كوكب بشار

قال لي بشار، وهو يصب النعناع المحلى في كأسي:
خلق الله الكون في ستة أيام واستراح في اليوم السابع في كارميل!
……
كارميل مدينة ولا أجمل… تعانق بدلال خصر المحيط الهادي في شمال كالفورنيا… طرتُ إليها لمدة أسبوع قضيته في ربوعها وحضنها الذي يصلك مباشرة مع الله…
….
بغض النظر عن مدى إيماني أو عدمه بعبارة بشار، كان بإمكاني أن أستشف معناها الفلسفي والروحاني الذي يسربلك بيقين قاطع من أنك في حضن الله..
ليس هذا وحسب، بل كانت الرحلة التي قادتني لأتعرف على بشار…
وادرك من خلال تلك المعرفة الغاية الروحانية من اختياري لكارميل،
لتكون محطتي السنوية التي اهرب خلالها من ضغوط نيسان
المحمل بهموم تحضير وجرد وثائق الدخل ودفع ضرائبه.
سقنا من المطار إلى الفندق القريب من بيت صديقينا الحميمين سعود وسحر…
واستمتعنا بوجبة غداء ضمتنا معا في ذلك البيت الذي يطل من خلال نوافذه على كارميل،
ويضج بطاقة كونية تحلق بك عاليا إلى حيث تضمحل أبعاد آناك وتغدو روحا بالمطلق…
ذاك المساء رافقنا صديقينا الى مطعم ساحر،
يملكه صديقهما بشار طفل الأربعين،
والذي يحمل سوريا بين جناحيه،
كما تحمل أنثى الكنغر رضيعها في جيبها لتحميه من قسوة الحياة…
غمرتني سعادة لا تضاهيها سعادة وأن أصغي بكل جوارحي
إلى ذلك الملاك السوري الذي طار من القطب إلى القطب،
ليثبت أن سوريا ليست أقل عطاءا من كارميل حيث مازال الله يستريح!
يشرح لنا مستخدما لغة جسده التي تنافس بطلاقتها لغة لسانه،
يشرح لنا سر تسميته لمطعمه “داميترا”


