كرديات عفرين.. شهادات مروعة من داخل الأقبية التركية

نوروز رشو – شمال سوريا

لم تمضِ سوى أيام قليلة على سيطرة الجيش التركي، والمجموعات المسلحة التابعة له، على منطقة عفرين الكردية شمال غربي السورية في مارس 2018، حتى بدأت أخبار الانتهاكات بحق سكان المنطقة الأصليين وممتلكاتهم تنتشر عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث لم تستثنِ هذه الانتهاكات النساء ومن مختلف الأعمار.

تقول زهيدة (اسم مستعار) وهي امرأة كردية في العقد الخامس من عمرها، “لمجرد كونك امرأة كردية، فهي تهمة كافية للاعتقال والاختطاف وحتى القتل”.

بمشاعر من الأسى والحزن تحدثت زهيدة، لموقع الحرة، عن أدق تفاصيل اعتقالها الذي جرى بعد شهر ونصف من دخول الجيش التركي والمجموعات المسلحة التابعة له إلى مدينة عفرين، “أعرفه جيداً، ذلك الشاب الذي أتى رفقة فصيل “أحرار الشام” لاعتقالي، كان جارنا في نفس البناء، جاء نازحا إلى عفرين قبل سنتين، ومع اليوم الأول لاحتلال المدنية انضم للمسلحين”.

وتتابع “تم اقتيادي بداية إلى مقر إحدى المجموعات المسلحة في مدينة عفرين، وبعد عدة ساعات أخذوني إلى مدينة كلس داخل تركيا، كنا ثلاث نساء من أصل 37 معتقلا جرى نقلنا إلى هناك، وضعوني في زنزانة كانت عبارة عن قبو تحت الأرض تضم قرابة 150 امرأة، كلهن كرديات من عفرين”.

مصير 400 امرأة لا يزال مجهولا
وقد وثقت منظمة حقوق الإنسان في عفرين مقتل 69 امرأة، إضافة لتعرض أكثر من ألف امرأة للاختطاف أو الاعتقال التعسفي منذ بدء سيطرة الجيش التركي التركي والفصائل الموالية لأنقرة على المنطقة. جرى الإفراج عن جزء منهن بعد محاكم صورية أو دفع فدى مالية تصل، في بعض الحالات، إلى 10 آلاف دولار، فيما لا يزال مصير 400 امرأة منهن مجهولا.

يقول الناطق باسم المنظمة الحقوقي إبراهيم شيخو، “كل فصيل من المجموعات المسلحة التابعة لتركيا لديه عدة مراكز اعتقال يتم احتجاز النساء المختطفات فيها، إضافة لعدد من السجون في ماراته، والراعي ومارع، حيث تسجن فيها النساء المعتقلات. وهناك سجون في الداخل التركي أيضا يتم احتجازهن فيها”.

وكانت منصات على مواقع التواصل الاجتماعي تناقلت قبل عدة أشهر مشاهد مصورة لمجموعة من النساء كنّ محتجزات في مقر عائد لفصيل “فرقة الحمزات”، وجرى الكشف عنهن عندما اقتحم مسلحون من ريف دمشق مقر الفصيل “التركماني”، بعد اشتباك مسلح نشب بينهما. ويذكر أن جميع النساء اللواتي كنّ محتجزات تم اختطافهن منذ قرابة عامين دون أن يعلم ذووهن بمصيرهن.

وعلى الرغم من تسليم النساء المحتجزات إلى ما تسمى “الشرطة العسكرية” التابعة لـ “الجيش الوطني السوري” بعد الاقتحام، حيث كان من المفترض أن يتم عرضهن على القضاء، إلا أن “الشرطة العسكرية” عادت وسلمت المعتقلات لـ “فرقة الحمزات” التي نقلتهن إلى مكان غير معلوم، وذلك وفقا لتقرير صادر عن منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”.

