كل ما انتشر فيلم أو مسلسل عربي بعترض عليه الناس من منطلق أنه لا يمثل قيمهم وأخلاقهم،

الكاتبة الاردنية اسيل الزبن

كل ما انتشر فيلم أو مسلسل عربي بعترض عليه الناس من منطلق أنه لا يمثل قيمهم وأخلاقهم، بتنتشر عند الطرف الآخر مقولتين مشهورات:
الأولى: يا أخي مش عاجبك لا تحضر.
الثانية: شعب منافق بعمل السبعة وذمتها بس بحب يدفن راسه بالتراب.
العجيب فيما يتعلق بالأولى، إنه من يرددها هو نفسه أول من يعترض وبشدة على أي عمل فني يروّج لقيم رجعية ومتخلفة وتسقط عنده في هذه الحالة حجة “مش عاجبك لا تتفرج”. هو ليش بعترض؟ لأنه فاهم كثير كويس إنه الإنسان يمتص ويؤثر فيه كل ما يُعرض عليه في الإعلام والدراما والسينما، ومؤخرا في منصات التواصل الاجتماعي أيضا. لأنه واعي بهذا التأثير، شارك في الضجة اللي صارت حول الفيلم المسيء للأسرى الفلسطينيين وزوجاتهم- حسب مزاعمه- رغم أنه لم يشاهد الفيلم! لأنه يعرف أن الرسائل التي تصل في قالب قصصي ترفيهي تستقر في الأذهان بشكل تدريجي أعمق بكثير من تلك التي يقدمها الخطاب الوعظي. وهو نفسه الذي يعترض على القيم التي يقدمها مسلسل “باب الحارة” ويفتش هنا وهناك عن أسماء وصور نساء سوريات مختلفات عن النمط الذي يقدمه “باب الحارة” لينشرها ويدلّل بها على أن هذا المسلسل لا يعكس صورة حقيقية عن المرأة السورية في تلك الحقبة. فهو لا يطبق على نفسه ما يدعو الآخرين إليه: مش عاجبك لا تتفرج.
الثانية: صحيحة جدا ولا نفاق فيها. صحيح، العربي ممكن يشاهد حتى أفلام إباحية طالما أن نجومها ليسوا عربا بس لما يحضر فيلم عربي فيه ما هو أقل من ذلك بكثير تثور ثائرته. من يعتقد أن في هذا تناقضا يغيب عن باله شيء مهم: الأُمم تملك كلٌ منها حساً بالتعالي الأخلاقي على بقية الأمم وترى بأن قيمها هي الأفضل. العربي عندما يشاهد فيلما أجنبيا- أيا كانت لغته- لا تستفزه المشاهد والقيم التي تتعارض مع ثقافته لأنّ اللغة التي يتكلم بها الممثلون وملامحهم وشكل بيوتهم وشوارعهم وملابسهم ونمط علاقاتهم…إلخ كل ذلك يصنع حاجزا بينه وبين الاستفزاز والغضب لأن كل ذلك يؤكد له بأن هذا هو “الآخر” الذي “عادي يعمل هيك لأنه هيك ثقافته وهيك قيمه”. بالتالي فهو يتعامل مع الأمر كترفيه بحت لا يشكل أي خطر ولا يرى أنه يخاطبه أو يخاطب أبناءه. لنعكس الآية: هل تتخيل كيف يمكن أن تكون ردة فعل الأمريكي على أفلام أمريكية تعرض بشكل متكرر شخصيات أمريكية تبحث لأطفالها عن مدارس غير مختلطة وتمنع بناتها من أن يكون لهن أصدقاء ذكور؟ نعم هناك عائلات محافظة جدا في أمريكا تفعل ذلك، لكن الأمريكي يراها الاستثناء الذي يتعارض مع قيم الأمة الأمريكية التي تروّج للحريات عبر المحيطات. هذا الأمريكي نفسه لو شاهد فيلما يحكي القصة ذاتها لكن عن عائلة أفغانية، لن ينزعج أبدا لأنه يؤمن أن هؤلاء- أصحاب الثقافة الأدنى- من الطبيعي أن يفكروا ويتصرفوا بهذه الطريقة. فما أزعجه في السيناريو الأول ليس القيمة نفسها، بل نسبها إلى مجتمعه. يحق حتى لمن يفعل كل ما هو وارد في الفيلم أو المسلسل أن يعترض على رؤية ما يفعله هو نفسه في قالب ينسب الفعل كسلوك طبيعي إلى مجتمعه، أتعرف لماذا؟ لأن الفرد قد يفعل شيئا خاطئا وهو يعرف أنه خاطئ لكن هذا لا يعني أنه يريد لهذا الخطأ أن ينتشر ويصبح طبيعيا. الشفافية- التي نعتقد واهمين أنها دليل صدق- والتي استعرناها من فكرة غربية استبدلت اعتراف الفرد للقس بالاعتراف للجماهير وفضح الخصوصية من أجل تجذير “الصدق”، هي أول خطوة على طريق تنميط كل ما هو خاطئ ومختل. والافتراض بأن المجتمع يجب أن يكون مجموعة من القديسين لكي يحق له الدفاع عن قيم عليا وإلا فليخرس افتراض عجيب.


ولأن هذا الأمريكي نجح في جعل قيمه قيما مطلقة يُقاس تخلف الشعوب وتحضرها الأخلاقي بالرجوع إليها كمقياس، بدأنا نرى أن بقية الشعوب يُؤخذ عليها عدم رغبتها في رؤية أشخاص يتكلمون بلغتهم ويتصرفون بشكل يهدد قيمهم وثوابتهم.
بقي أن أقول: الأعمال الفنية اليوم لا يعني أغلب صنّاعها أن يقدموا محتوى جيدا أو أن يعكسوا الواقع أو أن يعالجوا قضايا، ما يهم كثيرا منهم اليوم هو تقديم ما يحصد أكبر عدد ممكن من المشاهدات. لكن كلامي هو رد على من يصر على أن “الفن رسالة” في جميع الأحوال. إذا كان الفن رسالة فعلا، فمن حق الناس أن لا تعجبهم تلك الرسالة.

About اسيل الزبن

اسيل الزبن كاتبة اردنية ليبرالية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.