كيف كانت حياة المسلمين لو اكتفوا بالقرآن كمصدر للتشريع

الكاتب السوري عماد بوظو

د. عماد بوظو كتب في موقع الحرة

الشرع الإسلامي، حسب تعريف رجال الدين، هو ما شرّعه الله على المسلمين على لسان نبيّه عبر “القرآن والحديث”، وبهذا التعريف وضعوا القرآن والحديث في مرتبة واحدة مع أن عملية تدوين الحديث بشكل محترف لم تبدأ حتى القرن التاسع الميلادي-الثالث الهجري أي بعد أكثر من قرنين على وفاة الرسول على يد مجموعة من “علماء” الحديث أشهرهم البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وجميعهم من ولاية خراسان التي تبعد آلاف الكيلومترات عن مكة والمدينة حيث عاش الرسول.
وكانت طريقة عمل هؤلاء هي التجوّل بين النواحي والمدن لجمع الأحاديث “النبوية” التي كانت متداولة في أيامهم ومقابلة رواتها وتدوين ما سمعوه على طريقة حدّثنا فلان عن فلان من جيل إلى جيل أقدم حتى تصل إلى الصحابة الأوائل، وهي طريقة أقرب إلى حكايات الشعوب لا يستطيع علم التاريخ الحديث الوثوق فيها، لأن التاريخ كعلم يستند على موجودات مادية من منقوشات ومنحوتات ومخطوطات يمكن تحديد عمرها الحقيقي بوسائل علمية دقيقة، وفوق كل ذلك فإن ما كتبه أغلب “علماء” الحديث هؤلاء لا توجد نصوصه الأصلية بل ما نقل عنها بعد أكثر من قرن على وفاتهم.
ومن الأمور التي جعلت مهمة كتابة التاريخ الإسلامي على أسس علمية أمرا بالغ الصعوبة عدم وجود آثار ماديّة من المراحل المبكرة للإسلام من بدايات الدعوة حتى كامل فترة الخلفاء الراشدين، وكذلك لا يوجد عن فترة الخلافة الأموية سوى بضعة قطع عملة معدنية ونقوش كتب عليها اسم أحد الخلفاء دون تقديم أي معلومات عن طبيعة الحياة في تلك الحقبة.
ويستمر الوضع على هذا الغموض حتى أوج الخلافة العباسية التي تركت آثارا مادية مقبولة، ولذلك يبدو مستغربا أن تعطى كتب الحديث هذه أهمية معادلة للقرآن، إلى درجة أن رجال الدين ألغوا بعض آيات القرآن لتناقضها مع هذه الأحاديث التي توافق أهواءهم، وانتهى الأمر إلى إيجاد دين آخر مختلف جوهريا عن إسلام القرآن.
فلو كان المسلمون يعتمدون على القرآن لكان عليهم أن يؤدّوا الصلاة ثلاث مرات في اليوم.. “وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفى من الليل” هود 34، أي كما هو واضح تماما من نص الآية هناك صلاة في الصباح وثانية قرب الغروب وأخيرة أول الليل، وكانت هذه الصلوات تؤدّى في المنازل، وتقتصر على مجموعة من الأدعية يوجهها المؤمن إلى الله شاكرا وحامدا له على ما أعطاه، أو طالبا منه تلبية أمر ما مثل شفاء مريض أو المساعدة في حل مشكلة، وقد تتضمن هذه الصلاة تلاوة آيات صغيرة من القرآن خاصة الفاتحة أو قصار السور.

وكانت الصلاة حسب هذه الطريقة علاقة خاصة بين الإنسان وربه لا علاقة لأحد بها، “ولا تجهر بصلاتك”.. الإسراء 110، وليس لها وقت دقيق لتأديتها أو ملابس أو شروط محددة سوى نظافة الشخص، وكان يقوم فيها فرد واحد أو بالمشاركة مع عائلته أو أصحابه، وكان هناك أيضا في مناسبات معينة صلاة جماعة تؤدّى في المساجد التي يشير اسمها إلى أن الصلاة فيها تتيح إمكانية السجود لمن يرغب، وينادى على هذه الصلوات من قبل رجال يرسلهم ولاة المدينة لإحياء مناسبة دينية أو بحث موضوع ما، ومن المتوقع أن تكون صلاة الجماعة هذه أكثر طولا في مدتها وأن تتضمن قراءات وأدعية أكثر.