Dametra
(هي كلمة اخترتها أنا وشريكي وصديقي الأردني فلان الفلاني، وتشمل نصف دمشق ونصف البتراء)!
Damascus + Petra
غريب كيف يحمل الإنسان وطنه تحت شغافه!
………
بشار ليس قصة نجاح السوري في كل مكان وحسب، بل هو حالة روحانية لم يسبق أن عايشتها من قبل… يملك خمسة مطاعم، وكلها في كارميل حضن الله…
يؤمها رواد من كافة أنحاء العالم… بينه وبينهم علاقة روحانية سامية،
تتجسد في حركاته وهو يتنقل بين طاولاته معانقا كل زبون على حدة،
لدرجة تظنهما أخوة التقيا بعد دهور من غياب..
بمعدل كل ساعة يحمل عوده ويدندن لدقائق، صادحا بموال لصباح فخري،
بينما هو يرقص والزبائن يصفقون… تشعر عندها بأن الفواصل اللغوية والثقافية قد تلاشت بالكامل،
وصارت تلك الحسناء البيضاء التي ترتشف نبيذها في ذلك الركن الداكن من المطعم،
صارت هي المليحة التي وقفت بخمارها الأسود في باب المسجد وأفسدت على بشار صلاته…
……
لكن في الحقيقة لا أحد يستطيع أن يفسد على بشار صلاته،
لأنه الصلاة بحد ذاته…. أغوص في كلماته وعباراته وهو يشرح لي سر توحده في كونه،
وفلسفة ذلك التوحد وفقا لمفهومه وقناعاته، أغوص يتملكني خوف هائل من أن تفوتني عبارة وأنا أدقق في العبارة التي سبقتها…
لأول مرة في حياتي أشك بذاكرتي،
شككت بها خوفا من أن يفوتها بعض مما يقوله،
وهو يروي لي تفاصيل رحلته من جبل الدروز في سوريا
حيث ولد وترعرع إلى كارميل حضن الله، حيث مضى على وجوده خمسة عشر عاما.
يقول:
(لا أعتقد أن جهودي الشخصية هي وحدها وراء نجاحي،
بل هو إيماني المطلق ببوصلة الخالق التي يزرعها في ساحة بصيرتك عندما تسلم نفسك له،
ولكي أصل إلى حالة التسليم تلك يجب أن أكون نقيا من كل شوائب الحياة،
طاهرا من رذائلها…)
تعلم من ثقافته الدرزية أن يغوص في بواطن الأمور،
فيخترق ببصيرته الثاقبة كل الأقنعة المادية والمزيفة التي تحجب عنه حقيقتها….
يرى تلك الحقيقة، والتي
-على حد تعبيره – يملكها كل منا، وتصهرنا جميعا في بوتقة واحدة.
يتابع بشار:
لقد توصلت إلى كونيتي عندما أيقنت بأن الجوهر، جوهر كل منا،
بغض النظر عن خلفيته وإشكاليات آناه المتعلقة بمكاسب مادية ورواسب تربوية،
هو جوهر واحد ويربطنا بكون واحد، نحن أجزاء منه، وهو جزء فينا!
……….
بشار – كما أنا – يُؤْمِن بأن الأحداث التي سيّرت حياته وقولبتها، والتي قد يراها الغير مجرد صدف،
لم تكن يوما صدفا، بل كانت خططا بالغ الكون في دقتها.
ليس هذا وحسب، بل يشاركني قناعة أخرى،
أنه وبقدر ماتكون منفتحا على الكون بقدر ماتتوارد تلك الصدف في حياتك
إلى حد تتحول عنده من صدف إلى طريقة حياة…
…..
يصب بشار مزيدا من النعناع المحلى في كأسي،
ثم يتطرق في حديثه إلى فكرة التقمص، الذي استلهم إيمانه بها من عقيدته الدرزية…
أما أنا فرغم أن التقمص جزء من العقيدة التي تربيت عليها،
لم اؤمن بها وأتعمق بفلسفتها الا بعد سنين من اطلاعي على الثقافات البوذية والهندوسية،
والتقيت مع بشار في الكثير من نقاط تلك الفلسفة….
سألته إن كان يُؤْمِن بالمعجزات،
فقال ماكنت سأقوله لو طرح هو علي السؤال: كل شيء في الكون معجزة!
وتابع يقول:
يدهشني هذا الكون بكل تفاصيله المذهلة!
تشعب الحديث إلى بعد منتصف الليل، لأننا تهنا في الزمن ولَم نعد نحس بأبعاده كلحظات ودقائق وساعات…
…..
بشار وحبيبته شذا، بل شقيقة روحه، اذا صح التعبير، قد اتفقا على أن لا ينجبا، لأنهما ومنذ اللحظة الأولى التي التقيا بها في رحلة لناد رياضي من السويداء الى طرطوس، وفي بداية شبابهما المبكر، قد شعرا على أن مهمة روحانية عليا تنتظرهما، وقد كانا قد ولدا والتقيا
ليكونا شريكين في تلك المهمة! ألا وهي التخفيف من آلام عالمنا الدنيوي، والارتقاء بإنسانه فوق مستوى تلك الآلام…
تمتد أعمالهما الخيرية من كارميل إلى سوريا، لتساهم في التخفيف من تلك الآلام…
يبذل بشار ماله وجهده وفلسفته في دروس ودورات
لإعادة تأهيل المنحرفين قانونيا وإنسانيا هنا في كارميل التي احتضنته،
وكذلك لإعادة تأهيل الناس الذين فقدوا بوصلتهم وكل آمالهم هناك في الوطن الأم…
في عالم بشار الروحاني تفقد إحساسك بالزمان والمكان،
فيشعرك وهو يتدفق فكرا عذبا كما يتدفق النعناع المحلى من ابريقه في كأسي،
يشعرك بأن دمشق على تخوم كارميل،
وبأن تلك الأمريكية البيضاء التي ترشف نبيذها في ذلك الركن من مطعمه تستوعب إلى حد النشوة مواله:
جاءت معذبتي في غيهب الغسق…
كأنها الكوكب الدري في الأفق….
…..
يسطع كوكب بشار لينير لنا الطريق المظلمة والمقفرة من المارة أمام المطعم،
وهو يودعنا في الساعات الاخيرة من الليل،
وأنا الذي آوي عادة إلى صومعتي مع غياب الشمس…
عانقني بعد أن قطعت له وعدا ان نعود لنتابع الحديث مساء اليوم التالي…
………..
لم يختلف بشار عن كل الكتب التي قرأتها بنهم في حياتي،
لم يختلف إلا في شيء واحد!
كل الكتب التي قرأتها كنت قد وصلت إلى نهاياتها..

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.