ماذا لو بقي الأمازيغ مسيحيين؟

كريم عزيزي
القادم كتبه ملحد يقينه أن الأديان كلها سواسية ولا حاجة للبشر لها ليعيشوا في سلام وكرامة، لكنه لا ينكر أن هناك بعض الفروقات وأهمها ما يبقى من هذه الأديان عند العوام ويصبح ثقافة بعد “إصلاح” ذلك الدين أو بعد تقليم مخالبه.

لا أقول أن المسيحية حب كما يزعم دجاجلتها اليوم ويضحكون بذلك على من بدأ يفكّر من أهلنا المسلمين، تاريخها الدموي والمعادي لكرامة البشر معلوم ومعاداتها للعلوم والفلسفة لن ينكره إلا من لا يزال يرتزق منها في مصر وغيرها من البلدان الموجودة فيها في الشرق. الذي يعنيني هو الموجود في الدول الغربية اليوم وعند تلك الشعوب، أي ما بقي من نصوص المسيحية هناك بعد أن دفع الغربيون ملايين الرؤوس لتبعد المسيحية عن الحكم هي وسدنتها، لا يخفى عليّ أن النظام الرأسمالي يدفع بالشعوب للعودة إلى المسيحية ولن يقبل بإلحاد يصبح أغلبيا هناك ولو أراد ذلك هذا النظام لاستطاع لكنه لا يريد ولن يريد ومن ذلك تشجيعه تعليم خرافة الخلق بل وتدريسها وكأنها نظرية مثلها مثل التطور، لا يخفى عليّ أيضا العنصرية البغيضة التي تكبر نسبتها كلما اقترب الناس أكثر من النصوص وخصوصا من العهد القديم ورسائل بولص العنصرية ضد المختلف دينيا ضد المرأة ضد المثليين ضد المهاجرين إلخ، لا يخفى عليّ شيء من نصوص المسيحية والتي كما قلت أن رأيي الشخصي فيها أنها مثلها مثل أي دين لا حاجة لها إطلاقا، لكن هذا رأيي وهو رأي “نظري” أو لنقل “حكم مسقط من السماء” بل أستطيع القول أنه كلام عاطفي وغبيّ وإن كان حقا: الحق شيء والواقع شيء آخر للأسف!

قبل حلول الإسلام وعروبته كنا مسيحيين، نهبنا الرومان وبعدهم البيزنطيون وقتّلوا من أجدادنا الكثير الكثير، جنّدوا من خيرة العقول التي أنجبتها أرضنا مرتزقة لهم صاروا من أعظم اللاهوتيين، وساهموا بسياستهم العنصرية وبلغتهم في القضاء على لغتنا حيث كتب أعلامنا باللاتينية والإغريقية كما قرأ أجدادنا أناجيلهم بلغة أجنبية عنهم واعتبروها لغة الرب التي ستفتح لهم الطريق للملكوت، لا أحد هنا سينسى ما فعله الرومان مثلهم مثل غيرهم من المستعمِرين ولا أحد سيقول أن ذلك لم يكن من المسيحية في شيء!

لكننا كنا مسيحيين قبل أن يُخرجنا من التاريخ الإسلام وعروبته، لا أغفل عن الدول الأمازيغية القوية التي استقلت عن الشرق ولا أنسى إنجازاتها بل وتوحيد شمال افريقيا مع دولة الموحدين: الإنجاز الذي لم يحدث منذ نوميديا، لكني لا أنسى أيضا أننا بعقيدة الأعراب أصبحنا قراصنة ولصوصا نستعبد الناس الشيء الذي لم يعرفه أجدادنا إطلاقا!

