كيف اصبحت ملحدا (الحلقة الثالثة)

الكاتب السوري اشرق مقداد

تحت الحصار في حماة
الثلاثاء 2 شباط 1982 الساعة 12 بعد الظهر
المكان كراجات حمص
لنبدأ من البداية ولماذا انا وصديقي الأردني عصام في طريقنا لحماة في عز الشتاء وفي وقت لم تكن حماة قطبة للسواح وقاصديها للتنعم بجمالها
سنة 1981 كانت سنة بائسة لكل البعثيين في سورية وسورية بشكل عام فعمليا تمرد الإخوان المسلمون وصل ذروته والقتل والتنكيل بنا بلغ الزبى وتسلحنا كلنا لحماية ارواحنا فقط وتركنا التعامل معهم للجيش وللأمن
ولكن ثبت ان الأمن والجيش غير قادرين على حماية ارواحنا ولا كل ما أنجزناه في سورية من جامعات ومؤسسات وكليات اناث لابل سكرنا كليات تضم الإناث كالتمريض في حماة وتوقفت مئات الألاف من الطالبات من حضور المدارس والجامعات للأسف
المذهل أن الإخوان المسلمون يجلسون في حضن صدام وبعث العراق ويأتمرون بأوامره ويتمتعون بدعمه المالي والعسكري والتدريبي ليحاربوا البعث في سورية!!!!!
فكأن البعث حرام في سورية وحلال في العراق……..وفي فتوه كمان؟؟؟
وعدنان سعد الدين المراقب العام للإخوان المسلمين السوريين يجلس في بغداد ويدير اذاعة للإخوان تبث من مبنى الإذاعة والتلفزيون العراقي البعثي تماما ويحرض على بعث سورية !!!!! لماذا لايحرض على البعث كله؟ على مايبدو في خيار وفقوس لدى الإخوان حسب الدفيع والداعم (وانظروا كيف كرر التاريخ نفسه بعد ثورة 15 آذار 2011)
صديقي الأردني وشريكي في السكن في البرامكة في دمشق كان يعيد السنة الأولى من كلية الهندسة معي (وأنا كذالك) لذالك لدينا سنة كسولة فبقي في الأردن وأنا في درعا حتى الإمتحانات ثم جئنا لدمشق لنقدم الإمتحانات في المواد التي نحملها وانتهينا بنصف كانون الثاني
وقعد ينق عصام عن أنه يدرس في سورية ولم يرى سورية وعمته تسكن في حلب ولم يراها ولن يذهب لوحده حيث لايعرف الطريق (ووضع سورية وقتها) ومعه هدية من امه لعمته يريد توصيلها …الخ…الخ من نقّ يشتهر الأردنيين به
وجعلي راسي فوافقت أن اذهب معه بشرط أن نمر بطريقنا بحماة لاوصل “غرض” لصديقي سامر الحموي الذي تعرفت عليه في دورة معهد الرياضة المشؤومة التي ذكرتها في الحلقة السابقة وأعارني “الووكي) مسجلة للسماع للموسيقى بينما تمشي وتفرقنا بدون ان ارجعها اليه.
وافق عصام بشرط أن ياخذ صور للنواعير .
هاتفت سامر الذي حذر ان الأمور ليست على مايرام في حماة وسال اذا يمكن تأجيلها الأمر الذي رفضه “وجه البوم” عصام حيث يحتاج للرجعة للأردن
فاستسلم سامر وقال انزلوا في حمص وسنأتي لتأخذكم من حمص وستحتاجون لقضاء الليلة في حماة اذا فرض منع التجول يبدأ في الساعة الرابعة بعد الظهر.


