كل إنسان يحتاج إلى آخر كي يحقنه بجرعة ثقة!

مارك رجل أمريكي قح، ربما أمريكي عن الجد العاشر له…. طويل كشجرة نخيل باسقة، يتدلى من قمتها شعره السابل الطويل والأشيب المشوب بالحمرة، عنقود بلح في طريقه للنضج!

تضاعفت أربعينياته في سمات وجهه، حتى يخيل للناظر أنه ابن ثمانين.. لكنها لم تستطع أن تخفي الأفق اللامتناهي في محيط عينيه الزرقاوتين، لدرجة أستطيع وأنا أبحر فيهما، أن أسمع شدو نزار قباني: لو أحد يمنحني زورق…..!
……
مارك أمريكي مدجج بكل علوم وتكنولوجيا بلده، لكنه للأسف اختار نمطا حياتيا، لا تستطيع أمريكا بكل برامجها الاجتماعية المعدة لإعادة التأهيل،
أن تلعب أي دور في تغييره.
مالم يكن هذا التغيير قراره. الأمر الذي يعكس سلبيات الحرية الشخصية المطلقة، ويبرهن على أن الحياة قرار!
…….
تعرفنا عليه من خلال نظام كاميرات المراقبة الذي يحيط بمكتب زوجي، والذي نستطيع من خلاله أن نراقب الأمور أثناء الليل.

يأتي في الليل، ويقف على الشرفة قريبا من باب المكتب لمدة طويلة، يشحن خلالها تلفونه من المأخذ الكهربائي الخارجي. ذات صباح دخل المكتب يطلب اذنا باستخدام الحمام، شكله ورائجته يؤكدان أنه يعيش مشردا في الشوارع.
دار بينه وبين زوجي حديث طويل….طويل، تعرفنا من خلاله على أدق تفاصيل حياته. بين الجملة والأخرى يكرر: أمي دمرتني! وكان زوجي يرد: بل أنت من دمرت نفسك!


….
أثبتت لنا الأيام أنه عبقري، ودماغه أدق من أدق كومبيوتر عندما يتعلق الأمر بأي عمل يدوي، من تصليح أي جزء في السيارة إلى تغيير صنبور الحمام. تبنيناه، وصار فردا من عائلتنا.

يعيش في غرفة خاصة في المكتب، ويقوم بأداء أي عمل نطلبه منه، وبطريقة أفضل من أي شركة مختصة!

مرّات كثيرة عبّر عن إعجابه بمحشي الكوسا، وتساءل: كيف تدخلين الرز واللحمة فيه؟
فأرد: إنه الإبداع العربي يا مارك! بينما لسان حالي يقول: كيف لو سمعت بالإعجاز العلمي لشرب بول البعير؟؟

ملأت له الاستمارة الخاصة بتأمين صحي من الدولة، والآن يتعالج عند طبيب أسنان، بعد ان خسر معظم اسنانه بسبب تعاطي المخدرات. ويتردد على برنامج لتنظيفه منها، وإعادة تأهيله عقليا وعاطفيا. لا نأمن جانبه كثيرا، وهو دوما تحت المراقبة. شهادة السواقة مسحوبة منه، ونقود به إلى أي موعد.

تحسن وضعه كثيرا، لكنه بين الحين والآخر يدخل في نوبات كآبة حادة، يلعن خلالها أمه، وفي الثانية الواحدة مليون لعنة.
……….
اليوم، انفجر احد انابيب الماء الذي يروي حقلنا، وكادت المياه أن تغرق الحي… اتصلت بعدة شركات مختصة، وحصلت على أقرب موعد بعد يومين،
الأمر الذي سيجبرنا على قفل عداد الماء عن البيت كله، وهذا شبه مستحيل!

اتصلت بزوجي، فجلبه على الفور، يحدونا أمل ضعيف من أنه سيكون قادرًا على إصلاح الخلل.

