لماذا لم تتطور كل القردة العليا الى أنسان؟

مقال كتبه غرانت كورّن/ كاتب مشارك في
Live science في 14 تموز 2020
ترجمه بتصرف: مازن الباداوي / 6/9/2020

بينما كنا نحن البشر نهاجر و نتجول حول الكرة الأرضية منذ اخترعنا الزراعة وصولا لزيارة القمر، كان فصيلة الشمبانزي (أقرب أقربائنا الأحياء) باقون فوق الأشجار يأكلون الثمار و يصطادون القردة (السعادين).

لقد تواجد الشمبانزي الحديث على الأرض لفترة أطول من تواجد الأنسان الحديث (أقل من مليون سنة) عليها، ومقارنة بفترة تواجده (هومو سابينز) و التي تقدر بـ 300،000 سنة حسب توقع الدراسات الأكثر حداثة في هذا الخصوص. الا اننا (نحن البشر و هم) كنا على خطّين تطوريين مختلفين منذ 6-7 مليون عام حسب التقديرات. فأذا ما كنا نفكر بأننا اولاد عمومة معهم، فأن آخر سلف (جد) مشترك لنا هو كما لو قلنا بأنه (أم او أب) لـ (أم او أب) اجدادنا المباشرين و الذين كان لهم سليلين أثنين فقط.
لكن السؤال هنا هو ان كيف كان لأحد نسليه/ا مسارا تطوريا اكثر بكثير من نسله/ا الآخر(بالأمكان مراجعة المقال “ألشمبانزي مقابل الأنسان: كيف نختلف” ؟
أن السبب في كون باقي القردة العليا لم تتطور الى أنسان هو انها تعيش حياتها بشكل طبيعي و مكتفية بما تقوم به، كما قالت “بريانا بوبنر” وهي عالمة في تخصص “الحفريات/ المتحجرات القديمة” في معهد “سيمثسونيان” في -واشنطن دي سي-، لـ
Live Science
. أن جميع القردة العليا اليوم و بضمنها “غوريلا الجبال” في أوغندا و “القردة العاوية” في الأمريكيتين و “قرد الليمور” في مدغشقر قد أثبتوا ان بأمكانهم النمو و التطور في بيئاتهم الطبيعية التي يستوطنوها.

لا يعدّ “التطور” عملية تصنيعية او انها تعدد مرحلي ذو وقع ميكانيكي يغير الحالة (كمن يصنّع منتجا معينا) كما قالت “لين ليزبل” استاذة علم الأنثروبولوجيا (علم الأنسان) في جامعة كاليفورنيا/ ديفز(و هي جامعية بحثية)، لكن التطوريعني (مدى جودة ملائمة الكائنات الحية الموجودة لبيئتها التي تعيش بها). ما يجب قوله هنا ان التطور الذي حققه الأنسان لا يعدّ اكثر تطورا مما حققته القردة العليا الأخرى في نظر العلماء المختصين بهذا المجال واننا (البشر) لم نربح ما يدعى بـ “لعبة التطور”. الآ اننا نستطيع القول بأن “اقصى درجة من التكيّف” هي من مكّنت الأنسان من التلاعب بعدد من بيئات المعيشة ليطوعها اليه وحسب حاجته، وهذه القابلية التي نتحدث عنها لا تكفي لجعل الأنسان في أعلى سلم التطور.

