كتب سمير سعيفان: ماذا لو مرة أخرى:


بعد ان كتبت بوست قبل ايام بعنوان “ماذا لو”، اتصل بي احد الصحفيين العاملين في احدى الصحف الصادرة بدمشق وطلب ان اكتب جواب مكثف لسؤال واحد وهو : ماذا لو لم يحصل في سوريا ما يحصل منذ ٢٠١١، وفعلا ارسلت له جواب من نحو ٣٥٠ كلمة ، ولكن هذا الصحفي عاد لي اليوم ليبلغني اعتذار الجريدة عن نشر إجابتي، ولكني أجبته بانني اتفهم عدم نشر مثل هذا الجواب، فما زال الحد الأدنى من الحريات العامة مفقود مع قدرة غير محدودة للأجهزة على التعسف وهنا نص إجابتي:

لو لم تشهد سوريا سنواتها العجاف الثمانية، لكنا تجنبنا كل هذا الموت و الدمار المادي والمجتمعي. كانت سوريا ستستمر في الطريق الذي سلكته قبل 2011، مع ميل نحو الانحدار.
ستستمر السياسة الليبرالية في فعلها السلبي بخاصة بعد سنة 2005، والتي تحرض الاستهلاك بدًلا من الانتاج، وسيستمر توسع القطاعات الخدمية الريعية مقابل إهمال الصناعة والزراعة، وهما القطاعان المنتجان الرئيسيان في سوريا، وسيستمر رفض إصلاح القطاع العام ليبقى “بالوعة” تهدر ثروة البلاد ونهبًا للمتنفذين، وسيستمر تراجع إنتاج النفط مقابل تزايد استهلاكه، وتراجع قيمة الفائض منه، وسيستمر تدهور التعليم الحكومي بكافة مراحلة مقابل نمو التعليم الخاص المدفوع، وتدهور خدمات الصحة الحكومية مقابل توسع القطاع الخاص مرتفع التكلفة، وتزايد ازمات مياة الشرب وأزمة السكن لمحدودي الدخل، مع التوجه للنشاط العقاري للأغنياء، وسيستمر الاستيراد بالتزايد بعد سياسة الانفتاح غير المدروس دون أن يؤدي لزيادة في الصادرات. وسيستمر الفساد بمعدلات مرتفعة دون معالجة، وسيستمر القضاء فضاءً لضياع حقوق الضعفاء. كل هذا مع عجز عن خلق فرص عمل للقادمين الجدد إلى سوق العمل، وعجز عن رفع معدلات الأجور لتقابل تزايد تكاليف المعيشة، مما يزيد معدلات الفقر التي بلغت سنة 2010 نحو 32% من الأسر السورية.


سيستمر سيطرة رأسمالية تلوذ بالسلطة وتوجيه السياسة الاقتصادية والاجتماعية بما يخدم مصالحها، على حساب المصالح العامة للسوريين. وسيزداد التفاوت في الثروة والدخل بين جموع الفقراء ونخبة الأغنياء. وسيزداد استغلال قوى الإسلام السياسي التي تعمل تحت الأرض لهذه الأوضاع وستوسع نفوذها المعادي للسلطة، وستستمر السلطة في غض طرفها اتقاءً لإثارتها.
سيستمر مجلس الشعب والنقابات وأحزاب الجبهة هياكل عظمية بدون أي دور وأي فائدة، وسيستمر صوت الشعب مكتومًا بدون تنظيمات سياسية ونقابية تعبر عن مصالحة، وبدون حريات عامة، وسيستمر دور أجهزة الأمن لمواجهة أي انفجار قد تخلقه هذه الأوضاع. وستزيد تركيا من سيطرتها الاقتصادية على سوريا، بينما تزيد إيران من نفوذها السياسي.
سينمو انتشار الانترنت ووسائل التواصل، وسيتزايد اطلاع المواطن عما يوجد في العالم من تقدم وازدهار وحريات وكرامة، وسيقيم المقارنات، وسيتراكم غضبه مما سيصيبه بجلطات دماغية.
لو طرحت السلطة في 2011 برنامجًا يقدم وعدًا بمعالجة هذه الظواهر، لقطعت الطريق على المتربصين بسوريا، ولكانت سوريا تجنبت الكارثة، ولكانت الآن في حال يغيظ أعدائها ويسر أصدقائها. لكن من زرع ال “لو” حصد “يا ريت”.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.