو بلحظات بتلك الموجات الأيجابية التي نتحسسها من بعد!
تلك الموجات التي تجعل أبداننا تقشعرّ بها(بذلك) ..
تجعلنا نشعر بخشوع .. و سكر وتحليق في الفضاء ..
هذا ليس بسبب ذاتية الموضوع أو الحقائق الواقعة ..
إنّما الطريقة وآلأثر, هو الذي يجعلكَ تخضع لتلك المشاعر الداخليّة التي تتعامل مع وجدانك, لتجعله حيّاً نابضا بآلحياة و الأنسانية!
و هكذا هو فعل الجمال الصارخ الذي يشلّنا أحياناً ..
يذهلنا عن أنفسنا ..
و يدخلنا في حالة روحية و صفاء نفسي قلّما تشهده في الحياة ..
ألأعمال العارضة الصارخة ..
أو صوتاً جميلاً ..
أو موسيقا أصيلة ..
أو صوت الناي ..
أو المقامات الفنية العاليّة ..
تجرّنا بقوّة للأعماق ألسّحيقة بلا إرادة .. بل و تُسّيل دموعنا .. و تقشعر أبداننا .. و تكفّ عيوننا فجأةً من هول قوتها الغير المرئية و نفوذها لأعماقنا المهيأة لأستقبالها .. و هذا هو النفوذ الجمالي .. ألذي يُشير لما بعده .. و الذي يُميّيز بين الأنسان الحيّ صاحب الضمير وبين الأنسان آلميّت رغم تحرك جسده في الظاهر!
فهناك من لا يملك القدرة على سماع و تحسس و إستيعاب ذلك .. لأنّ وجدانهُ مغطى و مدفون في أعماق نفسه الملوثة؛ المقوضة في وحل الذنوب والأسى وخبث المادة وآلشهوة التي تحلّ كحاجزٍ بينهُ و بين تلك الأشارات الكونيّة .. فيُحرم منها للأبد ولا يتحسّسها .. إلّا صاحب القلب الطيب ألمُحبّ الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه .. فهو الوحيد الذي يبقى توّاقاً لأحتضان الجّمال الطبيعيّ ولا يرتوي أبداً .. ولذلك يبقى مُتعطشاً للوصول لمنبعه .. عن طريق ما فرضهُ الجّمال نفسه من قوانين عليه لتطبيقها!
ألله تعالى يقول: هذا هو سبيلٌ نظّمته و كوّنته لكَ أيّها الجّاهل الظالم .. بعد مليارات من السنين وآلتخطيط حتى الخلق .. حتى أنت الذي خلقتك بيدي, و حين قلت له كُنْ .. فكان كما أردت حيث إنطوى في قسم من وجودك الصغير هذا العالم الأكبر!
هذا كلّه لأجل أن تتعرّف عَلّيَّ .. للتّقرب منيّ .. لقد آثرتك بآلمجاز لكونه أبلغ من التصريح في آيات عديدة, فكن مُهيئاً للتعاطي مع المجهول .. والأقتراب منه .. و ما عليك إلا البدء بآلسّفر .. سفر العاشقين نحو مدينة الخلود, لكنه ليس سهلاً .. قطع المحطات السبعة(4), فما هذه الماديّات التي تحيطك سوى دمى للصغار .. أمّا أنت أيّها العاشق فقد كبرت .. و لا ينبغي أن تبقى مع الصغار ..
عليكَ بآلتوجه إلى الماوراء .. إلى الأفق البعيد لتسطلع بآلرّوح .. ما لا يُمكن رؤيته بآلحواس و العقل ..
و بهذا الطريق ستشعر بآلخشوع الذي يصطحبه الأحساس بآلفقر و الفناء ..
إنّ الذي يقوم بهذه المُهمّة هو (آلفنّ) .. لا (آلعلم)!
