ليلى خطفت المحامي

سناء العاجي/ كتبت في الحرة
في حالة الخيانة الزوجية، يعتبر المشرع المغربي أنه، إذا “سامح” أحد الزوجين شريكه على الخيانة الزوجية، تسقط المتابعة.
مساواة تامة… على الأوراق.
الذي يحدث في الواقع أنه، في حالة الخيانة الزوجية من طرف الزوج، في الغالب “تسامح” الزوجة بمحض إرادتها أو تحت ضغط المحيط: “هل ستدخلين زوجك السجن؟”. “كل الرجال لديهم علاقات خارج الزواج”. “يجب أن تحافظي على بيتك”. “أولادك سيلومونك لأنك أدخلت أباهم السجن”…
تسامح الزوجة، فتُلغى المتابعة ويغادر الزوج السجن.
ولنا أن نتخيل طبعا أنه، في حال خيانة الزوجة، فنفس العقلية التي تشجع (ترغم؟) المرأة على التنازل، سترغم الرجل ضمنيا على “الدفاع عن شرفه وكرامته”.
والنتيجة؟ الخيانة واحدة والنص القانوني واحد… لكن العقليات تتغير بتغير جنسي الضحية والفاعل!
نحتاج لتعديل جدي وجاد للقانون الجنائي يلغي تجريم العلاقات الجنسية الرضائية
منذ بضعة أيام، نتابع في المغرب واقعة سجن سيدة مغربية اسمها ليلى، كانت مخطوبة لمحام لمدة تزيد عن الأربع سنوات. حسب أسرة ليلى، فالاثنين كانا متزوجين بقراءة الفاتحة (صيغة زواج ديني وغير مسجل قانونيا). نتج عن هذه العلاقة طفلة تبلغ من العمر ثمانية أشهر. خلال فترة العلاقة، اكتشفت ليلى أن زوجها/خطيبها متزوج من محامية أخرى. الأخيرة رفعت دعوى خيانة زوجية ضد زوجها قبل أن تتنازل عنها. والنتيجة أن الزوج حر طليق بينما ليلى في السجن بتهمة المشاركة في الخيانة الزوجية!


بل أكثر من ذلك، نفى الزوج الخطبة وزواج الفاتحة، واعتبر أنه كان مخمورا وفاقدا للوعي حين مارس معها الجنس! وأن صور الخطوبة ليست في الحقيقة إلا صور… عيد ميلادها. (هو طبعا لم يقل لنا كيف ولماذا حضر عيد ميلاد ليلى، ما دامت قد جعلته يفقد الوعي ويمارس معها الجنس).
سريالية الواقعة أن ليلى (وهي العازبة قانونيا) متابعة بتهمة المشاركة في الخيانة الزوجية… بينما الزوج حر طليق وزوجته الأولى تعطي التصريحات الواحد تلو الآخر تتهم فيها ليلى بالعهر وتتهم العائلة بالقِوادة! المتزوج حر والعازبة في السجن بتهمة الخيانة الزوجية! مرحبا بكم في بلد السريالية القانونية حين يتعلق الأمر بالعلاقات الجنسية وبالمساواة وبكل ما له علاقة بالنساء.
هذه الواقعة، ومئات أخرى مثلها في محاكم وسجون المغرب، تضعنا أمام مجموعة من الإشكاليات التي يفترض أن تتغير:
أولا، هناك طفلة في القضية هي الضحية الأولى (وهناك حالات بالآلاف لأطفال ضحايا مثل هذا النوع من العلاقات). لنفترض أننا نرفض العلاقات الجنسية خارج الزواج. لماذا نجعل الأطفال يدفعون الثمن؟ للأسف، بالنسبة للقانون المغربي، قاعدة “الولد للفراش” تسبق نتائج تحليل الحمض النووي
(DNA).
بمعنى أنه، حتى حين يثبت التحليل بنوة الطفل(ة)، في حالة عدم الزواج وإذا نفى الأب النسب، لا ينسب له الطفل. هذا طبعا في مجتمع يتغنى بشعارات الدين الذي يدعو إلى العلم، بينما يرفض مجتمعيا وشرعيا الاعتراف بالعلم في عدد من القضايا الجوهرية، كما أشرنا لذلك في مقال سابق…
ثانيا، كم يلزمنا من التشهير بحالات شخصية لكي نعي أن قضايا الخيانة الزوجية يفترض أن تتم معالجتها بموجب القانون المدني لا الجنائي؟ ليس من المقبول أن ندخل السجن أشخاصا بسبب علاقات جنسية رضائية (في الوقت الذي تم فيه إطلاق سراح متابَعَيْن ضمن 20 متهما لم يتم بعد القبض عليهم، قاموا باختطاف واحتجاز واغتصاب قاصر عمرها 17 سنة، خلال 25 يوما، بمدينة الدار البيضاء). بل الأدهى أن هذا القانون يطبق بتمييز تكون المرأة دائما ضحيته.
في بلدان العالم المتقدم، تعطي واقعة الخيانة الزوجية حقوقا مدنية للضحية (تمييز في حضانة الأولاد، تعويض مادي، الطلاق، إلخ). لكن العالم المتقدم لا يضع في السجن رجلا أو امرأة بسبب علاقة جنسية رضائية، حتى لو كان أحد شريكي العلاقة متزوجا.
بالنسبة للقانون المغربي، قاعدة “الولد للفراش” تسبق نتائج تحليل الحمض النووي
في النقطة الثالثة والأخيرة، لننتبه إلى كون هذه الواقعة تضعنا، مرة أخرى، أمام تجليات العقلية الذكورية في أخطر آثارها: حين تتبناها المرأة نفسها!
زوجة المحامي تعطي لوسائل الإعلام تصريحات يبدو فيها زوجها ضحية قاصرا “خطفته” و”سحرته” امرأة أخرى. تتمسك بزوج يفترض أنه قام بفعل الخيانة، بمنطق “خطفته مني بنت الحرام… والله لن أتركه لها”. سيدتي الزوجة المحترمة؛ على فرض أنك “انتصرت” عليها…. في النهاية، ما الذي سيمنع زوجك من شرب الخمر وفقدان الوعي وممارسة الجنس مع امرأة أخرى وحضور عيد ميلادها، ما دمت لم تعالجي المشكل من زاوية علاقتك به؟
ختاما، لنكرر خلف بعضنا البعض، حتى تترسخ هذه المطالب في ذهنياتنا جميعا… بما فيها تلك الذهنيات التي تعتبر أن “المرأة شيطان” وأن الرجل دائما ضحيتها، في الاغتصاب والحمل والخيانة: نحتاج لتعديل جدي وجاد للقانون الجنائي يلغي تجريم العلاقات الجنسية الرضائية. معالجة الخيانة الجنسية قانونيا يفترض أن تتم بناء على القانون المدني وليس الجنائي. تحليلات الحمض النووي يفترض أن تكون المحدد الرئيسي للنسب، لحماية حقوق الأطفال.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.