لماذا يكره بعض #السوريين #أوروبا؟


حسين عبدالحسين/ كتب في موقع الحرة
بثت القناة العربية التابعة لدويتشه فيله الألمانية مقابلات أجرتها مع عربيات يعشن في ألمانيا. سألت القناة سيدة سورية عن مخاوفها من تربية ابنها في ألمانيا، فأجابت أنها تخاف عليه من الثقافة الألمانية، وقالت إنها تخاف على ابنها في ألمانيا أكثر مما كانت تخاف عليه في سوريا. لماذا؟ “لأن في ألمانيا حرية زائدة” عن اللزوم، أجابت السيدة.
في محافظة إدلب الشمالية السورية، التي تحكمها مجموعات معارضة للرئيس السوري بشار لأسد، أعلن الائتلاف الوطني السوري تشكيله حكومة جديدة. كانت بادرة طيبة تعيين الدكتورة هدى العبسي وزيرة للثقافة، وهو أمر ليس جديدا على السوريين، الذي اعتادوا على تعيين الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد السيدة نجاح العطار، التي تشغل منصب نائب رئيس اليوم، وزيرة للثقافة كذلك.
لا تجارب عبر التاريخ تشي بأن العفة، والفصل الجندري تصنع مجتمعات أفضل أو أفراد أسعد
لا يعود البحث الإلكتروني عن الوزيرة العبسي بالكثير. مما تيسر، يبدو أن الوزيرة حازت على دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة دمشق، وأنها كانت تشغل منصب نائب عميد كلية الآداب في جامعة إدلب. الوزيرة العتيدة تبدو من محبي المطالعة والمكاتب، وهي قامت بجهد جليل في افتتاح مكتبة لعموم القراء في الشمال السوري. لكنه كان لافتا في الموضوع تصريحها أثناء الافتتاح، إذ قالت: “إن مكتبة المركز فيها قاعة مطالعة للذكور وأخرى للإناث”.
الفصل الجندري أمر جديد على السوريين، الذين لم يعتادونه في مؤسساتهم العامة، التربوية أو غيرها، على مدى القرن الماضي، وهو ما يعني أن التحديث الذي جاءت به الدكتورة العبسي للسوريين هو تحديث مستوحى من التجارب الإسلامية في الحكم، وهو تحديث ذات تجليات مختلفة، بعضها محدود، مثل في بعض دول الخليج، وبعضها الآخر يشمل معظم جوانب الحياة، مثل في إيران. وفي تجليات أكثر تطرفا للفصل الجندري يبرز حكم طالبان أفغانستان، أو دولة “داعش” المندثرة.
في تصريح ثان للوزيرة السورية أثناء تخريج دفعة من الطلاب الجامعيين، قالت العبسي إن “للمرأة حضور مهم في المجتمع والمطلوب من النساء اليوم، إذا أردن التغيير، المسارعة إلى المعرفة، فنحن لا نريد منكن الحصول على شهادة ورقية، بل نريد منكن الحصول على المعرفة التي تخلص المجتمع من القيود التي تمنع المرأة من المساهمة في البناء”. كلام جميل. ثم أضافت الدكتورة العبسي: “لذلك فنحن بأمس الحاجة لكي نكون قدوة حسنة ونبتعد عن تقليد الأوربيين، إلا في ميدان العلم والتقدم، فلماذا لا نخترع ونبدع”.


