لمحة في ثقافة المجتمع الأمومي‎

سلام رحيم

في فترة الالف السادس قبل الميلاد في ثقافة تل حلف (الثقافة هي طور ما قبل الحضارة وتل حلف تقع شرق سوريا في محافظة الحسكة) حدث الانقلاب الذكوري على المجتمع الامومي .

في المجتمعات الامومية القديمة او كما يسميها الباحثين عصر ما قبل التاريخ كانت السلطة للأنثى لا الذكر ولذلك سمي بالمجتمع الامومي فحتى الالهة كانت انثوية والميراث كان للأنثى وليس للذكر ، ونسب الاطفال كان للأم وليس للأب وحتى كان للأنثى الحق بالزواج بأكثر من رجل الى ان جاء الحاكم السومري اوروكاجينا ومنع هذا الزواج في قوانينه .
المهم بعد الانقلاب الذكوري اخذ منها كل ما كانت تملكه ، فأصبح الميراث بالغالب للذكر وهو الذي يتزوج بأكثر من انثى في وقت واحد ، ونسب الاطفال له ، وغيرها من أمور جعلت من الذكر سيداً للمجتمع بدون منازع .

هذا الأنقلاب ولد رد فعل أنثوي ظهر في الحكايات الشعبية ، تظهر الأنثى خلاله بشكل متوحش تقتل الرجال في الليل ، أو ان تقوم بفعل ثاني بالضد من الذكر ، ولليوم عند شعوب الشرق الأوسط يحملون قصة لكائن شرير أسطوري يدعى “السعلوة” أو “السعلاة” ، هذه الكائنة الشريرة وحسب الأساطير الشعبية تقوم بقتل الرجال في الليل ، والسعلاة حسب أفتراض قديم لي هي نفسها الإلهة العربية “اللات” ، وبالأساس ان اللات هي نفسها الإلهة البابلية “ارشكيكال” ، حيث ان الإلهة ارشكيكال عرفت في النصوص البابلية باسم “اللاتو” . وارتبطت اساطير ارشكيكال بقصة تبين وتوضح الانقلاب الذكوري على المجتمع الامومي ، وملخص القصة هو :
(( أن الآلِهة الكبار أقاموا وليمة كبيرة دعوا فيها كل الآلهة ، ومن ضمنهم أرشكيكال والتي كانت في البداية هي زعيمة العالم السفلي في المعتقدات الرافدينية ، لكنها لم تستطع أن تلبية الدعوة كونها تابعة للعالم السفلي فقط ، ولهذا تُرسل وزيرها ( نمتار) ليمثلها في حضور الوليمة وليجلب حصتها ، والذي عندما دخل إلى قاعة المأدبة قام لهُ إحتراماً كل الآلِهة إلا الإله ( نركال ) . بعدها تقوم ( أرشكيكال ) بالإحتجاج عند مجمع الآلِهة الكبارعلى تصرف ( نركال ) المُهين ، وتتهددهم بالشر إن لم يسلموه لها !، فيقومون بتسليمه خوفاً من شرورها . وعند نزول نركال للعالم السفلي يقوم بمباغتة أرشكيكال ويمددها على الأرض ليقطع رأسها !، وهنا تنهار أرشكيكال وتبكي وتتوسل رحمته وتطلب عفوه وتعده أن تكون زوجته : ( وسأجعلُ لكَ مُلكاً وسُلطاناً على كل العالم السفلي ، وسأضع بين يديكَ ( الواح الحكمة ) ، وأكون إمرأة السيد العظيم نركال ) . حينئذٍ يرفعها إليهِ ويُقبلها ويمسح دموعها ويتزوجها )) .


وهذه القصة بالتحديد تشير إلى الانقلاب الذكوري ، وهناك قصص اكثر توضح ذلك منها قصة أقدم وردت في ملحمة كلكامش ، حين طلبت الإلهة عشتار (التي تمثل الأمومة) من كلكامش (الذي يمثل الذكورة) ان يتزوج منها ، غير ان كلكامش رفض ذلك ووصفها بأوصاف غير حميدة ، وكذلك ما فعلته بتموز ، وفي قصة أخرى وهي قصة بابلية ، نلاحظ في قصة الخلق البابلية اينوما إيليش (حينما في العلى) ان الإله مردوك قام بقتل الإلهة الشريرة “تيامت” وقسمها إلى نصفين ليخلق منها الكون ، و ترمز تيامات لفوضى الخلق البدائية وتصور بهيئة أمراة ، وكذلك بالنسبة لقصة ليليث التي وردت في التوراة والتي ترجع بأصولها إلى الإلهة الأكدية “ليليتو” ، وليليث في عقيدة سكان بلاد الرافدين ارتبطت بالعواصف واعتقد أنها تحمل المرض والموت ، ظهرت شخصية ليليث للمرة الأولى كشيطان أو روح مرتبطة بالرياح والعواصف، عرفت باسم ليليتو في سومر، حوالي 3000 قبل الميلاد. تظهر ليليث في المعارف اليهودية باعتبارها شيطان الليل، وكبومة نائحة في طبعة الكتاب المقدس الملك جيمس ، ظهر اسم ليليث في رقم طيني سومري من مدينة أورك يعود إلى 2000 سنة قبل الميلاد ويحكي عن أن إله السماء أمر بإنبات شجرة الصفصاف على ضفاف نهر دجلة في مدينة أوروك، وبعد أن كبرت الشجرة اتخذ تنين من جذورها بيتاً له، بينما اتخذ طائر مخيف من أغصانها عشاً له، لكن في جذع الشجرة نفسها كانت تعيش المرأة الشيطانة ليليث، وعندما سمع جلجامش ملك أوروك عن تلك الشجرة حمل درعه وسيفه وقتل التنين واقتلع الشجرة من جذورها فهربت ليليث إلى البرية. اما في المصادر اليهودية ، فإن ليليث هي الزوجة الأولى لادم ، الا انها لم ترض بسيطرة ادم عليها فهربت منه وأصبحت معشوقة الشيطان .
لليوم المنظمات النسائية التي تعمل بالضد من المجتمع الذكوري تتخذ من ليليث كشعار لها .

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.