لقاء سترافنسكي ونجنيسكي

غالباً ما يبدع الفنانون طرقاً جديده للرؤية والسماع والمعرفه في هذا العالم , سترافنسكي ونيجنيسكي كانا من بين هؤلاء , لأنهما إبتكرا موسيقى وباليه لم يقدمهما أحد قبلهما

إيغور سترافنسكي 1882 _ 1971 واحد من أهم مؤلفي الموسيقى الحديثه في القرن العشرين . حين كان في 8 من العمر كان يحفظ عن ظهر قلب كل نوتة ( الجمال النائم ) لجايكوفسكي . بدأ بدراسة البيانو منذ سن مبكره ولكنه حين أصبح شاباً أجبره والده على ترك الدراسه والإنتساب الى كلية القانون

توفي والده عام 1902 فعاد الولد الى دراسة البيانو من جديد ودرس جميع أعمال المؤلف الروسي ( ريمسكي كورساكوف ) وتعلم إستعمال البيانو منفرداً لتأليف جميع أعماله الأوركستراليه متخيلاً بقية أصوات النوته وآلاتها في ذهنه فقط

من أعمال سترافنسكي المبكره تقديمه لمعزوفة فاير وورك ( ألعاب ناريه ) التي إستمع إليها متعهد الباليه الروسي ( سييرجي دياغلييف ) الذي قدّم دعوه الى سترافنسكي لتأليف موسيقى للباليه الجديد الذي يحمل عنوان فاير بيرد ( عصفور النار ) الذي يعتبر الباليه الأول الذي لحنه سترافنسكي

كان إيقاع الباليه غير معتاد وأنغامه متنافره ويختلف كثيراً عن الموسيقى المتعارف عليها خلال القرن 19 مما أدهش المتفرجين الباريسيين المتحمسين

عام 1911 إلتقى سترافنسكي براقص الباليه فاسلاف نيجنيسكي وكتب له موسيقى باليه ( بتروشكا ) التي رقص فيها نيجنسكي بدور الدميه بتروشكا . أصبح سترافنسكي ونيجنسكي يؤلفان فريقاً ملهماً وقدما عملاً آخر هو ( ذا رايت أوف سبرينغ ) أي : طقوس الربيع , وكان ذلك عام 1913

كان سترافنسكي متعطشاً للموسيقى الحديثه فأنتج أعمالاً لم تزل حتى اليوم تلهم غيره من المؤلفين الموسيقيين ومصممي رقصات الباليه , والفنانين البَصَريين , والكتّاب

راقص الباليه فاسلاف نيجنيسكي 1889 _ 1950 يعتبر أعظم رجل رقص الباليه في القرن العشرين , جاب أرجاء روسيا مع فرقة الباليه التي يديرها والداه منذ مرحلة مبكرة جداً من حياته . حين اصبح عمره 9 سنوات سجلته والدته في مدرسة الباليه القيصريه في سانت بطرسبرغ

بسبب نحافته وقدرته على الرقص على البقعه مستنداً فقط على أصابع قدميه وهي قدرات في فن الباليه لا يمتلكها الرجال عادة , أصبح واحداً من أشهر راقصي الباليه في كل أوربا , أما حين إنضم الى فرقة الباليه التي أدارها سييرجي دياغلييف وقدّم باليه بتروشكا الذي يعد حتى اليوم أعظم باليه قدمته فرقة سييرجي دياغلييف , وفي باليه طقوس الربيع الذي كتب سترافنسكي ألحانه عمل نيجنسكي على تصميم رقصات هذا الباليه إضافة الى رقص دور متميز فيه

تم تقديم باليه ( طقوس الربيع ) أول مره على مسرح الشانزليزيه في باريس بتاريخ 29 مايس 1913 . تضمن الباليه 46 راقص باليه و99 عازف اوركسترا تم تمرينهم ب 100 جلسة تمرين , وكان طول الباليه هو 34 دقيقه فقط

منذ هذا الباليه تغير وجه عالم الموسيقى والباليه الى الأبد . حالما بدأت الأوركسترا بالعزف وإرتفع صوت الباسون عن المألوف ( الباسون نوع من المزامير ذات القصبه المزدوجه ) حتى إرتفع معه ضحك الجمهور وصراخهم . سترافنسكي كان قد كتب نوتة الموسيقى بطبقات صوتيه عاليه حتى بدت وكأنها أصوات آلات قرويه غير مدربه

حين دخل الراقصون الى المسرح وكانوا يتقافزون متأثرين بأداء الرقصات الشعبيه الروسيه وتصدر أقدامهم أصواتاً عاليه عند إرتطامها بالأرض , إزداد إعتراض المتفرجين الذين تعودوا على باليهات مثل بحيرة البجع وكسّارة البندق , ولهذا علا الصراخ أثناء العرض بين محتجين ومشجعين لما يُعْرَض ثم بدأ التضارب بالمظلات والأحذيه وأخيراً جاءت الشرطه

النقّاد الفنيون الفرنسيون الذين كانوا يكتبون في صحيفة نيويورك تايمز كتبوا عن صدمتهم وهم يتعرضون للضرب من قبل المتفرجين , أو وهم يشاهدون مصمم رقصات العرض نيجنيسكي وهو يصعد على أحد الكراسي ملوّحاً للراقصين بأطراف معطفه للإبتعاد عن مواقع يتعرضون فيها الى الضرب أو الإصابه في مواقع عراك محتدم بين محتجين ومناصرين لهذا العرض

ليست الموسيقى والرقص وحدهما اللذان تعرضا الى التغيير عند مفتتح القرن العشرين , هناك تغييرات كبيره في الرسم وقعت على يد بيكاسو منذ العام 1907 وتغيرات كبيره في أشكال كتابة الأدب , حركات ثورية من هنا وهناك لا تعرف من يغذيها ويدعمها , تغيرات سياسيه جسيمه بدأت تقع في أوربا منذ ربيع الثورات الأوربيه الذي بدأ في العام 1840 , تزعزع للثقه في كل ما هو ثابت , وتشكك كبير في كلما هو متحول .. حتى إندلاع الحرب العالمية الأولى

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in الأدب والفن, يوتيوب. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.