لماذا القمح المسلوق في عيد القديسة بربارة ؟

من التقاليد العريقة في الكنيسة الأرثوذكسية، أن يُسلَق القمح في عيد القديسة العظيمة في الشهيدات بربارة. حيث تُعَدّ صينية القمح المسلوق، المُسمّاة باليونانية
κόλλυβα
(كوليفا) وتُزيّن بالسُكّر المطحون والزَبيب والرُمّان واليانسون والقِرفة وبعض أنواع المُطيّبات والمُكسّرات الأخرى. وفي الأديرة يقوم الرهبان أو الراهبات بتشكيل أيقونة القديسة بربارة على وجه الصينية بواسطة هذه المواد المذكورة، كما تشاهدون في الصورة المُرفقة.

في الواقع إن تقليد تحضير القمح المسلوق (الكوليفا) ليس مرتبطاً حَصراً بعيد القديسة الشهيدة بربارة، بل ويشمل أيضاً أعياد القديسين عموماً، والشُهداء منهم خُصوصاً. وكذلك يتمّ إعدادُهُ في سَبتَيّ الراقدين (السبت الذي قبل أحد مرفع اللحم، والسبت الذي قبل أحد العنصرة) وفي التذكارات الخاصة للراقدين (جناز الثالث والتاسع والاربعين..) وبحسب العوائد الرهبانية المُتَّبَعة في الأديرة الأرثوذكسية، لا سيما أديار الجبل المقدس آثوس، تُقدَّم صينية من القمح المسلوق، عموماً، في كل أيام السبوت على مدار السنة، وتُقام صلاة “التريصاجيون” (النياحة) من أجل راحة نفوس الراقدين. وذلك لأن يوم السبت في التقليد الليتورجي الأرثوذكسي مُخصّص لتذكار الراقدين، حيث يُصَلّى على صينية القمح المسلوق “الكوليفا” في نهاية القداس الإلهي ليوزَّع بعدها على الحاضرين. ولكن نظراً للشعبية التي تتمتّع بها القديسة الشهيدة بربارة، عند المؤمنين في بلاد الشام، فقد إرتبط عيدها بالقمح المسلوق أكثر من غيره.
إن حبّة القمح لا تُثمر ولا تأتي بسُنبلة إلّا إذا ماتت، كما يقول السيّد المسيح له المجد: “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ.” (يوحنا 12: 24) وهذه الصورة الرمزية تُشير إلى حياة الشُهداء القديسين، الذين بإستشهادهم وقبولهم العذابات وتفضيلهم الموت على أن يُنكروا المسيح ويجحَدوا الايمان به، إنما أعطوا بعملهم هذا إنتشاراً ونُموّاً أكثر وفرة للإيمان المسيحيّ، كحبّة القمح الواحدة التي إن تفسَّخت قشرتها في التراب وماتت تأتي بسُنبلةٍ خضراء يانعة مليئة بحبّات القمح.


وهذه الصورة أيضاً تُشير إلى قيامة أجسادنا في المجيء الثاني للمسيح، إذ كما تُدفَن حبّة الحِنطة وتَنحَلّ في الأرض وتفقد شَكلها الأول ولكنها تقوم في منظرٍ أكثر بهاءاً وجمالاً من الأول، هكذا أجسادنا التُرابيّة التي تنحَلّ وتَفنى في الأرض بعد الموت، ستقوم بغير فساد بهيئةٍ نورانيّة، وتلبس في القيامة طبيعةً مُمَجّدَة على مثال جسد المسيح القائم من بين الأموات (أنظر 2 كورنثوس 58:15-35)
والقديسون إختبروا عربون هذه القيامة، هم الذين بموتهم عن ذواتهم وعن العالم وأباطيله، ليعيشوا كلياً للمسيح، نالوا به الحياة الحقيقية، فأتت حياتهم بكل ثمار الروح القدس، ومن بعد رُقادهم تفيضُ أجسادهم برائحة الطيب وتجري بها عجائب شفاء. وهي أيضاً دعوة كلّ مسيحي لأن يموت عن أنانيته وكبريائه وطَمَعِه وأهوائه وخطيئتة ليعيش للمسيح، فيتذوّق فرح الملكوت بدءاً من هذه الحياة، لأنه بدون أن “يموت” فينا الإنسان العتيق الذي أفسَدتهُ الخطيئة، لا يُمكنُنا أن نختبر “القيامة” والفرح الحقيقي والحياة مع المسيح، لأنه لا قيامة دون العبور بخبرة الصليب والموت.
يُقال أيضاً أن القديسة بربارة لما هَربت من والدها الوثني الذي طاردها ليقتُلها بعد عِلمِه باعتناقها للمسيحية، إختبأت في حقل قمح بين السنابل التي غطّتها وأخفتها عن عيونه. ويروي البعض أيضاً أنها عند هروبها صادَفَت بعض الرعاة وكانوا يسلقون القمح، فطلبت منهم شيئاً للأكل فأعطوها بعض القمح المسلوق لتأكله. ولكن مهما كان من أمر هذه الروايات، يبقى الأهم والثابت عندنا المعنى والقيمة الرمزيّة للقمح كما أشار إليه الرب يسوع المسيح في الإنجيل.
كل عيد بربارة وجميعكم بخير
بقلم: رومانوس الكريتي

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.