استغربت ولم احس بالخطر (حوراني)
الشيء الذي نسيت أن أذكره أن صديقي عصام مسيحي من عجلون ولكن لايمكن أن تعرف ابدا ولكنني للحذر صادرت الصليب الذي يحمله تحت ثيابه وجواز سفره حيث يذكرون الديانة فيه وسنسافر بهوياتنا الجامعية وهويتي الامنية (كبعثي ومظلي) وحملت مسدسي وعدة مخازن للإحتياط (مجنون)
وفي اليوم التالي صباحا سافرنا الى حمص
اه تذكرت أن سامر قال لي :” لاتفرجي هويتك الأمنية بعد ماتوصل حمص)
وصلنا وأكلنا حلاوة حمصية ووصل سامر بسيارة حزبية وصديق له وكان واضحا انهم لم يناموا الليلة السابقة
وركبنا وتوجهنا لحماة استغربت وجود العديد من الكلاشنكوفات واللاسلكيات في السيارة فسالت سامر اذا يعمل بالمخابرات فقال لي لا ولكنه موصول بغرفة عملياتهم حتى يحذر بقية بيوت البعثيين حيث اغتيالهم اصبح “موضة في حماة”
وصلنا واذا نجد اننا سنقضي الليلة في فرع حزب حماة اذا موجود مهاجع عسكرية وصديقي سامر هو اصبح عضو قيادة شعبة حزبية (لم يقل لي)
وهو بمثابة عضو قيادة الفرع بكون الكثير من القيادات قتلوا أو تحت الحماية في مدن اخرى او في ريف حماة
طبعا مناظر الكولبات في دمشق اصبحت مسخرة مقارنة بكياس الرمل ورشاشات الخمس مية الموجودة في كل مكان واللباس العسكري الكامل بالخوذة الذي نراه في حماه
طبعا اتمسخر مني سامر لما رأي مسدسي الماكروف وسلمني كلاشنكوف وثلاثة مخازن وقنبلتين يدويتين واحدة صوتية وواحدة دخانية ونسيت فورا اي واحدة ولم أهتم حيث قاعدين هالليلة والصبح ماشيين
رفض عصام التسليح وقال هو اردني ولاعلاقة له واحترموا رأيه بحكم انه ضيفي
وقابلنا العديد من الرفاق وكلهم لديهم قصص تشيب الرضيع حول وحشية الإخوان وقتلهم العشوائي للعائلات والموظفين في الدولة بسبب وظيفتهم
وتفجريهم لكل مؤسسات الدولة والتي تقدم خدمات اساسية للفقراء كمؤسسات التموين والمستوصفات (لأنها توزع حبوب منع الحمل) وكل مايتعلق بالدولة تم تكفيره ومحاولة اغتياله وتفجيره فعمليا تملك الدولة المدينة في النهار والإخوان ليلا
اشار ضابط في الأمن العسكري أنهم يتوقعون ليلة حامية الوطيس حيث اذاعة الإخوان في بغداد تعمل ساعات مطولة على غير عادتها بالبث القصير ليليا
وهناك العديد من المداهمات المخطط لها الليلة حيث وصلت عدة وحدات جديدة من القوات الخاصة لدعم القوات المتواجدة في حماة لتنظيف حماة بعد الإنذار الذي وجهته الدولة لسكان حماة القديمة بالمغادرة وترك المسلحين ليواجهوا الأمن
لوحظ خروج المئات من المدنيين في الأيام الماضية ويتوقع ان يغادر البقية في الأيام القادمة عندما تنتهي المهلة التي اعطاها الأمن للمدنيين
حضر العشاء مبكرا وتعشينا وذهب سامر لينام عدة ساعات قبل نوبته
لوحظ خروج المئات من المدنيين في الأيام الماضية ويتوقع ان يغادر البقية في الأيام القادمة عندما تنتهي المهلة التي اعطاها الأمن للمدنيين
تعشينا مبكرين ثم ذهب سامر للنوم قبل مناوبته الساعة 12
ولم ننام وتابعنا مايحدث على اللاسكي واذاعة الإخوان في بغداد
والحركة الدائمة لدوريات البعثيين والجيش حول وداخل مينى الفرع والكل لديه قصة “أرهب” من الأخرى
حوالي الساعة 11 ليلا بدأنا نسمع اطلاق نار كثيف وصوت تفجيرات عنيفة ولكننا بحكم معرفتنا أن اقتحامات عديدة مخطط لها الليلة لم نهتم كثيرا بحيث هدول “جماعتنا”
بدأت أخرج وأعود لخارج الفرع وأرى مايجري وكل مايجري كان في حماة القديمة والتي لاتبعد كثيرا عن فرع الحزب
وواضح أنه كان هناك مقاومة عنيفة للمداهمات وصوت صريخ واستدعاء الإسعاف على اللاسلكي وكان واضحا على وحه ضابط الأمن العسكري (رابط الأمن مع فرع الحزب) أنه ينتظر اقتحاما محددا وينظر في ساعته كثيرا
في حوالي الواحدة بدأ الإقتحام الذي ينتظره هذا الضابط وبدا التوتر على وجهه ونادى صديقي سامر لينذره وسامر يبدو أنه بدأ ينذر العديد من دوريات البعثيين والمظليين ثم بدا لي أن الكل في الفرع بدا متوترا وزادت الجهوزية وبدا أن الجميع ذهب لمواقع حراسته وبقيت انا وعصام وضابط الأمن وسامر نتابع
كان يكرر اسم “الحرباية” كثيرا وظننت انه اسم لأحد الإخونجية المطاردين
ولكن لم أعرف من هو وماهي اهميته
حتى بدأت تقارير عن بدىء وصول تعزيزات كبيرة للإخوان لمنطقة الإقتحام وبدأت حرب حقيقية خسرنا فيها كافة القوة المقتحمة وأعطي أمر الإنسحاب لعدة مئات من الأمتار لأقرب حاجز للقوات الخاصة حيث بدأ وصول قوات جديدة للدولة وبدأ أن الامر يتعقد وبدأ افاقة القيادات من نومها ووصولهم لمراكزهم ولفرع الحزب نفسه
وعلى غير موعد صلاة الفجر بدأت مساجد حماة القديمة تؤذن وتنادي :”حيّ على الجهاد …حيّ على الجهاد” وبدأ واضحا أنني وصديقي عصام قد “أكلنا خرى” والله لايوفقك ياعصام ياوجه البوم……وهو يسميني وجه البوم ايضا بسبب المرور بحماة طلبت منه ان ينزل للملجأ وحملت سلاحي وصعدت للسطع لاتابع مايجري.