المشكلة الأكبر هي ايجاد الأنبوب المكسور، فمساحة الارض سبعة ايكارات، وشبكة السقاية تمتد تحت الأرض وهي معقدة جدا، وتحتاج إلى جهاز خاص لمعرفة موضع التسرب المائي قبل الحفر. خلال أقل من نصف ساعة عرف مكان الأنبوب المكسور، واستبدله بآخر في أقل من ساعتين.
……
أتمنى لو أستطيع أن أبوح لكم بكل تفاصيل حديثي معه، ولكن قد يتطلب الأمر كتابا! باختصار شديد جدا جدا، كان حديثه ـ وبمعظمه ـ أسئلة تدور حول:
كيف استطعتم أن تحققوا لأنفسكم هذا النمط الحياتي، وأنتم مهاجرون؟
بين الحين والآخر كان يبدي إعجابه بالبيت…. بالمزرعة…. بالمنطقة….
ويثني على إنجازاتنا، لم يفوته أن يشكر الله لانه اهتدى إلينا،
وكان يشكرني وزوجي، كلما تطرق إلى التغيير الإيجابي في حياته.

ظل قلبه مليئا بالحقد على أمه، ووعدني وعدا قاطعا أن يسامحها،
ويلتفت إلى تحسين وضعه. كان ذلك بعد أن خسر معركته الكلامية معي،
والتي حاول خلالها أن يطعن بوالدته، ويحملها كل المسؤولية، وكنت له بالمرصاد:
– مارك، أنت رجل بالغ، ومن العار عليك أن تحمل والدتك مسؤولية فشلك!
كلنا، بشكل أو بآخر، عانينا من أخطاء – إن لم تكن جرائم- تربوية بحقنا،
ولكن هذا لا يمكن أن يكون مبررا لفشلنا، وخصوصا أنك تعيش في بلد يحترم
إنسانيتك، ويفتح لك كل باب على مصراعه!
…….
رويت لمارك قصة، كانت قد أكلت من خلايا دماغي، حتى اليوم الذي التقيت بزوجي، وأقنعني فيه أنني أجمل وأذكى نساء الأرض…… نعم، كل إنسان يحتاج إلى آخر كي يحقنه بجرعة ثقة!

مليون مرة روت أمي القصة أمامي، منذ نعومة أظفاري وحتى تبلورت معالمي….
القصة تقول، أن أمي ولمدة اسبوعين بعد ولادتي، لم تقتنع بأي اسم كي تمنحني اياه. ذات صباح مر عمي أمام شرفتنا، فرأى أمي تحتضنني،
سألها: هل وجدت لها اسما؟
– لا، هل لديك واحد؟
– نعم بالتأكيد، سميها خرية!

كان عمي مستاءا لأنني كنت البنت السادسة لأبي، وفي الثقافة السائدة البنت مصيبة، فكيف بستة مصائب!!!
…..
كلما روت أمي القصة كطرفة تدغدغ بها مشاعر الحضور، كلما اضمحلت خلية في دماغي ومات شريان في قلبي… حتى كان ذلك اليوم الخالد في حياتي، عندما أبحر ذلك العاشق الولهان في عيني، وصاح: لو أحد يمنحني زورق……!!!!

عندها انتعشت خلاياي وأورقت كل شراييني، ومازالت تعيش ربيعها، وأنا في عقدي السادس!
……….
لا شك أنك في رحلة الحياة، تحتاج إلى شخص يبحث عن زورق، كي يبحر في عالمك ويكتشف كنوزك. لكن الحياة، وفي معظمها، هي ثمرة قراراتك الشخصية! ربما أرادني عمي أن أخرج إلى الحياة خرية، انتقاما لأخيه المفجوع بستة مصائب!
لكنه كان قراري أن أخرج إلى الحياة وفاء سلطان، لأثبت له أنني العلاج لكل مصائبهم!
********************************************************************
* أتمنى لأمي الغالية في عيدها يوما هادئا وجميلا، فلقد تعلمت من أخطائها أن أمارس أمومتي بطريقة أفضل….. كما وأتمنى لكل أم على سطح الأرض أحلى الأمنيات،
مع خالص محبتي…..

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.