لأنّ (العلم) يتعاطى مع الطبيعة بلغة الرياضيات لكشف ألماديّات, رغم إعتراف العلماء كألبرت آينشتاين بوجوب إستخدام (الكّوانتوم) مع العلم لمعرفة الحقيقة أكثر, لكن العلم الحديث لم يتوصل بعد لذلك!
أما (الفـنّ) فيتعاطى مع الماوراء .. مع ألرّوحيّات, ألتي هي من أمر الله الذي لا يُشعر به وبعظمته إلا الخاصّة بعد ما تزكّوا!
و حقّا ما قاله المسرحيّ ألأيرلندي الكبير برناندشو: [حين تستعمل المرآة ترى وجهكَ, و حين تستخدم الفن ترى روحك].
ويبقى الجّمال وحدهُ طريقاً للمعرفة و لأسرار الوجود.
ألفيلسوف الكوني
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لمعرفة تفاصيل أكثر, راجع فصل الجمال, في كتابنا: [أسفارٌ في أسرار الوجود], ومقالاتنا بهذا الشأن.
https://tasrebat.news/archives/123192(2)
status Optim(3)
(4) ألطّلب-ألعشق- المعرفة-التوحيد-الحيرة-ألأستغناء-ألفقر وآلفناء.

About عزيز الخزرجي

ألسيرة الشخصيّة _ للفيلسوف الكوني عزيز حميد الخزرجي * ولد الفيلسوف عام 1955م في الأول من شهر تموز وسط العراق – محافظة واسط ثم إنتقل إلى بغداد لأكمال دراسته الأكاديمية و الحوزوية في نفس الوقت, حيث درس في عدة جامعات و حصل على عدّة شهادات عالية في مجموعة من الأختصاصات إلا أن تأريخه الحقيقي هو - إمتدادٌ لتأريخ آلحركة آلفكرية آلأنسانية - الكونية لأجل المحبة و آلعدالة و آلحرية و آلمساواة كوريث للتراث الفكري الأنساني - الكوني, لذلك تحَمّلتُ قيادة آلصراع ضد آلظلم و آلأفكار آلوضعية كأمين عام لحركة آلثورة الأسلامية بدأ حياته الفكرية - التغييرية في بداية آلسبعينات, بجانب تعاونه مع باقي الحركات الفكرية و السياسية و الأسلاميّة التي شاركتنا المحنة في نفس تلك الأهداف المقدسة ضد النظام البعثي الصدامي )المجرم و كل أنظمة الفساد في العالم بقيادة (المنظمة الأقتصادية العالمية, و مرّتْ آلسّنون علينا كالجّمر و لا زلنا نكابد الضيم و الظلم و الجشع بسبب فساد المفسدين في الأرض. * ولأّنّ والده(رحمه آلله) كان له نشاطاً سياسياً في بداية حياته ضد الأنظمة الظالمة و منها آلنظام البعثي الهمجي ألهجين, لذلك واجهت العائلة و الأصدقاء و الأقرباء الكثير من المحن و المواجهات مع الظالمين و تَطَبّعوا منذُ آلبداية على آلرفض المطلق لتلك آلأنظمة الجاهلية ألتي خنقت آلأنفاس و آلحرّيات و هدرت حقوق الناس و قتلت آلمفكرين و آلعلماء و آلمثقفين ليحلّ آلموت بَدَلَ آلحياة في كلّ حدبٍ و صوب في آلبلاد وآلعباد وآلعراء ليترك شعباً معوقاً جسدياً و نفسياً و روحياً و ستمدد المحن لأجيال أخرى .. و بذلك بيّضَت تلك الأنظمة و على رأسها نظام صدّام الجاهل بظلمه و جرائمهِ وجْهَ كل طغاة التأريخ بما فيهم آلحجاج بن يوسف ألثقفي و هتلر و موسيليني. * و لإنّ الفيلسوف الكوني الوحيد في هذا الوجود أمن بأنّ آلفكر هو وحده الذي يُمثّل حقيقة وجود آلأنسان؛ لذلك لم يترك كتاباً فكريّاً أو فلسفياً أو تأريخياً أو إجتماعياً..