لماذا وكيف انبهر سيد قطب بالمودودي؟

سيد قطب

الشرق الاوسط اللندنية

علي العميم

يدعي المودودي أن «الإسلام قد تجنب لفظة (الحرب) وغيرها من الكلمات التي تؤدي معنى
(القتال) (war)
في اللغة العربية واستبدل بها كلمة (الجهاد) التي تؤدي معنى بذل الجهد والسعي ويراد فيها كلمة
(struggle)
في اللغة الإنجليزية»، ويعزو هذا التجنب إلى «أن لفظة (الجهاد) أبلغ منها تأثيراً وأكثر إحاطة بالمعنى المقصود».

يسأل المودودي: «ما الذي أفضى بالإسلام إلى أن يختار هذه الكلمة الجديدة، صارفاً بوجهه عن الكلمات القديمة الرائجة؟». يجيب عن سؤاله هذا بأن «الذي أراه وأجزم به أن ليس لذلك إلا سبب واحد، وهو أن لفظة (الحرب) كانت ولا تزال تطلق على القتال الذي يشب لهيبه وتستعر ناره بين الرجال والأحزاب والشعوب لمآرب شخصية وأغراض ذاتية. والغايات التي ترمي إليها أمثال هذه الحروب لا تعدو أن تكون مجرد أغراض شخصية أو اجتماعية، لا تكون فيها رائحة لفكرة أو انتصار لمبدأ. وبما أن القتال المشروع في الإسلام ليس من قبيل هذه الحروب، لم يكن له بد من ترك هذه اللفظة – الحرب – ألبتة».

نفى المودودي أن يكون الإسلام نِحلة دينية أو مذهباً دينياً أو ديناً كبقية الأديان، الأديان السماوية والأديان الأرضية (هو نص على أن المراد بالنِحلة الدينية مجموعة من العقائد والعبادات والشعائر، وهذه من ضمن الأشياء المشتركة ما بين الأديان السماوية والأديان الأرضية كأديان الهند وأديان الصين واليابان)، ونفيه أن يكون المسلمون أمة أو طائفة كسائر الأمم والطوائف الدينية، وادعاؤه أن الإسلام قد تجنب لفظة الحرب وغيرها من الكلمات التي تؤدي معنى القتال وتعليله لهذا التجنب المزعوم، كل هذا أبهر سيد قطب وأدهشه حين قرأ محاضرة المودودي «الجهاد في سبيل الله» المترجمة من الأوردية إلى العربية، والمطبوعة في كتيب صغير نشر في مصر عام 1950. وكانت قد أبهرته وأدهشته قبل ذلك السطور الأولى في ذلك الكتيب التي قال فيها المودودي: «لقد جرت عادة الإفرنج أن يعبروا عن كلمة الجهاد بـ(الحرب المقدسة)
(HOLY War)


إذا أرادوا ترجمتها بلغاتهم. وقد فسروها تفسيراً منكراً وتفننوا فيه وألبسوها ثوباً فضفاضاً من المعاني المموهة الملفقة، وقد بلغ الأمر في ذلك أن أصبحت كلمة (الجهاد) عندهم عبارة عن شراسة الطبع والخُلق والهمجية وسفك الدماء». بهذه السطور افتتح المودودي مرافعته عن مبدأ الجهاد في الإسلام، التي كانت جديدة على المسلمين الهنود حين نشر أصل المحاضرة في كتاب عام 1928، وجديدة على العرب المسلمين، وعلى أحد مثقفيهم، سيد قطب، حين ترجمت المحاضرة إلى العربية ونشرت في القاهرة في كتيب عام 1950. أما السطور التي أتيت بها في مفتتح هذا المقال والسطور التي تضمنها الاقتباسان الواردان في مختتم المقال السابق، فلقد جاءت في صدر ذلك الكتيب، وكانت تفصيلاً للسطور التي افتتح فيها مرافعته عن الجهاد.
لشرح سبب انبهار ودهشة سيد قطب بالسطور المذكورة، وبالكتيب ككل، وبكتيبات أخرى للمودودي؛ كان بعضها قد نشر باللغة العربية في باكستان وأعيد نشرها في القاهرة عام 1950، وكان بعضها الآخر قد نشر بالعربية في هذه المدينة لأول مرة في العام المومأ إليه ككتيب «الجهاد في سبيل الله»، أحتاج أن أصف لكم الحالة الفكرية أو الآيديولوجية التي كان هو عليها قبل لحظة التقائه وتعرفه على الأطروحة الإسلامية الأصولية، كما بلورها وصممها وبلورها وصاغها أبو الأعلى المودودي.
التوجه الإسلامي عند سيد قطب مر بمرحلتين؛ مرحلة مستترة أو مغطّاة أو محجبة! ومرحلة نزع عنها الستار أو الغطاء أو الحجاب، وهذه المرحلة ابتدأت عام 1947. ففي هذا العام أفصح عن توجهه الإسلامي في مقالاته الصحافية التي كتبها في أثنائه، فما عاد يستر توجهه الإسلامي أو يغطيه أو يحجبه. وفي هذا العام، وربما في غضون العام الذي قبله، بدأ العمل على كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» الذي صدر في أواخر عام 1949، وكان قد انتهى من عمله على هذا الكتاب، وكان الكتاب جاهزاً للطبع قبل ذهابه إلى أميركا في بعثة تدريبية مفتوحة لدراسة التربية وأصول وضع المناهج في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1948، وكان الكتاب قد صدر في أثناء بعثته إلى أميركا. وفي هذا الكتاب أظهر توجهه الإسلامي على نحو قوي وساطع ومتصلب وبرؤية شاملة وشمولية متشددة، لم يبن عنها بمثل هذا الوضوح في مقالاته المشار إليها سابقاً، التي تزامن نشرها مع عكوفه على العمل على ذلك الكتاب.
قبل أن يلتقي سيد قطب بالأطروحة الإسلامية الأصولية المودودية ويتعرف عليها، كان قد تعرف على الأطروحة الإسلامية الأصولية المحدثة، كما قدمها محمد أسد في كتابه «الإسلام على مفترق الطرق»، وكما قدمها مولاي محمد علي في كتابه «الإسلام والنظام العالمي الجديد»، وهما الكتابان اللذان ارتكن إليهما في كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» في تقديم البديل الإسلامي المعادي للثقافة الغربية ولأنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والآيديولوجية، والمنغلق على الإسلام وعلى نظامه السياسي والاجتماعي والمالي والعقدي وعلى ثقافته وعلى تاريخه.
بعد عودته من أميركا إلى القاهرة في 23 أغسطس (آب) عام 1950، كان قد أصبح متطرفاً دينياً أكثر مما كان عليه قبل ذهابه إليها في بعثة تدريبية، وأكثر مما بدا فيه في ذلك الكتاب. وغدا كذلك ثورياً سياسياً وثورياً اجتماعياً أكثر مما كان عليه منذ أن توجه إلى العناية بقضايا الإصلاح الاجتماعي والسياسي في مطلع أربعينات القرن الماضي.

