ماذا جرى في تشرين الثاني 1970 (الأسد يقبض على السلطة)

Alaaeddin Taljbini

في 16 تشرين الثاني 1970 وعندما أنهى الأسد وضع اللمسات الأخيرة على البيان الذي يفتتح العهد الجديد بلغه أن الزعيم الليبي معمر القذافي قد وصل على حين غرة إلى مطار دمشق و دون اعلان مسبق وأنه ينتظر في صالة الشرف أن يأتي شخص من رتبة مناسبة ليستقبله وبالطبع كانت الشائعات حول الصراع على السلطة في دمشق تدور في أرجاء العالم العربي منذ شهور
يقول الأسد في المطار للقذافي مداعبا (انه لشيء طيب أنك لم تصل مبكرا نصف ساعة) وبالفعل أذيع في المساء نفسه خبر استلامه للسلطة وفي أعقاب القذافي وصل وزير خارجية العراق حاملا رسالة تهنئة من نظام البعث في العراق وكانوا يشجعون الأسد على استلام السلطة بالرغم من أن المنفيين السوريين في بغداد مثل عفلق و امين الحافظ كانوا يفضلون لو رأوا جميع أعضاء اللجنة العسكرية وقد لفتهم غياهب النسيان.

كيف بدأ الانقلاب

مات عبد الناصر في القاهرة في 28/أيلول 1970 و من المحتمل جدا أن تكون وفاة هذه الشخصية الشامخة قد دفعت بالصراع الطويل على السلطة الأسد _ جديد إلى خاتمته.
وبما أن مادة القوة الفعلية كانت في يدي الأسد (وزير الدفاع) فربما قد شعر بأنه لا يستطيع أن يؤجل عملية إنهاء الوضع غير المستقر في سوريا الذي خلقه صراعه مع جديد أكثر من ذلك.
وقد حضر الأسد جنازة عبد الناصر في القاهرة وعند عودته وجد فراغا كبيرا في السلطة فقد كانت سوريا بلا حكومة كان الحزب منقسما على نفسه ولا سبيل لرأب صدعه وكان الأسد وجديد و أتباع كل منهما لا يتبادلون الكلام مع بعضهم البعض ويتجابهون بشكل مسموع علني

كان الأسد حينذاك مدعوما بالجيش أما جديد فكان لايزال مسيطرا على الجهاز الحزبي وفي أخر محاولة له لاستعادة القيادة دعا إلى مؤتمر استثنائي للقيادة القومية في 30 تشرين الأول 1970
كان أول عمل قام به المؤتمر أن أمر وزير الدفاع بأن يتوقف عن إجراء أي نقل في الجيش طيلة فترة أنعقاد المؤتمر ولكن الأسد رفض هذا الأمر بشكل قطعي
على مدى اثني عشر يوما أحتدم النقاش على الطريقة البعثية الحقيقية وقد سخر الأسد من منتقديه وافهمهم بطريقة قاسية أن موت عبد الناصر لم يعد بإمكانهم الاختباء وراءه وإطلاق تهديداتهم الجوفاء ضد إسرائيل كان من شأن كلمات الأسد ان أثارت زوبعة من الاحتجاجات من قبل أنصار صلاح جديد و قد اتهموا الأسد بأنه قبل التسويات الاستسلامية ورضخ للامبرياليين.
في أرجاء المؤتمر كان جديد لايزال مسيطرا على الاكثرية بين كوادر وقيادات الحزب العليا التي استعملها لتمرير قرارات تجريد الأسد وصديقه المخلص مصطفى طلاس من مناصبهما القيادية في الجيش والحكومة وتشجب (ازدواجية السلطة) التي خلقها خروجهما عن (النظام الحزبي) إلا الأسد كان قد اتخذ احتياطاته ونشر قوات حول قاعة المؤتمر ولذلك ظلت القرارات المتخذة فيه مجرد كلام لا طائل تحته صدر عن رجال أدركوا أنهم قد دحروا بالفعل .


عندما أقترب المؤتمر من نهايته أصبح مؤيدو جديد ذاهلين مضطربين بشكل متزايد ويخشون بوضوح ان يتحرك الأسد لاعتقالهم بل ان رئيس الوزراء السابق يوسف زعين كان يخشى النوم في منزله حيث لجأ إلى منزل أسعد كامل الياس مدير المكتب الصحفي لرئيس الوزراء
عندما انتهى المؤتمر في 12 تشرين الثاني 1970 في خضم الفوضى العارمة لم يضيع الأسد أية لحظة ففي اليوم التالي تم اعتقال خصومه وعرض على بعضهم مناصب في السفارات السورية في الخارج والتي هي الملجأ التقليدي للخاسرين .
ويقال إن صلاح جديد رفض بغضب هذا العرض وأنه قال الأسد بنبرة تحدي (اذا قيض لي أن أخذ السلطة فسوف يتم سحلك في الشوارع حتى تموت) فأرسل جديد إلى سجن المزة القاتم ولاشك أن بقاء جديد مسجونا طيلة تلك المدة إنما يعكس خشية الأسد من انه اذا استعاد حريته فسوف يعمد هو واقربائه إلى الانتقام .
اما الدكتور ابراهيم ماخوس وزير خارجية جديد فقد هرب إلى الجزائر ، اما يوسف زعين فهرب إلى البوكمال مدينته قبل أن يقبض عليه لاحقا وأمضى في السجن عشر سنوات ثم أفرج عنه وسافر إلى هنغاريا
نور الدين الأتاسي رئيس الدولة السابق اعتقل و اودع في سجن المزة
لعب المقربون من الأسد دورا في الاستيلاء على السلطة فأخوه رفعت كان مسؤولا عن الأمن في العاصمة وسهر مصطفى طلاس وصديق آخر هو العقيد ناجي جميل مدير العمليات الجوية على التأكد من عدم وجود أية مقاومة في القوات المسلحة
اما العقيد محمد الخولي مدير مخابرات القوة الجوية فقد أوكلت إليه مهمة اعتقال جماعة جديد في الحزب والجيش و وزارات الحكومة.
وقد أعطى الأسد الخولي مهلة ثماني ساعات لأتمام المهمة غير أنه أنجزها في ساعتين وسأله الأسد(هل سفكت دماء؟) فأجاب الخولي : ولاقطرة واحدة لقد أمسكنا بهم كالارانب في فراشهم)
و امتدت عملية المطاردة إلى جميع المدن الرئيسية لقد كان انقلابا ابيض وحركة تصحيحية كما أسماها الأسد
فالعاصمة لم يتعكر هدوؤها وظلت الدكاكين تعمل وبقيت الطريق الى لبنان والاتصالات معه مفتوحة
لم يكن هناك دبابات في الشوارع إلا أن الجرائد اليومية لم تصدر و لزمت محطات الإذاعة والتلفزيون الصمت حيال هذه الاضطرابات طوال ثلاثة أيام كان العالم يحس بأن ثمة شيئا ما يحدث في دمشق كان يراقب النتائج و يتحزرها

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.