إلّا و طالعهُ بدقة و تأنٍ, كي لا يفوته شيئ من تأريخ الكون و الأنسان, لكونه إنسان إرتقى سلم الآدمية بعد ما كان مجرد أحد البشر .. فدرس إيبستيمولوجيا المعرفة من وصية أبينا آدم(ع) ألتي أتى بها إلى آلأرض ثم تنقل من يد لآخر, مروراً بنزول "إقرأ" في آلقرآن آلكريم كآخر كتاب سماوي في الأرض و إلى آخر نتاجٍ فكريّ مُعاصر .. سريعاً أو متأملاً؛ مُسْتطلعاً أو باحثاً - لكنّه و يا للحيرة كلّما كان يغوص في أعماق معارف آلآفاق و آلأنفس أكثر؛ كلّما كنتُ أحسّ بآلمزيد من آلجّهل و آلحيرة أمام عظمة آلحقائق و آلعلوم و الجمال و آلأسرار آللامتناهية في هذا الوجود كانت تؤرّقه و تشلّ إرادته حد التسليم مسبباً له الدوار في رأسه, و كاد أن يستسلم أمامها .. مِراراً .. لولا آلألطاف آلألهية ببركة أهل آلبيت(ع) المظلومين و عشقه الكبير لله تعالى آلذي أعانه في كلّ نجاح حقّقته حتى صار أميناً على رسالة الكون العظيمة التي تركها الناس الذين فقدوا الضمير و الوجدان و آلرحمة .. و وُفّق إلى حد كبير في آلرّبط و ليس – آلدّمج - بين آلأفكار و آلعقائد و آلعلوم الطبيعية و الأنسانية من خلال نتاجات عديدة كسلسلة ؛[أسفارٌ في أسرار آلوجود] و [ألسياسة و آلأخلاق ؛ من يحكم من؟] و [مستقبلنا بين الدين و الديمقراطية] و [محنة الفكر الأنساني] و [ألأزمنة البشرية المحروق] و [فلسفة الفلسفة الكونية] و غيرها, بجانب "آلمقالات" التي ملأت الآفاق - لأنّ الدّمج و آلخلط بين آلأفكار يُسبّب آلفوضى و آلتناقض و آلجنون في فكر آلأنسان المثقف الأكاديمي و الباحث و كل من يسلك طريق الثقافة و الادب, و بالتالي ألتّشتُتَ و آلضياع, و تلك لعمري هو حال معظم - إن لم أقل كل - ألمُتثقفين ألمعاصرين! لذلك كان الفيلسوف الكوني و ما زال يستقبل و يستمع لكلّ آلآراء كي يعرف مواقع الخطأ و آلشبهة للوصول إلى خفايا الحقيقة مهما كان الثمن لبيان آلحقّ للناس كما يستحق. * و يعتقد الفيلسوف الكوني بأن آلأنسان لا يمثل إلّا آلفكر بجانب المحبة, لأن [الدين و العلم تؤأمان؛ إن إفترقا إحترقا], و قوله أيضا: [الأشجار تتكأ على الأرض لتنمو و تثمر لكن الأنسان يتكأ على المحبة لينمو و يثمر]؟ و لا يتكامل الفكر إلا مع القلب الرؤوف في اجواء الأمن و الهدوء .. و آلأهم ما في آلفكر هو مرجعية ذلك آلفكر و قواعده, و إذا ما أردنا لذلك آلفكر أن ينتشر من قبل آلنخبة فلا بُدّ من تحديد آلمنهج ألأمثل و آلعمل آلفكري جنباً إلى جنب مع آلتواضع و آلأخلاق والسلوك السوي؟ لأنّ آلمجتمع ألذي لا يصنع أفكارهُ آلرئيسية بنفسه لنيل آلكمال؛ لا يُمكنه حتّى من صنع آلحاجات آلضرورية لأستهلاكه و معيشته,وهكذا المنتجات الضرورية لتصنعيه! كما لا يُمكن لمجتمعٍ في عصر آلنهضة و(المعلومات)أن يُحقّق آلبناء و آلإعمار والرّقي بآلأفكار آلمستوردةِ ألجاهزة التي قد يستطيع النطق بها وكتابتها؛ لكن من المستحيل وعيها و درك أبعادها, لأنها مُسلّطة عليه و تكمن فيها الأسرار من الداخل و آلخارج و لذلك بقيت حال الدول العربية و الأسلامية كما هي تُراوح في مكانها: إلأمة التي تريد أن تتطور تحتاج إلى آلأصالة آلفكرية و آلتوحيد آلعملي ألضّامن للنهضة و الأستقلال آلأقتصادي و آلسّياسي, و آلمفكر و فوقه الفيلسوف يتحمل مسؤولية ذلك لتحقيق آلعدل و آلخير, و كذا آلوقوف بوجه آلظلم قبل آلغير .. وفي أيّ بقعة ومكان من آلأرض. * و يعتقد باننا لو قدرنا على ربط آلأفكار و آلمفاهيم و آلقيم و آلعلوم و برمجتها منطقياً للتطبيق بدون آلدّمج؛ لتمكّنا من آلعيش أحراراً و لحقّقنا آلكثير لدُنيانا و آخرتنا, من غير أنْ يفرض آلآخرون آرائهم علينا أي إستعمارنا! فالمعرفة بجانب الأيمان هي القدرة و آلأستكمان لنشر آلعدالة وتقليل زوايا آلظلم و آلفساد و الفقر و آلأستغلال على آلأقلّ, و هذا هو فنّ آلسياسة اللأنسانية الكونية آلمشروعة في آلفكر آلأسلامي و نقطة آلأنطلاق آلصحيحة للبدء بآلأسفار الكونية للوصول إلى مدينة العشق! و لأجل تلك آلمقدمات, وآلجهل بسِرّ آلأسرار في آلكون و آلخلق بدأ الفيلسوف الكوني الخزرجي .. بالبحث عن فضاآت أرحب للمعرفة و لأطلاق عنان الفكر, لذلك لا بد من التوكل على الله و البدء بآلأسفار شرقاً و غرباً, خصوصا بعد ما عجزت حوزةآلنجف بكل ثقلها العلمي و تأريخها من إرواء ضمئه آلروحي و آلفكري .. حيث لم يجد ضالته فيها خصوصاً بعد إستشهاد أستاذه آلروحي ألعارف ألفيلسوف محمد باقر آلصدر(قدس), فقد بدأ يشعر من بعده بالموت آلبطيئ مع إستمرار البعث آلهجين بفسادهِ في آلحكم لتقرير مصير الشعب العراي الذي عاش و مازال يعيش في أعماق الجهل, فمضي باحثاً عن جواب شافي لقلبه و روحه ألمتلهفة لمعرفة الحقيقة و ما كان يدور حول العالم وفي هذا آلكون من آلألغاز و آلأسرار و آلرموز آلتي أحاطتْ بفكره وسط أمواجٍ و إعتراضات و أسئلةٍ عصيّةٍ على آلمقاومةأباحت حتى دمه! * كانتْ مدينتا (قمّ و طهران) بعد أوربا .. ألمحطة ألسابعة وآلثامنة بعد هجرته الأولى من آلعراق عام1979م, حيث لمس فيهما آلحقيقة كلها تقريباً لوجود أساطين العلم و الفلسفة أمثال المطهري والآملي! فعكف على مطالعة أفكار آلعلماء وآلعرفاء و إلتقاهم شخصيّاً و تباحث معهم لسنين منهم فيلسوف العصر جواد الآملي الذي طمأنني بأني مُؤهل لزعامة الفكر الأنسانيّ - الكوني وإن كان قد خسر عمراً مع أحكام المنطق و الاصول و التقليد الشخصية البالية التي لم تغن و لم تسمن من جوع