كل الذين مروا على صليب الحلاج، حاولوا إضاءة الدروب المعتمة

ذات نهار، قال الجعد بن درهم: “ما كلم الله موسى تكليماً ولا اتخذ خليلاً”، فاستل والي الكوفة سكيناً وذبحه أسفل المنبر، في ليلة عيد، وحين قال غيلان الدمشقي بقدرة الإنسان على خلق أفعاله، بفضل ملكة العقل الذي هو مناط التكليف، استدعاه الخليفة هشام بن عبد الملك، لمناظرة مشؤومة مع الإمام الأوزاعي، فاشتد الجدال بينهما إلى أن أيقن الأوزاعي أنّ الدمشقي لن يتراجع عن أفكاره، فأفتى بكفره وردّته، ليأمر الخليفة بقتله بتهمة الزندقة.
فقتله شر قتلة وقام بصلبه على باب الفراديس في دمشق بعد ان قطع احدى يديه ورجليه من خلاف ومن ثم قام بقطع لسانه ففارق على اثرها الحياة
فمات ضحية مذهبه القدري
ومع الوقت، اتسع معنى الزندقة اتساعاً كبيراً، حتى أطلق على كل من يدين بمذهب يخالف أهل السنة، ليصبح تتبع الزنادقة حركة دينية/ سياسية واسعة؛ لملاحقة الشعراء والفلاسفة والكتاب والأدباء، وها هو أبو جعفر المنصور يكتب إلى نائبه سفيان بن معاوية، أن يقتل الأديب عبد الله بن المقفع، وكان على الوالي أن ينفذ مشيئة الخليفة بشيء من الوحشية والبربرية، فأخذه وأحمى له تنوراً، وجعل يقطّعه إرباً، ويلقيه في ذلك التنور حتى حرقه كله، وهو ينظر إلى أطرافه كيف تقطع ثم تحرق.


في عهد الخليفة المهدي، بدأت محاكم التفتيش على نطاق واسع، فاتخذت شكل محاكمات صورية، بداية من العام 163هـ، على غرار حملات القتل والإحراق التي حاقت بمفكري أوروبا في العصور الوسطى، فأطلق يد المحتسب عبد الجبار الذي لُقب بـ “صاحب الزنادقة” في الرعية، فاعتقل المئات وأحرق عشرات المجلدات، واستمر الخليفة المهدي في حملته تلك، والتي بلغت ذروتها في الفترة ما بين 166هـ وسنة 170هـ، وكان يقوم على أمر هذه المحاكمات قضاة مخصوصون، ليحمل الفلاسفة صلبانهم على أكتافهم، في مشهد مؤسف، بلغ ذروته حين ضُرب الحلاج ألف سوط، ثم قطعت يده ثم رجله، وحزت رأسه، وأحرقت جثته، وألقي رماده في نهر دجلة، في انتقام وحشي لا نظير له.
من فوق صليبه يقول الحلاج:
هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي
تعصبًا لدينك وتقرباً إليك، فاغفر لهم.
كل الذين مروا على صليب الحلاج، حاولوا إضاءة الدروب المعتمة، وفتح كوة ينفذ منها شعاع النور الأخير، قبل أن يبدد الظلام كل شيء، كان “شهيد العشق الإلهي” شاهداً وشهيداً على المأساة، إذ يرتدي القاتل ثوب الفضيلة، وتتوشح الضحية بدماء الخلاص.
سامح إسماعيل
كاتب وباحث مصري

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.