خذ “النمل” على سبيل المثال. فأن النمل يعد ناجحا بنفس الدرجة التي نحن عليها او حتى أكثر من ذلك كما قالت “ليزبل”، لأن هنالك الكثير من النمل حول العالم و أكثر من البشر وهم قد تكيّفوا بشكل جيد في البيئة التي يعيشون بها.
و بينما لم يستطع النمل ان يطور القدرة على الكتابة (لذلك فقد اخترعوا الزراعة بزمن طويل قبل ان نظهر نحن على الأرض) لذا فهم يعدّون حشرات ناجحة و بشكل رائع. ولأنهم فقط لم يكونوا جيدين بشكل واضح في المجالات التي قرر الأنسان ان يوليها اهتمامه و التي حدث فيما بعد أن الأنسان قد تميز بها، فنستطيع ان نفهم الفكرة القائلة بأن “أفضل كائن ملائم لبيئته” هو اما الأقوى او الأسرع، وفي الحقيقة ان كل ما يجب عليك فعله للفوز بلعبة “التطور” هو ان تبقى على قيد الحياة و أن تقوم بعملية اعادة انتاج الجنس او الصنف الذي تنتمي اليه كما صرحت “بوبنر” بذلك.
أن تنوع اسلافنا من “سلف شمبانزي” هو مثال جيد على ما نحن بصدده، و بينما لا نملك سجلا احفوريا كاملا للأنسان او الشمبانزي اليوم، الا ان العلماء لديهم دليل على “متحجرات مركبة” من الصنفين مع وجود ادلة جينية و سلوكية مستقاة من قردة عليا حية لنتعلم و نستدل منها على الأجناس المنقرضة حديثا والتي اصبح نسلها بشرا او شمبانزي.
فنحن لا نملك شيئا من بقاياها بعد في يومنا هذا، ولست واثقة من ان باستطاعتنا ادخالها ضمن الخط الزمني التسلسلي المؤكد لتطور الأنسان. الا ان العلماء يعتقدون بأن هذا الكائن المقصود (السلف) يبدو اقرب الى صورة الشمبانزي اكثر من صورة أنسان و يبدو انه على الأغلب قد أمضى حياته تحت مظلة الغابات الكثيفة يتنقل بين الأشجار بدون ان يلامس الأرض حتى كما تقول “ليزبل”.
يعتقد العلماء بأن اسلاف الأنسان بدأو يميزوا أنفسهم عن أسلاف الشمبانزي عندما بدأو ينزلون من الأشجار الى الأرض و يمضون عليها فترة أطول و ذلك لأنهم كانوا يحاولون أيجاد الطعام بسبب انهم كانوا في بيئات جديدة عن سابقتها كما تقول “ليزبل”.
لقد كان أسلافنا الأوائل الذين تفرعوا من سلفنا المشترك مع الشمبانزي بقدرة مكنتهم من التنقل عبر الأشجار و السير على الأرض كما صرحت “ليزبل”، واقرب ما يمكن ان يكون عليه هذا السلف هو تواجده _قبل 3 ملايين سنة_ حيث بدأت أرجلهم بالأستطالة و بدأ اصبع قدمهم الكبير بالتوجه الى الأمام بأعتدال ليمكّنهم من المسير على الأرض طوال الوقت.

من المحتمل ان اختلافا في بيئات المعيشة التي نزل بها الأسلاف يمكن ان يكون السبب الأول الذي يؤشر هذا التغير في التصرف السلوكي (من الأشجار الى الأرض) مما ادى الى الأعتماد أكثر على المسير من البقاء على الأشجار كما تقول “ليزبل”، حيث انه من المحتمل ان اجدادنا ارتحلوا الى بيئات لا تتيسر بها ظلّة مغلقة و قد تجولوا في اماكن كانت فيها الأشجار متفرقة و متباعدة.
اما الباقي من هذا الأمر فهو موجود في تاريخ الأنسان الحديث. و بالنسبة للشمبانزي فأن بقائهم على الأشجار لايعني بأنهم لم يتطوروا. ففي عام 2010 تم نشر تحليلا جينيا كان يشير الى ان اسلافهم قد انفصلوا من سلف يعود لفصيلة (البونوبو) قبل 930،000 سنة مضت، و أن أسلاف ثلاثة من الأجناس الثانوية الموجودة اليوم قد تباعدت و تفرقت قبل 460،000 عام اما ما ندعوه “بالقردة الشرقية” (التي تعيش في افريقيا الوسطى، جنوب السودان، رواندا، تنزانيا و اوغندا) و “قردة الوسط” التي تعيش في (الغابون و الكونغو و الكاميرون) فقد تميزت عن شبيهاتها قبل 93،000 عاما فقط.

انها بالحقيقة تقومو بعمل رائع بكونها شمبانزي كما تقول “بوبنير”، وهم متواجدون حولنا و سيبقون لفترة طويلة من الوقت اذا لم نقم بتدمير بيئاتهم التي يعيشون بها.
تحياتي
لمن يود قراءة المقال الأصلي: https://www.livescience.com/author/grant-currin

About مازن البلداوي

مازن البلداوي كاتب عراقي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.