والتي تعلّمها في النجف, و مؤكّداً بأن الحكمة العملية قد ينالها صاحب القلب السليم فجأة بإذن الله, و كما كان حال السهروردي و السلطان شاه آبادي و الملا صرا و (إبن سينا) الذي قال :[ لقد كان (أبو سعيد أبو الخير) سبباً في تقدّم إيماني 50 عاماً للأمام] كان هذا بعد لقائه و مرافقته للعارف أبو سعيد في نيشابور التي تسمى بخراسان ومدينة(مشهد اليوم)في قصة وحادثة معروفة عرضناها في مباحثنا, لكنّه - اي الفيلسوف الكوني - ترك تلك آلبلاد ألآمنة ألعامرة بآلعرفان و آلعشق و آلأسلام آلأصيل عام1995م بإذن شرعيّ, إلى أقصى آلدّنيا شمال أمريكا(كندا) لتكتمل غربته في هذا آلوجود(الروحية والمادية), حيث إنقطع عن آلأصل والفرع تباعاً, و إنْ إرتاح وإنتعش آلجسم - ببعده المادي قليلاً لكنه بآلمقابل عانى ألم الفراق والبعد عن معشوقي الأزلي وسط غربة مضاعفة أضيفت لغربته الأولى حين أنقطع عن الأصل يوم ولد في هذه الدنيا بكل معنى الكلمة, و رغم كل المعوقات والغربة فقد إنطلق آلفكر و في جولة أخرى وسط مجتمع يختلف كثيراً عن شرقنا, و ما إستقرّت روحه و ما إرتاحت حتى هذه اللحظة.. بل عانى آلكثير حين أدرك محنة حقيقة الأنسان في بلد "آلديمقراطية" بكلّ أبعادها, و أحسّتْ بتفاهة – بل خطورة - ألبعد آلمادي عندما يتجَرّد آلأنسان من بُعدهِ آلرّوحي و آلفكريّ في معركة الحياة مهما كانت تلك البلاد متطورة مادياً و تكنولوجيا, لأنّ آلمادّة لا تُمثّل حقيقتنا الأساسية, بل آلأصل هو قلب آلأنسان و ضميره آلباطن و وجدانهُ - بآلطبع يقصد الحكومات و الأنظمة و ليست الشعوب المغلوبة فيها بسببهم! و رغم هذه آلمأساة .. لكنه لم يستكين و لم يستسلم في آلبحث عن ضآلته! لهذا بقي غريباً بحقّ .. عن آلدّيار و آلآثار و آلأصول و الجذور .. فطباعه الشرقية بقيت هي الأصل الذي يحرّكه! *في تلك البلاد طالع بشغفٍ أسباب محنة آلأنسان و وجهته المعاصرة وسط زبرجة الحياة و صوت التحرر, و قارنها مع قصة آلفلسفة و آلوجود, و أصل آلأفكار و دواعيها, و آلصراع آلأزلي بين الخير و آلشر, و علّة تفنّنْ آلأنسان في آلأستغلال و آلتسلط, و نشأة آلكون و أصل آلوجود, و نظرية ألـ (ألبَك بَنك), و حقيقة المادة ونشأتها و مكونات الذرة و آلزمن .. و سبب "قَسَم" آلله تعالى بـ " آلعصر"؟ و هل يتقدم أم يتأخر مع آلحركــــة؟ يزيدُ أم ينقص مع إســتمرار آلحياة؟ ثم أسرار و مقياس آلجمال في آلوجود! و علاقة آلقلب مع آلعقل, و آلجسم مع آلروح, و رابطة تلك القوى آلمجهولة مع آلنفس! و آلكلّ مع منبع آلفيض آلألهي. و آلحكمة من كل تلك آلألغاز في آلوجود! وهل آلأنسان و كلّ تلك آلألغاز خُلقتْ لغاية عظمى؟ و هل حقاً لنا وجود في آلوجود؟ أم إننا قائمون بوجود أصل حقيقي نجهله؟ و هل نُفنى و يفنى كلّ هذا الوجود .. بعد "آلصّورَتَينْ" ليبقى فقط وجه ربك ذو آلجلال و آلأكرام؟ وإذا كان كذلك؛ فلماذا إذن كل تلك المحن و المكابدة و آلأسفار في آلآفاق و آلأنفس و آلملكوت؟ ماذا وراء تلك آلحِكَمِ ألمكنونة؟ و أين يكمن سرّ آلأسرار؟ و تأسف بل كثيرا ما بكى ولا زال لمحنة أخيه الأنسان و لمحنته و لمحنة"جبران خليل جبران" و"إيلياأبو ماضي" و "أبو سعيد أبو الخير".. لأنه عندما إلتقى بآلعارف أبو الخير .. كان من وراء حجاب في عالم آلبرزخ الذي يتوسط بين الدنيا و الآخرة .. لذلك لم يجديه جواب الفيلسوف على حِمَمِ أسئلتهِ آلكبيرة آلتي تركها بعد ما نثرها على آلعالمين قبل قرنٍ تقريباً.. معلناً "لستُ أدري" .. ومن أين أتيْت؟ و كيف أتيتْ؟ و إلى أين أتيتْ؟ و لِمَ أتيتْ؟ و مع من أتيتْ؟ و إلى أين أرجع؟ أمّا فيلسوفنا القدير فقد علم .. لكنه تأسف من تلك المعلومة و تمنى بان لم يكنْ قد علم!؟ لأنه علم أنه لا يعلم شيئاً من سرّ آلوجود و آلزمن و آلجمال و أصلّ آلشر في آلأنسان .. سوى حقيقة واحدة .. هي حبّه للأنسان رغم كل الذي لاقاه منه, فقد جبلت نفسه عليه مُذ كان صغيراً! ليعيش بين حقائق و تناقضات كثيرة! لأنّ ألصدق في آلحب مع آلناس يعني تدمير النفس, كماآلصدق مع آلذات يعني قتل الذات. و هل هناك أصعب من أن يعيش آلأنسان مُحمّلاً بأثقالٍ عجز عن حملها آلسمواتُ و آلأرض و أشفقن منها!؟ لذلك طالما كان يقول؛ شيّبتني تلك الأمانة آلتي إحتوتني بإختيار و بلا إختيار! فأكتملت محنتي و زاد تواضعي حين أدركتُ آلحقيقة آلكبرى و تلك آلأمانة آلثقيلة .. خصوصاً عندما طالع وصيّة العارف الكبير "إبو سعيد أبو الخير" للعارف آلفيلسوف " أبن سينا" حيث قال له عقب حادثة محيّرة: [عليك يا أبن سينا أن تخرج من آلأسلام آلمجازي و تدخل في آلكفر آلحقيقي], فأعقب آلفيلسوف آلهمام أبن سينا على تلك آلوصية بالقول: [ لقد سبّبتْ لي تلك الجملة تقدميّ في مدارج آلأيمان خمسين عاماً"! * بعد هذا السفر العظيم, بقي الفيلسوف الكوني مهموماً .. كئيباً .. مثقلاً .. أذاب آلصبر على آلمعشوق جسده النحيل وأثقل روحه حتى عاد لا يتحمّله, و ما يُدرينا .. لعله سيبقى لولا رحمتهِ حائراً وحيداً مكتئباً مكسور القلب مغترباً بقية العمر كقدر كونيّ حتى يلقى محبوبه الأولي في يومٍ موعود لا شكّ فيهِ!؟ * و رغم كونه فيلسوفاً كونيا وحيداً بعد ما كان مجرد مهندسا و مدرسا ثم مديراً و متخصصا و أستاذا جامعياً, و حائزاً على دبلوم إختصاص في تكنولوجيا آلتربية, و ماجستير في علم النفس, و متخصص في الفلسفة بالأضافة لدورات علمية عديدة – إلّا أنّ كل ذلك آلخزين آلعلمي و آلمعرفي و آلتجارب آلعملية لا تعادل دُروس آلعرفان و العشق و آلأخلاق ألتي تعلّمها و أخذها مباشرةً من أستاذه ألأنسان بل الآدميّ ألشهيد ألفيلسوف محمد باقر آلصدر(قدس)أثناء