انتهاكات جسيمة تتعرض لها النساء المعتقلات
وتشهد منطقة عفرين انتهاكات واسعة بحق النساء، تمارسها معظم المجموعات المسلحة الموجودة في المنطقة والمنضوية ضمن ما يسمى “الجيش الوطني السوري”، وتتبع هذه الجهات للحكومة السورية المؤقتة والائتلاف الوطني السوري.

حول ذلك يقول المدير التنفيذي في منظمة سوريون من أجل الحقيقية والعدالة بسام الأحمد، “لدينا العديد من التقارير التي توثق الانتهاكات بحق النساء ومن ضمنها حالات الاعتقال، وفي كثير من الأحيان تكون المخابرات التركية مسؤولة عنها، حيث تقوم دوريات مشتركة بين المخابرات التركية والمجموعات المسلحة باعتقالات ومنها تلك التي تطال النساء أيضا”.

وكانت تقارير عدة صادرة عن المنظمات الحقوقية أشارت إلى الوضع المحفوف بالمخاطر الذي تواجهه النساء في منطقة عفرين، وتعرض النساء الكرديات المعتقلات في مراكز الاحتجاز والسجون لسوء المعاملة والتعذيب.

تقول شيرين (اسم مستعار) وهي معتقلة سابقة لدى فصيل “السلطان مراد” بأنها بقيت محتجزة لمدة أسبوع في زنزانة انفرادية، قبل أن يتم نقلها إلى سجن آخر، “كنا أكثر من ثلاثين امرأة في نفس الزنزانة، وبعض النساء كان برفقتهن طفلاتهن اليافعات، المسلحون كانوا يوجهون لنا الإهانات والشتائم والألفاظ النابية باستمرار، أغلبنا تعرض للضرب سواء بالصفع أو مواسير المياه، وعدة فتيات تعرضن للتعذيب بالصعق بالكهرباء أيضا، وإحداهن حاولت الانتحار”.

وتتابع شيرين التي بقيت معتقلة لمدة أربعة أشهر وتم الإفراج عنها عقب تمكن ذويها من دفع مبلغ ألفي دولار كفدية مالية، “محققون أتراك وسوريون كانوا يقومون باستجوابنا، والتهمة الجاهزة كانت العلاقة مع وحدات حماية الشعب أو التعامل مع الإدارة الذاتية”.

التعذيب وسيلة لترهيب النساء
وكان تقرير للجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا صدر شهر سبتمبر الماضي، قد وثق قيام مسلحي “الجيش الوطني السوري” باحتجاز نساء وفتيات، حيث تعرضن للاغتصاب والعنف الجنسي، ما ألحق بهن ضررا جسديا ونفسيا جسيما على المستوى الفردي، وكذلك على المستوى المجتمعي، بسبب الوصم والمعايير الثقافية المتعلقة بفكرة “شرف الإناث”، بحسب التقرير.

وتم تسجيل 67 حالة اغتصاب منذ سيطرة تركيا على المنطقة، وفقا لمنظمة حقوق الإنسان في عفرين، إضافة لخمس حالات انتحار جرى توثيقها. وتم رصد العديد من حالات الزواج القسري جرى فيها إكراه الفتيات على الزواج من عناصر المجموعات المسلحة تحت الضغط وتهديد عائلاتهن.

ويكتنف عملية توثيق الانتهاكات والوصول إلى شهادات الضحايا صعوبات جمة، لاسيما تلك المرتكبة بحق النساء. عن ذلك يقول بسام الأحمد، “في الحالات العادية يخاف الناس التكلم عن الانتهاكات فما بالكم عندما يتعلق الأمر بالنساء؟ فهناك الاعتبارات الاجتماعية وخشية الأهل الحديث، ناهيكم عن مخاوف الانتقام والتعرض للاعتقال مرة أخرى في حال الحديث”.

وتُرجع الباحثة في جامعة جورج تاون الأميركية ميغان بوديت، انتهاكات المجموعات المسلحة التابعة لتركيا بحق النساء في عفرين، إلى رغبة هؤلاء لدفع من تبقى من السكان الكرد إلى المغادرة، إضافة الى تحصيل الأموال عبر الفدى التي يدفعها ذوو المختطفات.