بينما في المقابل قال رجال الدين أن الله فرض على المسلمين عبر الحديث والسنّة النبويّة خمس صلوات في اليوم الواحد تتضمن ما مجموعه 17 ركعة وسجدة، وأضافوا إليها 12 ركعة وسجدة تحت مسمّى السنن المؤكدة و8 أخريات كسنن غير مؤكدة، وتضمنت الصلاة حسب قولهم ترتيبا حرفيا وكلاما محددا يقال في كل مرحلة من الصلاة بحيث حوّلوها إلى تكرار آلي لكلمات لا يتم التفكير فيها أو التمعّن في معانيها، وعبر تقديس مفهوم السنّة النبوية والتي تعني التمسك الحرفي بما كان يقوم فيه الرسول حسب تصورهم بقيت الصلاة الإسلامية تؤدّى إلى اليوم على بساط ممدود على الأرض أطلق عليه فيما بعد اسم “سجاّدة” لإمكانية السجود عليها، بينما أباحت بقية الديانات مع تطوّر الحياة إمكانية الصلاة جلوسا على المقاعد.

وكذلك لو كان المسلمون يعتمدون على القرآن لكان صيامهم تطوعيا واختياريّا ويقتصر على بضعة أيام في السنة، “أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وإن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون” البقرة 184، ومن ضمن هذه الأيام أول أيام شهر رمضان “فمن شهد منكم الشهر فليصمه”، فجعل رجال الدين من الصيام فرضا إلزاميا ولمدة شهر كامل.

ولو كان المسلمون يعتمدون على القرآن لما كان على المرأة المسلمة أن ترتدي هذا الحجاب السائد اليوم، بل كان على نساء المؤمنين أن “يدنين عليهن من جلابيبهن” الأحزاب 59، أي الانتباه لفتحة الثوب العلوية أثناء الإنحناء للأمام مما قد يجعل الجسد مكشوفا، وأن “لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن” المؤمنون 31، أي لنفس الغاية من الممكن ضرب الخمار على فتحات الثوب، وهذه دعوات أقرب للنصيحة حتى “يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما”، وليس من السهل معرفة كيف تحولت هذه الآيات حسب فهم رجال الدين إلى فرض طرازات متزمّتة من الثياب لا يقرّها عقل أو منطق ولا تتناسب مع متطلبات حياة المرأة.

وكذلك لو كان القرآن هو مصدر التشريع لما كان الخمر محرّما، لأنه حسب القرآن “ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا” النحل 67، “ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس” البقرة 219، “إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون” المائدة 90، مع دعوة المؤمنين لعدم أداء الصلاة وهم سكارى، وفي جميع الآيات لا توجد أي إشارة إلى تحريم الخمر بل الدعوة إلى تجنّب الإفراط في تناوله، وتأكيدا على ذلك لا توجد في القرآن أي عقوبة على شارب الخمر بينما تجرّأ رجال الدين على القرآن ولم يكتفوا بتحريم الخمر بل وضعوا له عقوبات.

وكذلك لو كان رجال الدين يحملون ما يكفي من الاحترام للقرآن وهوسا أقل بالمرأة والجنس لكانت عقوبة الزنا الجلد، “الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة” النور 2، ووضع القرآن شروطا صعبة جدا لإثبات الزنا مثل وجود أربع شهود على الواقعة، بل فرض عقوبات على من يتهم متزوجات بالزنا دون دليل لا تختلف كثيرا عن عقوبة من قام بفعل الزنا نفسه بالإضافة إلى عدم قبول شهادته بعد ذلك أبدا، بل أدخل رجال الدين من أجل الزنا عقوبة لا وجود لها في القرآن أصلا وهي الرجم، وفرضوا نفس العقوبة على الخروج من الإسلام أو عدم الالتزام بطقوسه، رغم أن القرآن يقول “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” الكهف 29، ووضعت أحاديث لتبرير عدم وجود حدّ الرجم في القرآن من الصعب أن يقبلها عاقل مثل أن آية الرجم قد أنزلت على الرسول لكن لم يتم تدوينها في المصحف، أو أن آية الرجم كانت مدوّنة على ورقة ولكن ماعز أكلتها وفي الحالتين لا يجب أن يلغي حكمها..!

أي أن المسلمين لو اكتفوا بالقرآن كمصدر لشريعتهم لكان وضعهم غير بعيد عن أتباع الديانات الأخرى، ولما كانوا مختلفين اليوم عن بقية البشرية بمظهرهم وملابسهم وعاداتهم وعباداتهم، ولكن يبدو أن هذا لا يناسب رجال الدين المسلمين، ولذلك كانوا ومازالوا يقبلون أي بدعة تحمل مزيدا من التشدد، بينما يرفضون ويكّفرون أي إعادة قراءة للتراث تجعل الدين أكثر يسرا وتأقلما مع متطلبات الحياة والعصر.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.