زياراته له في آلنجف آلأشرف خلال السبعينات نهاية كل شهر و مناسبة! و لم يترك في وجوده كل تلك الأختصاصات بجانب عشرات آلآلاف من آلأساتذه أثراً يذكر – لكون كل كتاب قرأهُ كان أستاذاً له – لكنها لم ترتقى للقدر الذي تركه ذلك آلأنسان الآدميّ ألشهيد ألكامل من حقائق علّمته كيف السبيل لمعرفة الحقيقة وسط الهرج وآلمرج والنقاق و الكذب الذي يعيشه العالم .. كل العالم! * ترك التنظيمات ألحزبية - آلحركيّةرغم تأسيسه لحركة آلثورة آلأسلامية 1975م, حين رأي بأن آلأطار آلحزبي يُقيّد حركته و حركة آلآخرين و تكاد آلصنمية تطغى على حياة الحزبي - آلحركيّ, رغم أهدافهم آلعالية بآلدعوة للأسلام لإنقاذ الأنسان من شر (المنظمة الأقتصادية العالمية) و تأسيس آلحكومة آلأسلامية العلوية بدلها, هذا على الرغم من مباركة كلّ آلمرجعيات آلدّينية للعمل الأسلامي, لأن الكوني لا يمكن أن يحصر نفسه ضمن تنظيم لمنفعة الرؤوساء و كما هو حال كل التنظيمات العاملة إسلامية و غير إسلامية, بلا جدوى ونتيجة, خصوصاً بعد ما لاحظ عملياًإنقطاع حبل الولاية في مسعاهم و بُعد المتحزب عن محبة الله و الأنسان و التكور حول ذاته ونفسه الأمارة بآلسوء, بسبب دورانهم في حلقات و مدارات آلتنظيم و العمل آلحزبيّ آلمحدود الذي يحجم فكر و روح الأنسان, حيث لم تعد تُناسب حجم و قوة آلأفكار وآلأهداف وآلموضوعات التي كان بصددها خصوصا بعد إنتصار ثورة آلحقّ في آلشرق! * كتب الفيلسوف الكوني مئات آلبحوث و آلاف آلمقالات آلمختلفة و البيانات العامة في آلسياسة و آلفكر و آلأعلام و آلمنهج و آلفلسفة و آلعلوم و آلمناهج, و شارك في ألتمهيد لتأسيس آلمجلس آلأعلى آلعراقي عام1981م, و تأسيس أوّل صحيفة لها بإسم(آلشهادة), وقبلها تأسيس صحيفة آلجهاد بعد ما كانت مجلة شهرية بإسم الجهاد ثم (بيام دعوت) بآلفارسية, و أسّس ألمراكز و آلمواقع و آلمنتديات آلأعلامية و آلفكرية و آلمنابر الثقافية العديدة تباعاً, كان ولا زال تربطه علاقات و صداقة مع الفيلسوف سروش الذي يُعد من أبرز الفلاسفة العشر المعاصرين في العالم, حيث عمل معه لأصدار مجلة سروش ولأعوام و عمل مع كبار المثقفين و السياسيين العراقيين منهم عزّ الدين سليم و أبو محمد العامري حيث كان مستشاراً و منظمماً و مخرجاً لصحيفة(الشهادة)المعروفة و قبلها (الجهاد) و قبل ذلك مجلة (الجهاد) و (رسالة الدعوة) و النشرة الخاصة المحدودة التداول (العيون) والتي كانت توزع على خمسة أشخاص فقط هم: السيد محمد باقر الحكيم و آلشيخ سالك ممثل الأمام الراحل و رئيس قسم المعلومات في المجلس,و كذلك موقع (المنهج الأمثل)وغيره و قصته تطول و تطول نكتفي بهذا ولا حول ولا قوة إلا بالله آلعلي آلعظيم ألسيد الموسوي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.