ماذا لو استمرت الإمبراطورية الموحدية إلى اليوم؟ هل كنا لن ندفع الجزية للسعوديين يا ترى؟ هل كنا سنتحرر من ثقافة البداوة العربية؟ هل كان شبابنا لن يغادروا بالآلاف للموت في سوريا والعراق؟ هل كنا أبعدنا الإسلام عن السياسة كما هي ثقافتنا الأمازيغية الأصيلة في فصل الدين عن السياسة أم كان حالنا سيشبه حالنا اليوم؟ لا أشك أن الأزهر لم يكن ليكون له تأثير علينا لكني أجزم أننا كانت ستكون عندنا سلطة دينية أكثر قوة منه بل وربما كنا سنكون أقوى ديار الإفتاء التي يتبعها كل المسلمين! ربما كانت ستكون عندنا قنبلة نووية لكن شعوبنا كانت ستكون كالباكستان أو ككوريا الشمالية، محمد بن تومرت الذي قضى على المرابطين كانت دعوته “التوحيد الخالص”! أي هو الوحيد الذي يمثل الدين الصحيح ويوسف بن تاشفين كان زنديقا منحرفا: نفس قصة العباسيين مع الأمويين والتي لا تزال تردد إلى اليوم!

ماذا لو بقينا مسيحيين؟ هل كنا سنكون في مثل الوضع الذي نحن عليه اليوم؟ أوروبا أقرب لنا من جزيرة العرب، نحن متوسطيون فكيف أصبحت صحراء نجد أقرب إلينا من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا واليونان! قد يأتي ببالي أننا كنا سنكون مثل المسيحيين المصريين اليوم أي أن الغرب لا يهتم لهم وأقول عنه أننا كنا سنكون الند بالند مع الأوروبيين حتى وإن بقينا دوناتيين، كنا سننهض مع نهضتهم أو بعدها وحتى وإن حصل نفس الاستعمار الذي وقع علينا فيستحيل أن تكون نفس النتائج التي وقعت مع الإسلام، من سقط تحت استعمار العثمانيين من الشعوب الأوروبية الشرقية حالها أحسن بكثير منا اليوم، لو بقينا مسيحيين لكنا مثل تلك الشعوب ربما أتعس منها بقليل لكن يستحيل أن نكون بالبؤس الذي نحن عليه اليوم بعد الإسلام. كنا سنحج للفاتيكان دون أن ندفع! كما يستنزفنا آل سعود اليوم، جولة سياحية في روما نرى فيها روعة المعمار هناك خير مليار مرة من كعبة العرب ورجم شياطينهم وزيادة على ذلك ندفع المليارات لمملكة الرمال المنشارية!