أول قذيفة ار بي جي ضربت الفرع كانت حوالي الساعة الثالثة وبدا واضحا أن اقتحام الفرع قد بدأ ودافعنا وبكل قوتنا (لاخيار لدينا) ورددنا اول هجوم
ولم كنا نتوقع هجومات اخرى وطلبنا ذخائر ورجوع دورياتنا للفرع وحماية بيوت البعثيين وتركنا مؤسسات الدولة
واعلن الجهاد من اذاعة بغداد وقامت حماة القديمة وتم “تحرير” حماة من قوى الدولة بحلول الظهر
وعرفت من الحرباية واذ هو ابو بكر …عمر جواد القيادي في إخوان حماة والذي كان على وشك السقوط في ايدي الوحدات عندما أمر “بالجهاد العام”
الحقيقة والتي ممكن أن تصدم الكثير من السوريين الذين لايعرفون الحقيقة أن الأمن كان يعرف اين عمر جواد منذ زمن لوجود مخبرين كثيرين داخل الإخوان ولكن اختاروا هذه اللية للقبض عليه حيث كانوا يعرفون ردة الفعل وأن هذا سيخرج جميع الإخونجية من جحورهم واختلاطهم بالمدنيين
والإخوان وبكل غباء ساروا لفخ الامن وظهروا كلهم جميعا بعد تخفيهم وتنكرهم لعدة سنين وانسحبت الدولة من حماة القديمة لثلاثة ايام كاملة سيطر الإخوان على جميعها ريثما تخمن الدولة قوتهم وأعدادهم وقوة تسليحهم
ثم بدأ وصول القوات الرديفة (سرايا وأمن وبعثيين من حمص وبقية ريف حماة
الدماء اريقت بغزارة من البعثيين وعائلاتهم ولم يوفر الإخونجية طفلا أو شيخا أو إمرأة ووقفنا نتفرج على المذبحة ونسمعها على اجهزة اللاسلكي
ونحن ننتظر اولا القوات الرديفة ومن ثم التمركز وبدىء الهجوم المعاكس
لم ينقطع الهجوم على فرع الحزب ولكننا كنا ندافع وبكل شراسة وشجاعة عن ارواحنا وبعد اربعة ايام خف الهجوم المباشر وبقي ضرب الأر بي جي
وبعد بدء حصار حماة القديمة صار مقر الفرع مكان لإحتجاز بعض الإخونجية الذين استسلموا طوعا وتحدثنا معهم طويلا وكبعثيين ومع كل الغضب العارم بقلوبنا لم نلمس ابناء القحبة وأطعمناهم ورعيناهم بعكس مافعلوا بشبابنا وشاباتنا حتى حضر أمن حمص وأخذهم
ظلينا تحت الخصار 11 يوما حتى منتصف التنظيف ثم اخذنا الفراق لحمص وعدنا لدمشق بدون الذهاب لحلب حيث “تربى عصام وأوقف النق
وهذه الحادث الثالث الذي بدأ يؤثر بي ويدفعني لأفكر في أساس هذه الأفكار الهدامة والتي تدفع شباب بريء عمليا قبل الإنضمام لفكرة الإخوان والتكفير
فلا يمكن أن يصل الإجرام لهذه الدرجة بدون أن ننظر لأساس هذا وهو أن ننظر للفكر وللدين الذي يقتع هؤلاء به ويدفعهم للقيام بكل هذه الموبقات
ملاحظة: لم اصبح ملحدا حتى الأن ولازلت أميز بين المتدين والمجرم حتى الأن
يتبع السبت القادم
اشرف المقداد

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.