إضافة الى ذلك، تعتقد بوديت التي تدير منصة إلكترونية باسم (نساء عفرين المفقودات)، إن المجموعات المسلحة وعبر عمليات الاختطاف والاعتقال توجه رسالة إلى النساء الكرديات، مفادها، “أنه غير مرحب بهن في الحياة العامة في المناطق المحتلة، ما لم يخضعن للأعراف الاجتماعية المتزمتة التي تطبقها الفصائل المتطرفة”.

وكانت المرأة الكردية قد تبوأت مناصب سياسية وعسكرية عليا، ونجحت في تطبيق حماية قانونية أقوى لحقوق المرأة، أكثر من أي كيان سياسي آخر في الصراع السوري، “مع ذلك، فقد تم تدمير كل هذه التطورات منذ الغزو والاحتلال التركي، إذ تواجه النساء الآن التمييز والتحرش والاعتداء وانتهاكات أخرى”، قالت بوديت.

جرائم حرب، من يتحمل المسؤولية؟
بحسب لجنة التحقيق الدولية، فإن الانتهاكات المرتكبة بحق النساء في عفرين تندرج ضمن جرائم الحرب. ويؤكد ابراهيم شيخو ذلك بالقول، “وفقاً للقانون الجنائي الدولي واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، فإن الإخفاء القسري، الاعتقال التعسفي، حجز الحريات، وطلب الفدية، إبان النزاعات المسلحة، كلها تندرج ضمن جرائم الحرب، وهي ما نشهده في عفرين يوميا”.

وفي ما يتعلق بالمسؤولية القانونية عن هذه الانتهاكات قال شيخو، “تركيا بصفتها الحاكم الفعلي للمنطقة، كذلك الائتلاف الوطني السوري باعتباره المظلة السياسية للمجموعات المسلحة ضمن الجيش الوطني السوري، إضافة لمتزعمي هذه المجموعات، كلهم يتحملون مسؤولية الجرائم والانتهاكات في عفرين”.

ويتفق بسام الأحمد حول مسؤولية تركيا عن هذه الانتهاكات، موضحا هدفها من ذلك بالقول، “تتمتع تركيا بسيطرة فعلية على المنطقة ويفترض منها أن توقف الانتهاكات، لكنها لا تحرك ساكنا في هذه الصدد. هناك استهداف ممنهج للكرد وهناك نية لسحق الوجود الكردي في المنطقة ودفع المتبقين للهجرة لإحداث تغيير ديمغرافي”.

“المطلوب لوقف الانتهاكات هو انهاء الاحتلال التركي وإخراج المجموعات المسلحة التابعة له من عفرين وتسليم المنطقة لأهاليها”، أردف الأحمد.

جانبها ترى ميغان بوديت أنه ينبغي على المجتمع الدولي إدانة تدهور حقوق المرأة وسلامتها وحرياتها في المناطق التي تحتلها تركيا، وطالبت بفرض عقوبات على جميع الأفراد والكيانات المسؤولة عن هذه الجرائم في عفرين، “الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لديها سلطة معاقبة هذه الجماعات، لكنها اختارت مرارا عدم القيام بذلك. يجب أن تنتهي ثقافة الإفلات من العقاب”، تقول بوديت.

استطاعت التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية السورية والكردية، إضافة لتلك الصادرة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا والتابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، توثيق جزء من انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة عفرين، وتوصيفها على أنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وذلك على الرغم من القبضة الأمنية، والتعتيم الإعلامي وعدم السماح بدخول وسائل الإعلام المستقلة، كذلك غياب المنظمات الحقوقية المعنية، والتضييق على النشطاء وملاحقتهم، وهو ما يدعو للاعتقاد بأن الانتهاكات التي أميط عنها اللثام، ليست سوى جزء يسير من حقيقة تردي أوضاع حقوق الإنسان في عفرين.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.