كيف يمكننا “تجديد” الخطاب الديني

د. توفيق حميد

أثارت قضية تنقيح وتجديد الخطاب الديني جدلاً كثيراً في المجتمعات العربية. وتبنى فكرة التجديد العديد من المفكرين وطالبوا مشيخة الأزهر بعمل هذا التجديد.

ويرى كثيرون أن عملية تنقيح الخطاب الديني في الدول الإسلامية لتجديده هو ضرورة حتمية خاصةً بعدما تسببت بعض المفاهيم الدينية في كوارث عديدة منها كارثة الإرهاب وكارثة إهدار حقوق المرأة واستخدام العنف داخل المجتمع لفرض أفكار معينة عليه، وغير ذلك من الكوارث التي تولدت من رحم المفاهيم الدينية التقليدية والتي يتم تدريسها على أنها هي الدين.

ومن هذه المفاهيم مفهوم قتال غير المسلمين لنشر الدين ووضع حدود لمعاقبة تاركي الصلاة والمجاهرين بالإفطار وإباحة العنف مع النساء وفرض الحجاب عليهن بالقوة، وغير ذلك من البشاعات التى تتعارض مع كل مفاهيم الرحمة والإنسانية والضمير.

ويزيد الطين بلة ما تذكره كتب التراث التقليدية عن الرسول مثل قصة ذبح أم قرفة وشقها إلى نصفين لأنها انتقدته في شعرها، ومثل زواجه وهو فوق الخمسين من عمره من طفلة بنت سبع سنين ودخوله بها وهي ابنة تسع وفقأ عين الأسرى وغيرها من البشاعات التي نسبت إليه ظلماً وبهتاناً وزورا.

فكيف يتأتى لمن قيل أنه أسوة لمن اتبعوه (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا- الأحزاب 21) والذين قال القرآن عنه أنه أرسل رحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ- الأنبياء 107) أن يفعل مثل هذه الأشياء التي ترفضها كل نفس سوية.

ولنكن صرحاء مع أنفسنا، أن ترك مثل هذه التعاليم دون تنقيحها لن ينتج عنه إلا مزيد من الهجوم على الإسلام من داخله ومن خارجه. ويكفي أن نرى كيف تولدت ظاهرة كراهية الإسلام في العالم وكيف يزداد أرقام الملحدين في العالم العربي يوماً بعد يوم خاصة في جيل الشباب.

والعجيب هنا أن تنقيح وتجديد الخطاب الديني، والذي عجزت مؤسسة الأزهر عن فعله قد لا يحتاج أكثر من إتباع بعض المبادئ الرئيسية في الفكر الإسلامي:

المبدأ الأول في هذا السياق، هو جعل الأولوية للقرآن قبل كل كتب التراث البشرية والتي جمعها البشر.

فشتان بين كتاب قال الله عنه ” إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ – سورة القيامة 17″ وبين كتب جمعها أو كتبها أناس بعد مئات السنين من وفاة الرسول.

وهذا المبدأ وحده كفيل بإنهاء حكم الردة والرجم وقتل المثليين وذبح تاركي الصلاة وعقوبة المفطرين في رمضان وغيرها من المفاهيم الدينية التي ما أنزل الله بها من سلطان.

فكل هذه الحدود المفتراة على الله ورسوله لم ترد في القرآن وعلى العكس تماماً فهي تناقض صريح القرآن مثل (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ – سورة البقرة 256) و(فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ – الكهف 29).

أما المبدأ الثاني، فهو استخدام الضمير في الحكم على الأمور الدينية. وهذا المبدأ أقره القرآن الكريم في قوله تعال ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا- سورة الشمس 7-8) وذكره الرسول عليه السلام في قوله (استفت قلبك, والبر ما اطمأنت إليه النفس, واطمأن إليه القلب, والإثم ما حاك في القلب, وتردد في الصدر, وإن أفتاك الناس وأفتوك).

ولو استخدم كل إنسان ضميره في الحكم على الأشياء وعامل الناس كما يحب أن يعاملوه لتغيرت أمور كثيرة في العالم الإسلامي ولقل التعصب الأعمى ولتغير الظلم الذي يتم بإسم الدين فيتم به قهر المرأة وقمع الأقليات الدينية ومعاقبة الفكر المختلف لا لشيء إلا لأنه مختلف.

المبدأ الثالث في موضوع تجديد وتنقيح الخطاب الديني يمكن أن يتم بسهولة إذا نظر الناس للدين من خلال الآية التالية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ- سورة الأنبياء 107) ففي هذه الحالة سيرفضون أي شيئ مخالف لهذه الرحمة مثل قصة قتل أم قرفة المذكورة أعلاه ومبدأ قتال الناس وإكراههم على الدين واستخدام العنف كوسيلة لفرض الدين على الناس. فالعنف وفرض الرأي بالقوة والعنف لا يمت لصفة الرحمة بأي صلة!

والمبدأ الرابع، هو رفض الظلم بجميع أنواعه. فكما ذكرت الآية الكريمة (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ). وليس على أي إنسان إلا أن يسأل نفسه:
هل ظلمت أحداً في حياتي؟
هل تعصبت ضد إنسان وظلمته من أجل دينه أو عقيدته أو فكره؟
هل ظلمت زوجتي؟
هل ظلمت جارى؟
هل ظلمت مسكيناً أو يتيماً أو أسيراً بدلاً من أن أكرمه؟….وقد لا يحتاج الإنسان في تعاملاته مع الآخرين إلا أن يسأل هذه الأسئلة ويتفادى ظلم الآخرين!

المبدأ الخامس: الله وحده هو صاحب الحق فى حساب البشر

حين يذكر الله أنه مالك يوم الدين وأنه هو وحده صاحب الحق في حساب البشر {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} و حينما يقول لنبيه الكريم { وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُههُ عِندَ رَبِّهِ} فعلينا أن نتعلم من ذلك أن حق حساب البشر هو حق مطلق لله وحده لا ينازعه فيه أحد و أن أي محاولات من البعض لإصدار الأحكام على البشر و نعتهم بصفات مثل الكفر و الشرك و الفجور و الزندقة و غيرها من التعبيرات هو منازعة لله في حقه في حساب خلقه.

فمن نراه مؤمناً قد لا يقبله الله تعالى ومن نظنه فاسقاً قد يقبله الله لأنه هو أعلم بظروفه و لذا قيل على لسان الرسول عليه السلام في القرآن { وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} فإذا كان الرسول علية الصلاة و السلام لا يدرى ما يفعل به و لا بالآخرين أو كيف سيحاسبون فهل ندرى نحن؟

وباختصار شديد لو أن كل مسلم نظر للدين من خلال هذا المنظور، وهذه النقاط لحدثت عملية التنقيح والتجديد دون الحاجة إلى رجال دين يقولون لنا مانفعل ومالانفعل!

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

1 Response to كيف يمكننا “تجديد” الخطاب الديني

  1. س . السندي says:

    من … ألأخر

    وهل الازهر والمنافقون بقادرين على تصحيح ما أفسده فقهاء السلاطين والدهر لا اعتقد ، ولكن الزمان كيفيل بكنسهم جميعا عاجلا أم أجلا لانه لايصح الا الصحيح ، رغم الارهاب والقهر ، ئلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.