ليس تزلفا للغرب، وأذكّر أني لا أتكلم عن فكري الشخصي ولو أردتَه سأقول لك أن ذرة تراب من بلدي تساوي الأرض ومن عليها، لكني أتكلم عن عامة شعوبنا، وليس تزلفا للمسيحية أيضا لكن دعني أصدمك -أفترض أني أكلم ملحدا- كما صدمت نفسي بالقول: يا أخي كلهم كذبة نعم، لكن أكذوبة المحبة أرقى مليار مرة من الجهاد الإسلامي! وأعود إلى ثقافة الشعوب الغربية اليوم لأجد أن أغلب تلك الشعوب لا تلتزم بالنصوص المسيحية لكنها تتذكّر ما غلب على تلك النصوص في سمعها على الأقل، حتى وإن قلتَ معي أن رسالة تلك النصوص كانت فيها هذه المحبة مجرد قناع سأقول أن ذلك لا يهم بل ما يهمني ما بقي منها اليوم عند أغلب تلك الشعوب، وأسأل عن يوم تُقلّم فيه مخالب الإسلام كما حدث مع المسيحية ماذا سيبقى لشعوبنا؟ الله ماذا؟ عِلم يا ترى؟ حب؟ أم أنها لن تجد أي شيء غير النكاح والجهاد وثقافة البداوة؟ عوام الشعوب الأوروبية لا يعنيها العهد القديم بإجرامه وإرهابه ولا تعنيها كل التشريعات التي يمكن أن تُستوحى من العهد الجديد وخصوصا من عند ذلك الجلف المتخلف العنصري بولص ولا تتذكّر من المسيح إلا وداعته، أنا لا أقول أنه كان مسالما لكن يا أخي لا يمكن أن يُقارن بمحمد الضحوك القتال، والأهم من رأيي ومن رأيك أن ما تبقّى من شخصيته في ذهنية الأوروبي اليوم شيء جميل وعنده ما يُسنده حتى داخل النصوص التي حتى لو انتقدناها فلا يمكن مقارنة مثلا سلوك المسيح العنيف في الهيكل بقطع محمد للرؤوس، حادثة الهيكل تلك استعملها المسيحيون ليغيّروا المنكر بالقوة -على رأي محمد- لكنها اليوم انتهت تماما مثلها مثل العهد القديم وما جئت لأنقض بل لأكمل وغيره مما يمكن أن نقول فيه الكثير، بل وأجزم أن قلة العنف في العهد الجديد قد ساهم كثيرا في تطور العقلية الأوروبية إلى ما وصلت إليه اليوم. تلك العقلية تجاوزت فكرة أن البشر كلهم خطاة -وهي عقيدة شنيعة- لتبقي فقط على المضمون الرمزي من فكرة الفداء الذي يعيد إلى المحبة أي الإله يحبنا، حتى فكرة العذاب الأبدي قد قضى عليها الأوروبيون وبسهولة فالرب يحب الجميع والجميع ذاهب إلى الملكوت، تماما كما يرى المثليون أن الرب يحبهم هم أيضا بالرغم من النصوص الصريحة التي تدينهم. بفكرة المحبة استطاع الأوروبي أن يكون في سلام مع نفسه ومع غيره، وحتى فكرة الإله أصبحت جميلة عنده وغير مرعبة ومخيفة كما في الإسلام والعهد القديم ولا تؤثر في حياته إلا إيجابا ولا تزيد مجتمعه إلا تماسكا وانفتاحا.

لو بقينا مسيحيين ما سُحقت هويتنا كما حدث مع الإسلام، وكل دعوات المسيحية للخنوع والذل كانت ستُتجاوز بسهولة لأنها كانت ستتكسر على صخرة الهوية الأمازيغية التي تقدّس الأرض عكس ما تدعو إليه المسيحية، تقديس الأرض والروح الوطنية كانا وراء الثورات المتتالية في وجوه العرب الغزاة ومن والاهم وقد كانت الأعنف والأطول مقارنة مع كل شعوب الشرق.

لو بقينا مسيحيين ما كنا سنصبح عربا موالي للشرق ولبدو الخليج اليوم، كنا سنستطيع بسهولة إبعاد المسيحية عن الحكم وكنا سنكون اليوم مثل الأوروبيين جيراننا الأقرب، ما كانت رسائل بولص ستجعل من شعوبنا التي كانت تحكمها امرأة تصبح شعوبا تحتقر المرأة، كانت شعوبنا ستكون أرقى وكانت ثقافتها سترتقي أكثر وأكثر وستكون هي وثقافة الأوروبيين اليوم سيان.

لو بقينا مسيحيين كنا سنكون كل شيء إلا أن نكون غير ذواتنا الحقيقية، ربما كنا سنكون متخلفين كمسيحيي مصر اليوم، ربما كنا سنجري كالمعتوهين كلما سمعنا بظهور للسيدة العذراء في كنائسنا، ربما كان الرب سيظهر لنا في أحلامنا لكن على الأقل كنا سنكون أغبياء وجهلة ومحتقرين لكننا لم نكن لنصبح قتلة وإرهابيين فالرب كان سيظهر لنا بلباس أبيض وليس بسيف محمد نبي العرب! كنا سنحج لقبر الرب لنرى النور المقدس ونصدق تلك الخرافة أحسن وأشرف لنا من أن ندور بحجر ونرمي حجر ونقبل حجر وفوق ذلك كله يستعبدنا آل منشار!!

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.