ماذا يعني الإتفاق الروسي التركي حول إدلب بالنسبة للشعب السوري

طلال عبدالله الخوري 18\9\2018 © مفكر حر

لكي نفهم الاتفاق الروسي التركي حول إدلب, بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان والذي يضمن عدم إجتياح إدلب مع نزع السلاح من خط التماس بين قوات المعارضة من جهة ونظام الأسد وحلفائه في محافظة إدلب من جهة اخرى، يجب أن نفهم أولاً ما هي مصالح كل من بوتين وأردوغان في سياق الوضع العام في سوريا.
بالنسبة لبوتين: ما يريده من سوريا هو إثبات للعالم أولا وللشعب الروسي ثانيا, بأنه لاعب دولي يحقق النجاحات على الساحة الدولية وانه تمكن من اعادة الاستقرار لسوريا بفضل قواته المسلحة, وبناءا عليه يجب أخذ مصالحه الأمنية والسياسية والإقتصادية بعين الإعتبار على الساحة العالمية, وهذه الرسالة يريد توجيهها بشكل خاص إلى الولايات المتحدة الأميركية, التي وضعته في موقف حرج جداً في سوريا, وجعلت خياراته قليلة ومن أسوأ ما يكون, إذا لم نقل بأنها معدومة كما سنرى لاحقاً!!.. فإذا قرر بوتين على سبيل المثال دخول الحرب ضد أي من أمريكا أو تركيا أو إيران اللذين يشاركونه المصالح والوجود العسكري في سوريا, لكي يتفرد بمصالحه على كامل سوريا ويلعب بكامل اوراقها, فسيتم استنزافه بحروب طويلة تقضي على موارده الاقتصادية والحربية والبشرية وتجعله عرضة لغضب الشعب الروسي في الداخل وسيتم إسقاط نظامه في روسيا. .. وإذا قرر أن لا يفعل أي شئ, ويقبل بأن يشاركه في الأوراق السورية كل من أمريكا وتركيا وإيران!!! فهذا يعني انه لا يستطيع أن يدعي لنفسه أي إنجاز مهم على الساحة الدولية, أو لدى الشعب الروسي داخلياً, وخاصة بأن استمرار تواجده في سوريا وحتى سلميا ودون حروب, ايضاً يستنزف إقتصاد الدولة الروسية بشكل كبير, هذا عدا الحصار الاقتصادي المفروض عليه من قبل اميركا والغرب, ولن يتم رفعها عنه إلا اذا خرج من سوريا ومن القرم الأوكراني خالي الوفاض كما شرحنا في مقالاتنا السابقة.


بالنسبة لأردوغان فحاله ليس بأفضل من بوتين! فأيضاً إقتصاده ينهار ويتم استنزافه في شمال سوريا والعراق ضد الأكراد أو في دعم حلفائه من المعارضة السورية في إدلب , وآخر ما يريده أردوغان هو خوض حرب ضد النظام السوري وحلفائه الإيرانيين والروس ومليشياتهم الإرهابية التي ستستنزفه أكثر وأكثر… وحتما ستؤدي إلى إسقاطه ربما عن طريق انتخابات مبكرة في تركيا!!
إذاً: إجتياح إدلب ليس في مصلحة أي من أردوغان أو بوتين, ومن جهة اخرى هو في مصلحة أمريكا التي ستستفيد من استنزاف التركي والروسي في حرب طويلة الأمد, ولهذا السبب منعت اميركا استخدام الاسلحة الكيماوية أو التسبب بتهجير الناس المدنيين من مناطقهم الآمنة.. أي أنها لم تبق لبوتين إلا خيار الحرب التقليدية, عندما يكون الجندي مقابل الجندي والبندقية مقابل البندقية التي ستستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية والبشرية… لذلك نحن نقول أن الشروط الأميركية التي وضعتها على بوتين هي بالواقع التي منعت بوتين من المغامرة في اجتياح إدلب, وتكرار السيناريو الذي نفذه في الغوطة وحماة حيث استخدم هناك الأسلحة الكيماوية من أجل تقليل الخسائر البشرية في صفوف حلفائه السوريين والإيرانيين اللذان هما اصلا منهكان وبحاجة لدعم الجندي الروسي. .. لذلك نحن نقول لا فضل لبوتين أو أردوغان في منع اجتياح إدلب, وانما الفضل وكل الفضل يعود لأميركا التي وضعت الشروط الصعبة ووجهت بوارجها وبوارج حلفائها في الحلف الأطلسي إلى شرق المتوسط على الشواطئ الغربية لسوريا وعلى بعد مرمى حجر من القواعد الروسية البحرية والجوية والبرية.

