لؤي حسين: مشروع عمل

لؤي حسين

ما سأقوله هنا ليس رأياً بل مشروع عمل.
بات يتوجب علينا الآن البدء بمرحلة سياسية جديدة وإعادة النظر بالنظام السوري ورئيسه.
لماذا الآن: لأن الحرب بين الأطراف المتصارعة انتهت بشكل تام على جميع الأراضي السورية. فجميع الأطراف المسلحة، تقريبا، باتت تحت سيطرة مطلقة لأربع دول: روسيا، أميركا، إيران، تركيا. أما إدلب حكايتها دولية لا علاقة للسوريين فيها. وهي لا تشكل خللاً بما عممته بعبارة انتهاء الحرب.
لماذا مرحلة جديدة: لأن التحديات الآن تختلف جذرياً عما سبقها، وموازين القوى باتت واضحة الأثقال تماماً.
لا بد بداية من وضع رؤية عامة تحدد لنا الهدف البعيد الذي يتوجب علينا العمل لتحقيقه. وأعتقد أنه من الملائم لنا جميعنا أن تكون رؤيتنا هي:
«إقامة دولة ديمقراطية تتأسس على المساواة بين جميع الأفراد من دون أدنى تمييز. وأن تكون هذه الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان والعقائد والطوائف والقوميات، أي دولة علمانية».

ومن الجيد أن نذكر بعص المحددات للسير في هذا المشروع:
علينا الابتعاد قدر الإمكان عن التفكير العاطفي والانفعالي في النظر إلى واقع حالنا وفي وضع السبل للخروج مما نحن فيه لما هو أفضل.
كذلك علينا الخروج من ثنائية معارض/ موالي، إذ صار الواقع يتطلب إعادة اصطفاف جديدة.
علينا دوما البحث بما هو أفضل لسوريا والسوريين وليس لهذا الطرف أو ذاك، أو هذه الطائفة أو تلك، أو هذا الشخص أم ذاك.

يتوجب على أي دولة حتى تكون قادرة على احترام مواطنيها السوريين، بغض النظر عن نظام الحكم فيها، يتوجب عليها إطلاق الحريات الفردية وتأسيس سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية حقوق الأفراد من استبداد السلطات.
ولكن قبل هذا الكلام وسواه علينا البدء بخطوة لا تحتاج لكثير من النقاش والجدال، هي إعادة “عَمارٍ” حقيقية نعيد فيها بناء سوريا كوطن لجميع السوريين على قاعدة المساواة بين الأفراد من دون أي استثناء.
الجهة الوحيدة التي بمقدورها القيام بعملية إعادة الإعمار هي حصراً السلطة السياسية السورية، أي السلطة التنفيذية. لا المعارضة، ولا الشارع، ولا الجماهير، ولا الدول الضامنة، ولا الدول المتنفذة على الأراضي السورية.
وهنا يستوقفنا سؤال لا مهرب منه: هل بمقدور السلطة السياسية الحالية بقيادة الرئيس بشار الأسد القيام بعملية إعادة إعمار حقيقي؟ جوابي هو: هناك استحالة في ذلك لعدة أسباب، من بينها:
أولا، السلطة الحالية فاقدة القرار بشكل مطلق على جميع مجريات الفعل في البلاد، ما عدا صغائر الأمور. وهذا يمكن إثباته بالكثير من الأدلة. فالقرار الآن بشكل مطلق بيد روسيا: شرط ألا يتعارض ذلك مع المصالح الأميركية العميقة.
ثانيا، تشترط الدول والجهات التي في مقدورها تمويل إعادة الإعمار، تشترط إجراء عملية سياسية تمكّنها من تقاسم السلطة السورية مع روسيا. وحسب اعتقادي أن روسيا لا تمانع ذلك، لكن الولايات المتحدة تريد أكثر. إذ أظن أنها تريد الحصول على كامل غنائم روسيا من الحرب في سوريا، وذلك عبر «تطنيش» الإقدام على أي عملية سياسية تسووية بقصد استنفاد طاقة روسيا أكثر في سوريا.
