لا ونعم للتطبيع..

يستأنف الأستاذ عربي حديثه مع صديقه حكيم؛ بعد أن ارتشف من فنجان قهوته المفضلة الاسبريسو ووضعه على الطاولة، وبعد أن ملّ الحديث عن سوق العقار وانشغاله بمستقبل ولده واعتراضه على الجسر الذي تم تشييده في طريق المطار.. ينتقل للشأن السياسي ويسأل حكيم ما رأيك بالتطبيع مع إسرائيل!

حكيم: رأيي من رأي عموم العرب، والسلام مقابل الأرض المحتلة عام 67.

عربي مقاطعاً وملقياً على حكيم محاضرة صغيرة فيها هجوم على الفلسطينيين أكثر منه حديث عن مبررات التطبيع. مستهلاً الهجوم بالاسطوانة المشروخة وهي بيع الفلسطيني لأرضه، ومنهيها بمعلومات تاريخية سطحية تشبه معلومات كاتب سيناريو مسلسل أم هارون الذي تحدث عن انتهاء الانتداب البريطاني على أرض “اسرائيل” رغم أن الإسرائيليين أنفسهم يقرون أن بريطانيا كانت تسميها فلسطين، وقال ذات مرة “نتنياهو” عن تكرار مصطلح فلسطين في التاريخ والوثائق الدولية بأن ذلك من صناعة بريطانيا.

يظن بعض العرب البعيدين عن خط المواجهة مع الكيان الإسرائيلي في العراق والجزيرة العربية وشمال أفريقيا أن إقامة علاقات مع إسرائيل هو خيار مفتوح ويخضع لنظرة الحاكم أو السياسي للحياة والعلاقات بين الدول. وكما تدخل السوبر ماركت وتختار بين هذه السلعة أو تلك؛ يمكنك أن تختار تقيم علاقات مع إسرائيل أو لا.

ويحتج أولئك العرب القاطنين بعيداً عن اسرائيل بأن الفلسطينيين يتحدثون مع الاسرائيليين وفعلها السوريون واللبنانيون؛ بل وتقيم مصر والأردن معاهدات سلام مع إسرائيل.. وبالتالي فهم مهتدون بهدي من سبقوهم.

ولا يدرك أولئك أنهم بهذه الحجة ردوا على أنفسهم .
فدول المواجهة تقيم علاقات أو محادثات بقوة الجغرافيا ولحل مسائل مرتبطة باحتلال الأرض وما تبعه من تهجير للناس وصراع على المياه وغيرها مما خلفه الاحتلال.

وتلك الدول خاضت حروبا مع اسرائيل انتهى بها المطاف لأسباب متعلقة بالتوازن الدولي ومراكز القوى باللجوء للحل السياسي وتواصلت مع اسرائيل مضطرة مع حصولها على مقابل لتلك العلاقات. فقد استعادت مصر كامل سيناء والأردن مساحة من الأرض المحتلة في الشريط الحدودي آخرها منطقتي الباقورة والغمر.

أما شعوب الجزيرة العربية والعراق وبلاد المغرب فما هو المقابل الذي سيجنونه من تلك العلاقة، وما الضرر الذي يلحقهم من عدم إقامة علاقة بدولة اسرائيل.

هذه هي مساحة النقاش لمن أراد الحديث عن التطبيع، وقد لا يفرق بعض المتحمسين لهذا التطبيع بين النكبة والنكسة واللاجيء والنازح، ويغط أنفه بقضية يجهل عمقها وأبعادها بل وأبجدياتها.

ومن السذاجة أن يتحدث جهلاء السياسة عن الاتصالات بين الفلسطينيين والاسرائيليين وهذا أحد مؤشرات الانفصال عن الواقع، لأن كلاهما الفلسطيني والاسرائيلي يقيمان فوق أرض واحدة وفي زحام عليها؛ كسكان عمارة واحدة يجبرهم الأمر الواقع التفاهم على كيفية اقتسام المياه والكهرباء، كما أجبروا لسنوات على الحروب التي قد تعود مجدداً طالما حرم صاحب الحق من حقه وهزم بالسياسة كما هزم بالحرب.

كل الدول التي فتحت فيها مكاتب لاسرائيل من غير دول المواجهة كقطر وعُمان، وموريتانيا التي أقامت علاقات دبلوماسية كاملة في زمن ما؛ لم تفعل ذلك لمصلحة وطنية ولا قومية بل لمصالح أضيق من الوطنية بكثير.
ولنا بموريتانيا خير مثال حيث فشل مشروع العلاقات مع إسرائيل فشلاً ذريعاً.

ليس هناك قدسية في المواقف السياسية؛ لكن القرار السياسي لا يقوم على مصالح ضيقة وانطباعات بل معطيات ومصالح استراتيجية وتنبؤ؛ كما فعل أنور السادات الذي حارب الاسرائيليين وعندما خشي من فقدان مكاسب الحرب طلب إقامة العلاقات معهم مقابل الأرض، وتمكن من استعادة كامل التراب الوطني لقاء معاهدة السلام، بعد محادثات شاقة ومعقدة تمكن خلالها المصريون من اقتلاع حقوقهم بالسياسة في عهد السادات والقانون الدولي بعهد حسني، وليس مقابل كوب قهوة في ضواحي واشنطن دي سي.

عودوا لوثائق المفاوضات بين المصريين والأردنيين والفلسطينيين مع إسرائيل وبين الموريتانيين والإماراتيين (عند نشرها) مع إسرائيل لتعرفوا الفرق بين تطبيع وتطبيع، و “لا.. ونعم للتطبيع).. كما هو عنوان المقالة.

حكيم لعربي: لعلك تكتفي بالحديث عن العقارات التي تعرفها يا عربي، وتترك العقارات التي لا تفقه بها لأهلها.. لأن حديثك السياسي السطحي يا عزيزي ممل..

(كتبت مسودة المقالة قبل إعلان تطبيع العلاقات الإماراتية الاسرائيلية.. وما قد يتبعها من تطبيعات مماثلة).

About يوسف علي الشاعل

.. يوسف علي الشاعل السعودية مواليد 1975 متزوج ماجستير قانون عام باحث عربي مؤمن بالتضامن الشعبي العربي بغض النظر عن توافق الحكومات
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.