كما لوعة الريف

الاديبة السورية سوزان محمد علي

كما لوعة الريف، بمسام دبق يصغي إلى الراديو في الصباح، حيث الندى يقمر أحاديث المساء، في كل قطرة سمكة لا تراها العين المجردة، هناك غصة لا تقال ولا تتنفس تعيش على حواف الأسطح، أحيانا تلمع بلونها الفضي، عندما تمطر في الريف، أو عندما يقص أحدهم أظافر قدميه قرب مدفأة خامدة.

هناك مكافآت ثمينة يعطيها النمل لكل مزراب لا ينام قبل أن يكتب، كما ذاك الشمال، بين القطط والمزاريب، كوخ من البغاء والرموش المتكسرة، الكحل مغشوش والعيون ترمق صور الحيطان بحدة، ساجدة لما لا تراه.

كما غربة خصلات الشعر تحت مياه أجنبية، الجسد لا يعرف المودة والخبز والملح والدعوات، متنكرا خبيثا، يصك الرعشة نقودا أزلية ليبيع ويشتري بها حتى كوابيس المناطق الحساسة، ( المناطق الحساسة، ليس اسما بشريا، إنه الانحدار الذي يصيب الثمرة عندما تفكر، عندما تختمر ، عندما يصير التواؤها على نفسها على شكل فم يتأوه)

كما العتم في مقدونيا يساعد ظلال اللاجئين على العبور، لديه تعويذة قديمة يتلوها كلما ذاق الملح، ذاك الضباب المتعرج تحت عيون اللاجئين، يعرف الأطفال متى الوصول، بين الخطوات مهرج ذكي، عندما تختفي ينكش الطفل أنفه ويرتاح الخيال وتتوقف الخطوات كي تنام أو تشرب أو تتبول أو كي تمارس الحب، بينما ينتظر الأطفال عودة مهرج خطوات اللاجئين.

كما نعومة ركبة ساق مبتورة بعد حلم طويل قضته سيرا، كانت ظمآى تتنطلق كالرمح إلى نهدين، لم ترى في منامها امرأة، ولم تسمع صوتا مألوفا، فقط كانت ترى نهدين يتدليان في دغل موحش، لما استيقظت لم تتعرف على نفسها، الشمس كذلك، واللحاف السميك أيضا كان مستغربا.

كما مقابر المسيحيين، باقات الورد تمسرح الحزن قرب القبور، قطفها البستاني وهو يغني ثم باعها إلى المتجر ثم اشتراها الزبائن ثم ذهبوا إلى مواعيد ذكرياتهم بدقة، وحطوا مثل غربان منهكة يقدمون الولاء مع باقة ورد مسكينة، لا ذنب لها أن تموت هكذا إلى الأبد مكتوفة اليدين في مكان عاري، لا تعرف عن أهله أي شيء.
أود أن أعرف تفاصيل ذاك الحديث الذي يجري كل يوم هناك، بين وردة حمراء وقبر قديم.

كما أخبارك أيها الريحان الدائخ، تنسل إلى قلبي، أيها الفرو الشرير ليلا، عنقي كذبة من صنعك، كلما نظرت في المرآة رأيت ضحية تمتطي جيادها وترش ملحا في البحر، يا إلهي، أشتهي الآن أن أسمع صوتا واحدا، بقوة وصفاء وغزارة، الصفير الكسول بين حقلين، أحدهما أصابته الحرب في كتفه اليسرى ، والآخر بقي مكانه، لم تدهس شوكه سيارة، ولم يطفئ المهربين سجائرهم في لحمه، صفير مغمى عليه بين حقلين على أطراف مدينة ما، وعلب سردين صدئة تصنع في جوفها البارد، ذاك الصدى، آه يا إلهي أنا أسمعه الآن جيدا.

الصورة، قبعة سوداء اسميتها ( هولدن كولفيلد- بطل رواية الحارس في حقل الشوفان) …هذه القبعة ضاعت منذ يومين، أو منذ سنتين، لا أعلم، لكنها مثل كل شيء أحبه، يضيع بقوة وسرعة لا تصدق…

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.