كتب الإسلاميات التي كان موضوعها الدين الإسلامي وتاريخه وشخصياته وبعض أحداثه، وكذلك التي كان موضوعها الشأن الحديث والمعاصر، وضعها أصحابها بغاية التأمل الحر وغاية الدراسة العلمية وغاية أدبية وفنية، وليس لغاية التغيير السياسي والاجتماعي الثوري في المجتمع المصري وفي مجتمعات أخرى عربية وإسلامية. إضافة إلى هذا أنها كانت ذات منحى ليبرالي تعددي وكانت تخلو من التشدد والتعصب الديني، وكان ينظر أصحابها بعين التقدير والاحترام للثقافة والحضارة الغربية، ويقرون بفضلهما في مسألة التقدم التاريخي وصناعة العالم الحديث، وكانوا يدعون إلى الاستفادة والاقتراض منهما في مناحٍ متعددة وشؤون شتى.
لهذه الأسباب، فإن هذه الكتب التي كان يسترفد بها في توجهه الإسلامي كانت لا تلبي حاجته ليتكئ عليها كإطار مرجعي، ويغرف من معينها الفكري والآيديولوجي. وكان يعدها ناقصة في إسلاميتها ومثلومة فيها. وكانت لا تخدم مشروعه السياسي والاجتماعي والفكري الثوري.
من جانب آخر كانت هناك إسلاميات «الإخوان المسلمين»، وكان لا يثمنها، وكان يرى أنها تقدم طرحاً إسلامياً ضعيفاً وهزيلاً.
وحينما التقى بالأطروحة الإسلامية الأصولية المودودية وتعرف عليها وجد فيها ضالته التي يبحث عنها لتلبية حاجته ولخدمة مشروعه الثوري. ذلك لأن المودودي – كما قيمه المستشرق ولفرد كانتويل سميث – المفكر الشمولي الذي يمتلك جهازاً فكرياً كاملاً في الإسلام الحديث.
وهذه كانت – فعلاً – ميزته وتميزه على المثقفين الإسلاميين الدعاة في القرن الماضي.

وما لبث سيد قطب بعد التعرف على فكر المودودي من خلال بعض كتيباته المنشورة في القاهرة، خصوصاً كتيبه «الجهاد في سبيل الله»، بفترة وجيزة، تحديداً في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1951، أن أخرج كتاباً سماه «السلام العالمي والإسلام». فأثر ذلك الكتيب واضح في الفصل الأخير من كتابه، والمعنون بـ«سلام العالم»، وبعنوان آخر داخلي هو «الجهاد في سبيل الله». وإن كان هو أخفى هذا الأثر والتأثر، وقضم قطعة صغيرة من تنظير المودودي حول الجهاد، ولم يبتلعه كاملاً، كما فعل بعد ذلك في كتابه «في ظلال القرآن» في نسخته المنقحة.
سيد قطب أخذ فكرة كتابه «السلام العالمي والإسلام» من كتاب مولاي محمد علي «الإسلام والنظام العالمي الجديد»، وهو الكتاب الذي نهل منه في كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، ولم يشر إليه غير مرة واحدة في أثناء البحث، كما نبهنا إلى ذلك الناقد عز الدين إسماعيل في مراجعته النقدية لهذا الكتاب، التي كتبها بمناسبة صدور طبعته الثانية، ونشرت في عام 1952.

وإن كان لم يشر إلى كتاب مولاي محمد علي غير مرة واحدة في كتابه الإسلامي الأول «العدالة الاجتماعية في الإسلام» مع أنه نهل منه كثيراً، فإنه في كتابه «السلام العالمي والإسلام» لم يشر مطلقاً إلى كتاب مولاي محمد علي، رغم أنه استفاد منه على صعيد الفكرة وعلى صعيد المضمون.
وفي ظني أن الناقد عز الدين إسماعيل لو كتب مراجعته النقدية تلك مع صدور كتابه «العدالة» في طبعته الأولى، لربما استحى سيد قطب وأشار في كتابه «السلام العالمي والإسلام» إلى كتاب مولاي محمد علي – على الأقل – مرتين أو ثلاثاً! وللحديث بقية.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.