ثالثا، السلطة الحالية برئاسة الأسد لم تثبت ولا مرة أن لديها أي نية في اعتماد مسار وطني ديمقراطي في قيادة البلاد، وربما ليس في مقدورها هذا لأن قيادة البلاد بوسائل ديمقراطية سلمية تحتاج لإقناع عقول الناس ببرامج السلطة، والسلطة لا تمتلك أي أدوات إقناع، أما الوسائل الديكتاتورية القمعية فلا تحتاج إلا للبطش بواسطة أجهزة مخابرات باطشة، وهذا من أهم ما تتمتع به سلطتنا. وأنا أتحدث عن هذا الجانب من موقع المطلع على آليات عمل السلطة «البشارية».
هذه السلطة اكتفت بخرافة «الممانعة». أي فقط «المتانحة» في وجه الدول الغربية. هذا هو مشروعها الوحيد. وهذا مشروع سلبي ليس له استراتيجية سوى «المتانحة». فهو لا ينظر إطلاقاً إلى حال البلاد ومواطنيها، وكيفية تأمين حاجيات الناس، ورعاية كراماتهم، بل تقتصر نظرته على «الأعداء».
من الصعب على السلطة الحالية القيام بعملية إعادة الإعمار بالالعتماد على حلفائها روسيا وإيران وحتى فنزويلا، لأن هذه الدول ليس لديها القدرة الاقتصادية على القيام بذلك. هذا إضافة للصين التي لا يمكن أن تضع نفسها في مثل هذا الموضع.
النتيجة الواضحة كعين الشمس هي أن وجود بشار الأسد في سدة الرئاسة بات معيقاً، بل المعيق الرئيسي، لعملية إعادة الإعمار التي من دونها لا يمكننا فعل أي شيء.
هل هذه النتيجة هي بمثابة استجابة للمطالب الغربية؟
لا، إطلاقاً.
فالدول الغربية جميعها أعلنت بصريح العبارة أنها لا تشترط رحيل الأسد للقيام بإعادة الإعمار. إضافة إلى أنها لم تسعى خلال السنوات السابقة للإطاحة به، فكل مرادها كان تكبيد روسيا وإيران أكبر الخسائر في سوريا من خلال دعم جهات جهادية نقيضة بالشكل لقوات الأسد. فغريمها روسيا وإيران وليس النظام ورأس النظام. وكل كلام مصدره الموالاة يخالف ذلك هو لإعطاء الأسد أهمية خاصة. وإن صدر عن المعارضة فلكي تبرر هزيمتها بأنه نتيجة عدم التزام الغرب بتعهداته وليس بسبب غبائها وأكثر.
كما أني أجزم أنه ليس من غايات الغرب إقامة دولة ديمقراطية علمانية في سوريا، وبالتأكيد ليس إقامة دولة جهادية، بل كيانا مهزوزا لا حيلة له، مرهون بدولة أخرى حتى لو كانت خصمه روسيا.
ربما كانت الإطاحة بالأسد رغبة عند بعض الدول الخليجية في إطار صراعها مع إيران، ولكن هذه الدول باتت بعيدة، أو مبعدة، عن الميدان السوري.
في تلخيص مكثف لهذه المقدمة لتوصيف خطوة إعادة «العَمَار» يمكننا القول إنه من الواجب علينا الإطاحة ببشار الأسد عن سدة السلطة، ولكن: بطرق سلمية آمنة، أكرر: سلمية آمنة. المقصود بالأمان هنا هو عدم التسبب بأي إضرار لمؤسسات الدولة وبنيان المجتمع بأي شكل كان.
الإطاحة به ليس لهدف مزاجي، ولا بهدف الانتقام أو القصاص أو الثأرية. بل لهدف وحيد هو إزاحته باعتباره العقبة الرئيسية في سبيل بناء الوطن السوري.
