ماذا يعني أن تؤدي الخدمة العسكرية في الجيش السوري ؟؟

هذا المقال كتبه د.صلاح نيوف عام 2004

من المعروف أن الفكرة العامة عن ” الخدمة العسكرية” ، هي قضاء زمن محدد في الجيش من أجل الإعداد البدني والتدرب على السلاح ، والهدف من ذلك حماية الدولة من الاعتداءات الخارجية. ولكن هل يمكن أن تكون الخدمة العسكري في سورية ضمن هذا المعنى؟

في كل عام يستدعى عدد كبير من الشباب السوري إلى شعب التجنيد الإجباري للحصول على ما يسمى ” التكليف ” أي أصبحت مكلفا بخدمة العلم. تدخل إلى شعبة التجنيد فتتراءى لك الحالة العامة لهذا الجيش ولهذا العلم : في مكاتب التجنيد الكثير من النساء الحوامل والمدخنات والمرتشيات، أما الرجال فينتظرون على الأبواب لتسريع العمل مقابل الرشوة التي أقرها مشروع ” التطوير والتحديث”.

وعندما تلتحق بالجهة العسكرية التي يتم فرزك إليها تبدأ الرحلة إلى الجحيم والعذاب النفسي والجسدي، ولكن كيف ؟ مع الوصول إلى الباب الرئيسي لأي من الثكنات العسكرية السورية ، تجد اثنين أو أكثر من الأميين ” من أشاوس الفلوجة السورية ” وقد تم اختيارهم بشكل مقصود لإهانة و إذلال من جاء لخدمة وطنه. لا يمكن الدخول إلا جاثيا على الركبتين ، و أثناء هذه العملية يضعون في رأسك ( الماكينة ) وهي للحلاقة ، وقد حملها بعض هؤلاء الأميين معه بعد أن جزّ بها خرافه وخراف جيرانه. و أنت جاثيا على الركبتين راكعا أمام هذا الفلوجي عديم الإحساس والمشاعر عليك أن تردد مايلي: ” قائدنا إلى الأبد الرئيس حافظ الأسد ” ، تعيد هذه الجملة ثلاث مرات. ولا يسلم من هذا الذل والاستحقار إلا من حمل ورقة بجيبه كتب عليها ( ورقة من فئة الخمسمائة ليرة أو الألف )، أو ( أنا فلان من قبل الضابط الفلاني ).

بعد أن تتجاوز الباب الرئيسي لا يمكن أن تسير بشكل طبيعي، بل تجري باتجاه الساحة العامة ، أو باتجاه المحرقة العامة، والتي ينكوي بنار ذلها وهوانها معظم شباب سورية، و أنت تجري عليك أن تردد ( باسل.. باسل ..باسل) ويعني ذلك نجل الرئيس حافظ الأسد. ترى الكثير من الأطباء أو المهندسين يبكون من هذه الحالة الهستيرية. يخطر ببالك ، لماذا أردد هذه الأسماء؟ يركبون أفخر السيارات ويسكنون أفخم القصور، مالذي يميزهم عنا حتى نردد أسماءهم ؟ وتسأل بسذاجة ، هل يعرف رئيس الجمهورية ما يجري ؟ وعن أي تطوير وتحديث يتكلم في وقت تداس فيه رقاب الناس و تحتقر ، وفي نفس الوقت تلتهب الحناجر بالهتاف للقيادة الحكيمة والشجاعة ، هل هو مجتمع منافق؟ أم مجتمع مجنون؟ أم أنه فقد كل إحساسه بالحياة؟

يتم حشر المجندين من مختلف التخصصات العلمية والمهنية كالخراف، في الساحة العامة ، وتبدأ التراتيل والتسبيحات بحمد السيد الرئيس، ثم تقاد مكروها إلى الطعام ، وقد سرق نصفه من جنرالات الجيش العقائدي ، أما النصف الآخر لا يصلح طعاما للكلاب والحيوانات.تقف في المطعم كيتيم على مائدة اللئام ، و كأنهم يطعموك على حساب القصر الجمهوري وليس على حساب الضرائب التي يدفعها المواطن السوري ، وتتحول بقدرة قادر إلى شركات للخليوي أو شركة ” سيريا تل” ، أو إلى قصور للشعب و أساطيل من سيارات المارسيدس. وقبل أن تلمس يدك الملعقة تكون قد قرأت الفاتحة ( بالروح بالدم نفديك يا حافظ ) و ( باسل أسد رمز الثورة العربية ) ، ثم ما إن تنظر إلى الطاولة حتى تقول : إن بقى دم بعد هذا الطعام سأفدي به السيد الرئيس والوطن .

ولكن ما العمل الذي تؤديه داخل الثكنة العسكرية ؟ إذا كان لديك تخصصا في الآداب أو الرياضيات مثلا ، فبالتالي مقابل الإجازات التي تحصل عليها، عليك أن تدرس أبناء ” المعلم ” بدلا من المهمة الأساسية التي أتيت لعملها والتي تحولت من خدمة العلم إلى خدمة المعلم و أحينا مع حرمه المصون . أما إذا كنت من غير المحظوظين بالحصول على شهادة جامعية لا تقلق يمكن أن تعمل كحاجب أو خادم في منزل أحد الضباط ، تغسل جواربه و ألبسته الداخلية ، وهي تنوب هنا عن العلم الذي أتيت لخدمته. وبما أن جنرالاتنا في سورية أصبحوا بفضل الحزب القائد ، من التجار والصناعيين أو الإقطاعيين ، يمكن أن تعمل في مزارعهم و اصطبلاتهم ، لقطف الزيتون والحمضيات وتربية الخيول الأصيلة ، والتي يكلف شراء رأس منها آلاف الرؤوس من المواطنين.

أو يمكنك أن تصبح و أنت جندي في الجيش ، حرفيا أو مهنيا في أحد مصانع المحارم الورقية أو المشروبات الغازية التي يملكها سيادة العماد أو اللواء.و إذا كنت من عائلة ميسورة ، فيمكن أن تزود ” المعلم ” طيلة الخدمة العسكرية ، بالحلويات الدمشقية والمبرومة الحلبية أو الكنافة اللاذقانية ، أو تشتري لزوجة فلان مجموعة إكسسوارات أو ألبسة داخلية . أما إذا كان لديك شهادة لقيادة السيارة ، ستصبح شوفير العائلة أو المدام . و إذا كنت حلاقا عصريا ، فنعم الله والمعلم تأتي من يمينك ويسارك وبين قدميك .

إن هذه الخدمة العسكرية توفر على النظام السوري المليارات من الليرات، والتي تذهب إلى جيوب فلان وفلان ، وقد كان من المفترض أن يعمل عسكر محترفون مكان هؤلاء الشباب ، ولكن لماذا ؟ طالما أن المجندين يخدمون تقريبا بالمجان ، ثم يخرجون إلى الشارع ، حيث البطالة تنتظر الجميع. ربما هذه الصورة هي التي تجعلنا نعرف لماذا ضربت إسرائيل في عين الصاحب قرب دمشق ، ونحن نتفرج عليها ، ونعرف لماذا ” المقاومة ” شرعية في العراق وممنوعة في الجولان ، ونعرف الحالة التي وصلنا إليها في سورية عندما يعتبر هذا الجيش مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني ، ونعرف لماذا يحتفظ الوزير فاروق الشرع بحق الرد على إسرائيل في كل مرة تقصف بها سورية أو جيشها ، فأهل مكة أدرى بشعابها .

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.