إذا، وزيرة الائتلاف الوطني ترى أن القدوة الحسنة تكون بالابتعاد عن تقليد الأوروبيين. لماذا؟ هل تخشى العبسي ـ مثل السيدة السورية المقيمة في ألمانيا ـ “الحرية الزائدة” المتوفرة لدى الأوروبيين؟ وإذا كانت مشكلة هؤلاء السوريين هي في الحرية الزائدة، فلما الثورة للتخلص من طغيان الأسد؟ ولما اللجوء إلى أوروبا هربا من دولة الأسد البوليسية؟ أليست الدول البوليسية مناسبة لتربية الأولاد بلا “الحرية الزائدة”؟
للإنصاف، لا بد من الإيضاح أن المقصود من خوف هؤلاء السوريات من “الحرية الزائدة”، ودعوتهن لتفادي “تقليد الأوروبيين” هو خوف من الحرية الفردية في المواضيع الاجتماعية، واعتبار أن اختلاط الجنسين هو من الفساد المجتمعي، وأنه قدوة سيئة، وأن على السوريين، كما على المؤسسات التربوية والأهلية والحكومة، هندسة مجتمعهم، و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، للحفاظ على الحيز العام، شريفا عفيفا، وللحفاظ على المجتمع السوري كمجتمع فضيلة متجانس يعيش فيه الملائكة السوريون.
طبعا، لا تجارب عبر التاريخ تشي بأن العفة، والفصل الجندري، وتفادي تقليد الأوروبيين، تصنع مجتمعات أفضل أو أفرادا أسعد، بل إن الحكومات الإسلامية، الحقيقية منها ـ مثل في إيران وطالبان أفغانستان وداعش سوريا والعراق ـ والمتخيلة منها ـ مثل في عهد الخلفاء الراشدين ـ لم تقدم نماذج حكم بشري تنافس الغرب اليوم؛ فدولة الخلفاء الراشدين عاشت في حرب أهلية شبه متواصلة، فيما دول إيران وطالبان وداعش تحتل قعر المؤشرات العالمية على كل الأصعدة، الاقتصادية والتنموية والعلمية والرفاهية، ولا تتصدر الحكومات الإسلامية المذكورة إلا في الفساد وفي عدد ضحايا حقوق الإنسان وتكميم الأفواه.
ربما على الوزيرة العبسي، وحكومتها الثورية، والسوريين ممن يشاركونها الرأي، العودة إلى عصر النهضة العربية، الذي أطلقه اجتياح الفرنسي نابليون مصر مطلع القرن التاسع عشر. وقتذاك، أذهل تقدم أوروبا وتأخر المسلمين النخبة الإسلامية، فانقسمت حول كيفية اللحاق بالحداثة. قسم قالوا إن ردم الهوة مع أوروبا المتطورة يكون بالعودة إلى جذور الإسلام والتقليد، وقسم قالوا إن تقدم المسلمين يستحيل بدون تحديثهم دينهم وجعله متناسقا مع العصر الحديث.
هل يتأخر العرب والمسلمون عن العالم بسبب منعهم “الحرية الزائدة” وعدم “تقليد الأوروبيين؟
ومن نافل القول إن دعاة تجديد الإسلام وفصل الدين عن الدولة خسروا، لأسباب عديدة، منها استيلاء أنظمة الاستخبارات ـ منذ رئيس مصر الراحل جمال عبد الناصر وحتى الأسد ـ على خطاب الحداثة، وتحويله إلى خطاب خشبي لقمع الناس، ومنها الثروة الهائلة التي هبطت على دعاة العودة إلى التقليد والجذور، فأصبح التقليديون هم قادة المجتمع المسلم، واجتاحت الأسلمة (وهذه غير الدين وترتبط بالإسلام كهوية اجتماعية وسياسية) المجتمعات الإسلامية، فتخلت هذه عن سعيها للتحديث، واستبدلته بالخوف من “الحرية الزائدة” وضرورة تفادي “تقليد الأوروبيين”، حتى لو تواصلت تدفق حشود المسلمين على دول الغرب التي يكرهون تقاليدها ويخافونها، ولكنهم مع ذلك يصرون على الانتقال إليها والسكن بها.
ربما الأجدى بالسيدة السورية في ألمانيا وبالوزيرة العبسي مقاربة مشكلة التخلف الإسلامي والعربي من ناحية ثانية، طالما أن العرب والمسلمين لم يعيشوا يوما في تاريخهم في “حرية زائدة”: هل يتأخر العرب والمسلمون عن العالم بسبب منعهم “الحرية الزائدة” وعدم “تقليد الأوروبيين؟”.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.