كلامي هذا ليس جديداً، بل كان بصيغة أخرى موضوعاً لمحاضرة ألقيتها في «كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية» ربيع ٢٠١٢، كانت بعنوان «إسقاط النظام ليس غاية بحد ذاته». وكنت حينها أواجه طرح المعارضة التي تريد إسقاط النظام كغاية بذاته، ومن بعده «فليكن الطوفان».
كنت مخالفاً دوماً لطروحات المعارضة بما يخص ذلك، فقد كان هدفي دوماً بناء دولة ديمقراطية تقوم على المساواة بين الأفراد، ولهذا كان لا بد من تذليل جميع العقبات التي تحول دون ذلك وفي مقدمتها النظام الديكتاتوري السوري، ولاحقاً صار إنهاء جميع القوى الجهادية الطغيانية بدءاً بجيش الإسلام وصولاً إلى داعش، مروراً بدار الإفتاء.
الإطاحة ببشار الأسد ليست فِعلاً مناطاً بـ«المعارضة الرسمية» التي عرفناها خلال السنوات الماضية، لكونها جميعها عبارة عن تمثيل غبي لجماعات طائفية جهادية شوارعية عميلة جملة وتفصيلاً للدول الأخرى، بل هذه «الإطاحة» مَهمّة أي سوري، كائناً ما كان منبته السياسي، مقتنعاً بضرورة العمل الجدي لبناء «الوطن السوري». أقصد بالعمل الجدي عدم انتظار الدول أو الأقدار لتحديد مستقبلنا، بل علينا نحن صناعة أقدارنا ولو كانت ضمن رؤيتنا لأدوار الدول في المستقبل السوري.
إذن الإطاحة ببشار الأسد ليس بسبب شخصه، ولا لأي اتهام له بارتكاب مخالفات وطنية، بل لعدم أهليته على المشاركة في عملية الانتقال إلى حالة “الوطن السوري».
استخدمت كلمة «الإطاحة» لأن «بشار الأسد» لم يعد مجرد شخص، بل بات منظومة من الميليشيات المسلحة، والارتباطات الخارجية، والعلاقات المالية، وبالتالي لا تكفينا عبارة إزاحته عن السلطة.
ولا بد لنا من إنتاج قيادة سياسية تقودها شخصية وطنية قادرة على وضع برنامج لاستعادة السيادة الوطنية وبناء الوطن السوري الذي يتسع للجميع دون أدنى استثناء.
نتوقف هنا عند السؤال: وكيف لنا ذلك؟ كيف يمكننا ذلك؟ كيف يمكننا ذلك وجميع الدول لا تهدف إلى جعل الكيان السوري «وطناً سورياً»؟
لا يحق لي محاولة الإجابة على مثل هذا السؤال الكبير، لكن يمكنني القول أن وجود الناس متناثرين فرادى لا يجعل من حقهم القول بـ«نحن» سياسية. فما لم يكونوا جماعة حرة متشكلة من أفرادٍ أحرارَ الرأي والقول والفعل لا يجوز لهم طرح تلك الأسئلة بصيغة الجماعة بل فقط بصيغة المفرد. يعني أي أحد يحق له طرح هذه التساؤلات على الشكل التالي: «كيف لي ذلك؟ كيف يمكنني ذلك؟…».
الفرد لا يمكنه القيام بأي فعل، بما في ذلك وضع منهاج عمل. يمكنه فقط قول رأي شخصي. المجموعة المبنية على ضرورة أن تجعل من سوريا طرفاً له ثِقل، مهما كان وزنه، في المعادلة الدولية لتقرير مصير السوريين ورسم مستقبل بلادهم، هي التي في مقدورها أن تعطينا إجابات واقعية ممكنة التحقق تجعلنا نلتف حولها بدافع وطني وليس خدمة لهذه الدولة أو تلك، أو إِضراراً بهذه الدولة أو تلك. نلتف حولها ليس بدافع انفعالي أو عاطفي بل بدافع ناتج عن عملية تفكير لا تهاب رأي الجموع كما لا تهاب جَلَسَةَ المقاهي وما يشابهها.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.