ولكن السؤال هنا لماذا رحب النظام السوري الإجرامي بالاتفاق؟ وادعى أنه تم حصيلة مشاورات مكثفة بينه وبين روسيا وبتنسيق كامل بين البلدين؟؟
نحن نقرأ في تصرف النظام السوري هذا هو محاولة إعلامية منه لإعطاء حليفه بوتين الفضل بأنه هو اللاعب الرئيسي في الساحة السورية وبالتالي اعطائه صفة لاعب سياسي دولي يجب أن تحترم مصالحه الأمنية والسياسية والاقتصادية .. ونحن نستقرأ من هذا الإعلان بأن مغامرة بوتين في سوريا ستقتصر على هذا الحد …أي أنه سيقبل بالوجود التركي والايراني والأمريكي إلى جانبه .. وأنه سيقبل بأهون الشرين!! ونقصد بأن يقبل بأن يتم استنزافه بطريقة أبطأ وأهون من استنزافه فيما إذا خاض أي حرب ضد أي من الاطراف الاخرى في سوريا, اي الاميركي أو الروسي أو التركي.

الآن ماذا عن الشعب السوري؟
نحن نقرأ بين سطور هذه الأحداث الجارية على الساحة السورية بأن هذا هو الحل السياسي لهذه المرحلة, أي أنه في سوريا الآن اربعة مناطق: منطقة بالجنوب الغربي فيها نصف استقلال ذاتي برعاية اردنية , المناطق الداخلية تحت سيطرة الروسي والايراني. مناطق التحالف الكردي العربي في الرقة والشمال الشرقي وشرق الفرات من سوريا تحت السيطرة الأميركية, ومنطقة إدلب وبقية المناطق التي هي تحت سيطرة القوات التركية .
الآن السؤال الحيوي هو: إلى متى سيطول هذا الأمر في هذه المرحلة: ونحن نقول وبكل ثقة ان هذه المرحلة ستنتهي عندما يفهم بوتين بأنه قد تم استنزافه بشكل كبير, ولم يعد قادرا لمزيد من الاستنزاف, ويهم بالرحيل من سوريا, وعندها سيكون رحيل الإيراني والتركي تحصيل حاصل.. اما أمريكا فستعمل وتتأكد بعدم عودة داعش أو القاعدة مجددا إلى سوريا وقيام حكم لامركزي ديمقراطي تقريبا مشابها إلى التقسيم لهذه المناطق الاربعة الانفة الذكر, وذلك بعد القبض على المجرم بشار الأسد وأعوانه في النظام السوري وإحالتهم إلى المحكمة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الشعب السوري.

About طلال عبدالله الخوري

كاتب سوري مهتم بالحقوق المدنية للاقليات جعل من العلمانية, وحقوق الانسان, وتبني الاقتصاد التنافسي الحر هدف له يريد تحقيقه بوطنه سوريا. مهتم أيضابالاقتصاد والسياسة والتاريخ. دكتوراة :الرياضيات والالغوريثمات للتعرف على المعلومات بالصور الطبية ماستر : بالبرمجيات وقواعد المعطيات باكلريوس : هندسة الكترونية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.